![]() |
سقوط الجدران- نص قصصي
سقوط الجدران يهبط المساء سريعاً فى الشتاء . جال هذا الخاطر برأسه وهو يرى عباءة الليل تفترش الشوارع . كانت الساعة لم تتعد السادسة ، إلا بدقائق قليلة . يوم طويل من العمل المضنى قد اعتاده ، ففى الحياة لابد أن تتعب لكى تأكل لقمة نظيفة ، وتطعم أيضاً الأفواه التى تنتظرك . رفع " جاكت " البدلة المهترئ الذى يضعه فوق القفطان ، ليغطى له رأسه من قطرات المطر . ومن بعيد لاحت أضواء خافته من العشش المتراصة والتى كثيراً خيل إليه أنه لا يمنعها من التداعى سوى التصاقها ، واستناد إحداها على الأخرى. وعندما يقترب أكثر تلوح له عشته فيميزها بوضوح . ينتبه إلى أنه جائع ويرتسم فى مخيلته طبق الفول الساخن الذى تعده المرأة ، فيكاد يشم رائحته . يتضاعف إحساسه بالجوع ، فتتسع خطواته ويتسارع إيقاعها . سيدخل متجهماً كالعادة ، وترد المرأة على التحية بلا حماس . - العشاء يا " ولية " فى صمت تعد المرأة العشاء ، طبق الفول الساخن ، والجبنة "القريش" . لا يتكلم معه أحد حتى ينتهى العشاء ، وإلا ناله من الضرب والشتم ما هو فى غنى عنه . الجميع يعلم أنه بعد العشاء ، يهدأ ويصفو ، خاصة بعد أن يأخذ " الكيف " . وعندما حاولت المرأة يوماً أن تقول أن " العيال " أحق بفلوس الكيف . نالت علقة لم تنلها فى حياتها ، ولم يخلصها سوى الجيران فى العش الملاصقة . يومها قال وهو لا يزال ممسكاً بها والجيران يحاولون تخليصها : - حرمت من كل متع الحياة ولم تعد لى بهجة سوى " هذا "، وبنت الكلب تريد أن تحرمنى منها . وفى الأيام التى لم يستطع فيها الحصول على الكيف ، كان يتحول إلى وحش شرس ، يضرب لأتفه الأسباب ، ساعتها قالت لنفسها سأشترى له الكيف بنفسى ، حتى ولو يأكل " العيال " . - الشاى يا " ولية " فى صمت تشعل الموقد بينما هو يلف سيجارة حتى يعتدل مزاجه بعد يوم من العمل المضنى ، والإهانات التى يبتلعها من أجل لقمة العيش من أول النهار لآخره ، ثم ينساها مع أنفاس الكيف ، ليستطيع أن يتحمل من جديد . يرتشف الشاى مع الأنفاس ، وقد بدأت نفسه تصفو ، ويلاحظ " العيال " وقد بدأ النوم يغزو عيونهم ، فتترنح نظراتهم كأنها سكرى . تنام " سامية " و " سكينة " على الكنبة المواجهة للسرير ، بينما ينام " محمد " الرضيع على حرف السرير الملاصق للحائط . تبدأ البهجة تغزو نفسه فيحاول مداعبة الرضيع ، ولكن "محمد" الصغير لا يستجيب وقد أحكم النوم سيطرته على وعيه ، فيتركه وينتبه إلى الحوار الدائر فى العشة المجاورة . هم جميعاً فى العشش الملاصقة ، يسمعون ما يدور عند بعضهم ، فلا يوجد سر ، لم يعودوا يتحرجون وهم يعملون أن آذان الآخرين تعيش معهم . المرأة فى العشة المجاورة للسرير دائماً تثير الشجار ، ولكنه يعلم ما الذى يجعلها تهدأ . تقول امرأته وهى تتابع الشجار الدائر بأذن مدربة : - هى هكذا كل يوم . ثم تصعد بجانبه على السرير وهى تمسك بجلاليب البنات القديمة ، تجتهد فى ترقيعها بينما هو يقترب من إنهاء سيجارته الملفوفة الثانية . فكرت فى أن تبدأ معه حديثاً ولكنها تراجعت وآثرت الصمت. وعندما لاحظا الصمت فى العشة الملاصقة للسرير ، تبادلا النظرات ، ثم أصغيا السمع . بعد فترة قصيرة اخترقت مسامعهما ضحكات ماجنة ، فتبادلا النظرات وغرقا فى الضحك . قال لها وهو لا يزال غارقاً فى الضحك ، وقد أصبح مزاجه أكثر إشراقاً : - إما هذا وإما لا تكف عن الشجار . وواصل الإصغاء إلى التأوهات والفحيح ، والضحكات الماجنة، وهو يجتهد فى إرهاف السمع ، حتى شعر بأنه بجانبهما على الفراش . ثم ببطء بدأ شىء فى داخله يتحرك ، فخرج صوته متهدجاً : - " أم محمد " فهمت المرأة صوته ، فقالت بصوت خفيض : - اعقل يا رجل . " العيال " لم يناموا تماماً . لم يأبه بكلامها ، وجذبها بعنف ، ثم طوقها بذراعيه ، بينما هى تحاول التملص . أحكم ذراعيه حول جسدها والتصق بها ، فقالت وهى تحاول إبعاده : - فلنطفئ النور أولاً . عندما أطفأت النور لم تكن العشة معتمة تماماً ، فقد كان الضوء يخترقها . خلعت ملابسها بسرعة ، وفعل هو مثلها . كان بصرها يجول فى العشة ، بينما هو جاثم فوقها . تريد أن ينتهى سريعاً . متعبة ولكن لا بأس من الانتظار . عاد بصرها يجول فى أرجاء العشة ثم توقف بصرها عند الكنبة المواجهة للسرير ، على أربعة عيون تلمع فى الظلام |
....السلام عليكم الأخ سروجي ....لقد استمتعت بقراءة هذه القصة ....وشممت رائحة الفول المصري ...من بعيد واشتقت للمسه ...والحوار مع أهله ...شكرا......فاطمة الجزائرية
|
|
العزيزة سامية ياسين
شكرا لهذه المعايشة القصصية اعتز برأيك خالد السروجي |
| الساعة الآن 11:25 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط