مكتب الدخول لساحة الشعور والوعي
كما ذكرنا مع التطور والتنوع والتوسع بشكل هائل لما يرد إلى الدماغ من مستقبلات الأحاسيس . صار من الضروري تنظيم وترتيب معالجتها من أجل الاهتمام بالأهم والضروري معالجته أولاً , وبذلك نشأ ما يمكن اعتباره بمثابة "مكتب الدخول" يتحكم بتنظيم دخول كمية محدودة من المعلومات الآتية من المستقبلات الحسية ولا يدخل إلا الهام والضروري منها لمعالجته , من أجل تحديد الاستجابة والتصرف المناسب لها .
ما هي الطرق التي تدخل بها المؤثرات (أو التيارات العصبية ) ساحة الشعور والوعي؟
هناك أولاً واردات الحواس وهي التيارات العصبية الآتية من المستقبلات الحسية, الداخلية, مثل الإحساس بالجوع أو العطش, والخوف وأحاسيس الانفعالات الكثيرة الأخرى... والكثير غيرها, و مستقبلات المؤثرات الخارجية, مثل النظر والسمع...., وباقي مستقبلات الحواس الأخرى للعالم الخارجي . وهناك فرق بين ما ترسله المستقبلات الحسية, وما يتم الإحساس والشعور والوعي به فعلياً .
وهناك ثانياً واردات الذاكرة من اللحاء وباقي أجزاء الدماغ, وهي ذات أنواع مختلفة, حسب آلية حدوثها, وهي:
أ_ التداعي نتيجة الإشراط والارتباط أو التتابع الزمني.
ب_ التداعي نتيجة الإشراط والارتباط المكاني ( التجاور المكاني).
ج_ التداعي نتيجة الارتباط للتشابه في التأثيرات أو المعنى(التشابه الذي يسمح بالتعميم)
د_ الاستدعاء المخطط الإرادي الواعي, نتيجة المعالجات الفكرية الإرادية الواعية.
دور المؤثرات التي تدخل ساحة الوعي أو الشعور وتأثيرها الكبير
إن المؤثرات التي تدخل ساحة الشعور وتعالج فيها تأخذ أهمية استثنائية على باقي المؤثرات الأخرى وبغض النظر عن أهميتها ودورها و وظيفتها الحيوية أو القيمة الفعلية لها , وهذا راجع إلى أن معالجة هذه المؤثرات لا تأخذ بالحسبان باقي المؤثرات الأخرى التي لم تدخل ساحة الشعور , وهذا لأن المعالجة لهذه المؤثرات تكون بطريق غير مباشر, فهي تتم عن طريق الإشراطات والتعلم والتحكم بمنحى المعالجة .
ويمكن إثبات ذلك بالقيام بمعالجة وضعين متكافئين في النتيجة كل على حدة , مثل تقرير أي من الطريقين أفضل للوصول إلى مكان معين بمعالجة كل منهما بمفرده , إننا نجد أحياناً أن كل من الطريقين هو الأفضل, وهذا غير دقيق, فهذا يظهر انحياز النتيجة عند المعالجة في ساحة الشعور , فنحن نصل إلى نتيجة متناقضة هي أن كلاً من الطريقين هو الأفضل .
ويمكن تفسير ذلك, بأن واردات الحواس أغلبها لا يدخل ساحة الشعور, فهي تعالج في مناطق الاستقبال لهذه الحواس في العقل الحوفي واللحاء ثم يرسل بعضها إلى ساحة الشعور, وأثناء ذلك ونتيجة الإشراطات والارتباطات المتكونة سابقاً, يحدث أن تعدل وتغير , أي أن واردات الحواس لا تصل إلى ساحة الشعور إلا بعد تعرضها للمعالجة والتعديل, وكذلك يدخل معها بعض مؤثرات التيارات العصبية الأخرى والتي كانت قد ترابطت معها .
فأي صوت أو صورة أو رائحة أو كلمة..... أي مؤثر حسي لا يصل إلى ساحة الشعور بشكل خام , فهو يتعرض للتعديل والتغيير, ويمكن أن تدخل معه مؤثرات أخرى , وهذا ما ينتج أغلب الأخطاء والتناقضات في المعالجات الفكرية الواعية.
ماذا سيحدث للأحاسيس البشرية وبشكل خاص للوعي ؟
على الأغلب سوف تتوسع مجالاتها وأنواعها وكميتها ، وسوف تنتظم وتتوافق مع المفيد والواجب والضروري لاستمرار وتطور البنيات المتفاعلة ( أغلبها إن لم يكن جميعها ) ولكن أين ستتوضع تلك الأحاسيس ؟
هل ستبقى متوضعة في العقول الفزيولوجية الحية ، أم ستتوضع في العقول الالكترونية ، أم في عقول مشتركة حيوية الكترونية ؟
الاحتمال الأكبر هو الأخير .
ماذا سيحدث للتيارات العصبية الحسية المؤلمة ؟
على الأغلب سوف تعدل وتخفف ، وسيتم السيطرة التامة عليها ، ولكن سوف يحافظ عليها من أجل وظيفتها الهامة (الحماية والإنذار والتوجيه ) ، بالإضافة إلى أنها ضرورية لإنتاج الأحاسيس اللذيذة (ربما يتعدل هذا فيما بعد وتصبح غير ضرورية ) .
التفكير
لقد عرف أحدهم التفكير بأنه سلسلة من العمليات العقلية ( أو المعالجة ) التي يقوم بها الدماغ عندما يتعرض لمثيرات استقبلها من الحواس , والتفكير بمعناه الأوسع هو عملية بحث عن معنى الأوضاع والمثيرات التي يتعرض لها الفرد , وقد يكون المعنى ظاهراً حيناً , وغامضاً حيناً آخر ويتطلب للتوصل إليه معالجة مكونات تلك الأوضاع .
إن دماغنا أهم أعضاؤنا وأكثرها تعقيداً وهو وراء كل عملياتنا الحياتية , سواء أكانت حركات بسيطة كتحريك مفصل في الأصبع أو حركات معقدة مثل المشي والسباحة وقيادة السيارة أو الكتابة والقراءة .. , أو كانت أعمال كالوعي والتفكير والتذكر والكلام والتعلم والخلق والابداع ,أو كانت أحاسيس ومشاعر وكافة العواطف والانفعالات, فهو الذي يولد اللذة والألم والسعادة أو الشقاء , فهو الذي يتضمن ذات ووعي كل منا .
ففيه تجمع المعلومات عن المحيط وما فيه , وعن حالة الجسم الداخلية, بواسطة واردات مستقبلات حسية – الحواس- التي تستجيب للمؤثرات الميكانيكية والضوئية والحرارية والكيميائية – نظر وسمع ولمس وذوق وشم .... – وتحولها إلى نبضات عصبية كهربائية ترسلها إلى الدماغ , الذي يقوم بتفسيرها وتصنيفها وتقييمها , وتخزين مضامينها ومعانيها , لكي يستخدمها في الحفاظ على الجسم وتحقيق حاجاته ودوافعه .
" يمكننا أن نتتبع نشوء العقل ( أو المعالجات الفكرية ) من أبسط الكائنات العضوية المفكرة والتي تمتلك ألياف عصبية إلى أعقد تلك الكائنات وهو الإنسان . ويمكننا أيضاً أن نصنع آلات تمتلك الكثير من السمات والخصائص المادية لمثل تلك الكائنات المفكرة البسيطة . وهكذا يبدو أن الكثير من جوانب العقل الإنساني لها أساس مادي محدد . وهناك جوانب من العقل لا نستطيع بعد تفسيرها تماماً من خلال البناء المادي , ولكن الثورة العقلية لا تزال في المهد .
إننا نعتبر أن الوعي والإدراك هما أساس مفهوم العقل أو التفكير , وهذا ما حجب عنا أساس مفهوم التفكير ، فالإدراك والوعي والفهم , هم المراحل المتقدمة جداً من المعالجات الفكرية للأحاسيس .
إن التعرف يتضمن التمييز, وللتمييز لا بد من المقارنة, لذا فالتعرف ليس عملية بسيطة وهو الأساس الذي يبنى عليه كل تفكير . والتعرف بالنسبة للعقل البشري يتم ببناء الهويات أو المفاهيم التي ترمز الأشياء التي تم التعرف عليها . وبناء على ذلك يمكن أن نعتبر كل بنية تقوم بالتعرف هي بنية تستطيع أن تفكر إذا قامت بمعالجة ما تعرفت عليه لكي تحقق أوضاعاً محددة . وهذا التعريف للتفكير يسمح لنا بتصنيف الكثير من البنيات على أنها تقوم بالتفكير.
ومن هذا المنظور يمكن اعتبار حتى البنيات الاجتماعية هي بنيات مفكرة مثلما وحيدات الخلية هي بنيات مفكرة .
ويمكن إرجاع كل تفكير مهما كان متطوراً ومعقداَ يمكن إرجاعه إلى أسسه , وإذا أخذنا التفكير البشري كمثال فإننا نجد أنه يعتمد بشكل أساسي على البنيات اللغوية الفكرية ومعالجتها ( وهوأيضاً يفكر بدون الاعتماد على اللغة ), والتي يمكن إرجاعها إلى البنيات الفكرية العصبية والتي بدورها يمكن إرجاعها إلى البنيات الفزيولوجية, والتي ترجع إلى البنيات الكيميائية التي ترجع إلى البنيات الفيزيائية .
إن أساس التفكير في رأيي هو القدرة على التعامل مع الخيارات والتحكم بها لتحقيق هدف معين . وهذا ما جعل الكثير من البنيات هي بنيات مفكرة . فبنية الحياة ، وكذلك بنية كل كائن حي حيوان أو نبات , والبنيات الاجتماعية , والكومبيوتر , وغيرها هي بنيات تتعامل مع الخيارات وتحقق هدفاً معين . فهي تفكر .
و للكائنات الحية عناصر وآليات متعددة للتفكير غير العناصر والآليات العصبية , فهي تعتمد العناصر الفيزيائية والكيميائية والفزيولوجية والأعضاء والأجهزة, وآليات متنوعة في التعامل مع الخيارات المتاحة للوصول إلى الأوضاع المستقرة والمناسبة لنموها واستمرارها(مثل جهاز أو أجهزة الحماية والمناعة_أجهزة التغذية والهضم والتمثل_أجهزة التكاثر والتزاوج_....), ويكون أغلبها موجوداً عند الأحياء البسيطة و القديمة ولا يعتمد على الجهاز العصبي أو على الأحاسيس وإذا اعتمد على جهاز عصبي فهو يكون جهازاً بسيطاً , ويجب أن ننتبه كما قلنا إلى أن الجهاز العصبي يعتمد في عمله على العناصر والآليات الفيزيائية والكيميائية أيضاً.
التفكير البشري
إن التفكير البشري هو تعامل فكري مع الخيارات المتاحة يستبق التعامل الواقعي معها , وهذا ما يميز التخطيط البشري عن تخطيط الكائنات الحية الأخرى , فتخطيط تلك البنيات يجري بالتعامل مع الخيارات المادية الموجودة , حسب البرنامج الوراثي الموضوع , ودون استباق المستقبل بشكل فكري .
فالكائنات الحية البسيطة تعتمد على العناصر والقوى الفيزيائية والكيميائية والحيوية الموجودة . وإن كان هناك الذاكرة فكرية محدودة , ولا تتوقع أو تتنبأ للمستقبل , إلا حسب عوامل وراثية محدودة , وإن حدث وقامت بعض الكائنات الحية بمشاريع مستقبلية , فيكون هذا مبرمج فزيولوجياً وعصبياً وليس فكرياً وبشكل واع مثل الإنسان .
وهذا هو الفرق الأساسي والهام جداً بين تفكيرنا وتفكير غالبية الكائنات الحية الأخرى , وهذا ماعرفه وشعر به كل من فكر في هذا الموضوع , فنحن نفكر ونتعامل مع الوجود بطريقة مختلفة عن باقي الموجودات لأننا نستخدم البنيات الفكرية اللغوية التنبؤية ( السببية واستباق المستقبل ) وخصائصها الفريدة في التعامل مع الخيارات .
إن هذا الفرق الهام جداً هو ما يميزنا عن باقي الكائنات الحية وباقي بنيات الوجود الأخرى , فنحن نتعامل مع الخيارات في زمن مفتوح ( نسبياً ) , ماض و حاضر ومستقبل , أما باقي البنيات الحية فتتعامل مع الخيارات المتاحة لها في زمن الماضي والحاضر فقط ولا تستطيع استباق الحاضر إلى المستقبل في تعاملها مع الخيارات ( إلا بشكل غريزي وراثي محدود ) .
فاللغة والتخطيط الفكري , والسببية المتطورة هو ما يميز تفكيرنا عن باقي بنيات الوجود , فنحن فقط نستطيع أن نختار الخيار الأنسب من بين مجموعة خيارات متاحة لنا , وذلك بالاعتماد على أفضليتها المستقبلية وليس الحالية , وذلك باستعمال البنيات الفكرية اللغوية "التنبؤية " المتطورة العالية الدقة . وكلما كانت دقتها أعلى كان تخطيطنا أكثر فاعلية في تحقيق أهدافنا الموضوعة .
التفكير البشري والتفكير بشكل عام
إن التعامل مع الخيارات من أجل اختيار المناسب , هو أساس التفكير , يتم بناءً على أحد الطرق التالية:
1 _ بناءً على تأثير البنيات الخارجية على البنية المتعاملة مع الخيارات, أي أن الخيارات تكون مفروضة مباشرة على البنية, والتفاعلات بين البنيات الفيزيائية مثال على ذلك: النهر عندما يشكل مساره أو مجراه فهو يشكله حسب العناصر والقوى أو التأثيرات - أي الخيارات الفيزيائية- التي تحدث له.
2-بناءً على تأثير البنيات الخارجية ولكن بعد مرورها بمعالجة بسيطة أو معقدة, أي أن تأثير الخيارات يكون غير مباشر ويخضع لتعديل وتغيير حسب المعالجة التي يخضع لها , وأعقد أنواع المعالجات هي التي تتم في العقل البشري . ومن هذا المنظور نجد أن التفكير لم يعد مقتصراً على الإنسان أو الحيوان فهو موجود لدى بعض البنيات, فهو حادثة طبيعية منتشرة لدى بعض البنيات , ولكن الفرق الآخر و الهام بين التفكير البشري و الحيوانات المتطورة من جهة , و تفكير باقي البنيات المفكرة الأخرى من جهة ثانية هو وجود الإحساس أو الشعور المترافق مع التفكير والمتفاعل معه في نفس الوقت, وهذا الإحساس يصبح لدى الإنسان على شكل وعي متطور واسع . ويتشكل أيضاً وعي جماعي .
إن هذاالتوضيح للتفكير البشري يسٌهل فهمه , ويساعد في التعامل معه لبناء معارف عالية الدقة , وبالتالي يسهل التعامل مع الأوضاع لتحقيق الأهداف والدوافع .
فإذا اعتبرنا أن التفكير هو التعامل مع الخيارات المتاحة واختيار المناسب (أي معالجتها كما في الكومبيوتر) بناءً على طرق وآليات معتمدة سابقاً وذلك للوصول إلى أوضاع محددة سلفاً .
وإذا جعلنا الأحاسيس والإدراكات والوعي هي مرافقة للتفكير وليست من أساس التفكير فهي مستقلة عنه ولكنها مساعدة , فإننا نجد أن الكائنات الحية الأولية- وحيدة الخلية- تفكر ولكن بعناصر وآليات فزيولوجية و كيميائية . وأن هناك الكثير من البنيات تفكر فتعالج الخيارات المتاحة وتختار وتصحح وتعود وتختار للوصول للأنسب لها .
ووجدنا أن التفكير ليس مرتبطاً بالجهاز العصبي فقط كما يظن أغلبنا, فنحن نربط التفكير بالأحاسيس والانفعالات والمعالجات الفكرية المنطقية مع أن كل منهم له عناصره وآلياته الخاصة به , لكنهم يعملون معاً , وهذا يجعل نتائج عملهم معقدة متشابكة ويصعب فهمها . فيجب تحليل ناتج عملهم لكي يتوضح لنا عمل كل منهم .
وكل تفكير يعتمد التعرف والذاكرة , ولكي يتم التعرف لا بد أولاً من التأثر بالمراد التعرف عليه , ثم لا بد من الاحتفاظ – الذاكرة- , وتصنيف هذه التأثرات , وذلك بالاعتماد على تمييز تأثيرات كل منها على الآخر , وهذا يتم بمقارنتها مع بعضها لتمييز الفرو قات بينها . فالتعرف يتضمن التمييز , وللتمييز لا بد من المقارنة , لذا فالتعرف ليس عملية بسيطة وهو الأساس الذي يبنى عليه كل تفكير - أو المعالجة الفكرية- .
والتعرف بالنسبة للعقل البشري يتم ببناء الهويات أو المفاهيم التي ترمز الأشياء التي تم التعرف عليها, وبناء على ذلك يمكن أن نعتبر كل بنية تقوم بالتعرف هي بنية تستطيع أن تفكر إذا قامت بمعالجة ما تعرفت عليه لكي تحقق أوضاعاً محددة , وهذا التعريف للتفكير يسمح لنا بتصنيف الكثير من البنيات على أنها تقوم بالتفكير.
ومن هذا المنظور يمكن اعتبار حتى البنيات الاجتماعية هي بنيات مفكرة مثلما وحيدات الخلية هي بنيات مفكرة .
ويمكن إرجاع كل تفكير مهما كان متطوراً ومعقداَ , سواء كان هو أو البنيات التي تقوم بهذا التفكير , يمكن إرجاعه إلى أسسه الفيزيائية .
وإذا أخذنا التفكير البشري كمثال فإننا نجد أنه يعتمد بشكل أساسي على البنيات اللغوية الفكرية ومعالجتها , والتي يمكن إرجاعها إلى البنيات الفكرية العصبية والتي بدورها يمكن إرجاعها إلى البنيات الفزيولوجية, والتي ترجع إلى البنيات الكيميائية التي ترجع إلى البنيات الفيزيائية. و تتفاعل البنيات اللغوية مع البنيات الاجتماعية عبر الناس الذين يستعملونها وهذا يعقد الوضع كثيراً.
ملاحظة على أسس الجدل الفكري
إن كل جدل - تفاعل وتبادل تأثير- لابد أن يكون بين بنيتين أو أكثر, وكما ذكرنا التفكيرالذاتي هو تبادل تأثير بين عدة بنيات يجري في الدماغ وأهمها:
1- التشكيل الشبكي وهو المعالج الأساسي وأول المعالجات العصبية نشوءاً.
2- المهاد وماتحت المهاد والدماغ الحوفي.
3- مقدمة اللحاء وهو يشمل العقل الحديث
إن دماغ الإنسان بعد أن يكتسب أو يصنع البنيات الفكرية( وخاصة البنيات الفكرية اللغوية), يستطيع لوحده أن يعمل ويقوم بجدل بين بنياته(التفكير الذاتي) ودون مثيرات خارجية (دون مدخلات) وينتج الأحاسيس والبنيات الفكرية الجديدة, فهو يستطيع إجراء تبادل تأثير بين بنياته وإدارة هذا التبادل للوصول إلى هدف تم اعتماده, وكل منا يعرف الجدل الفكري الذي يقوم به, فكل منا يستطيع أن يفكر مثل شخصين يتجادلان وكثيراً ما يستعمل أحدنا عبارة قلت لنفسي أو راودتني نفسي وكثيراً ما يعاتب الإنسان نفسه أو يحكم على نفسه, وأكبر مثال على ذلك هو ماينتجه الأدباء من قصص وروايات تشمل الكثير من الشخصيات والأحداث والمجادلات الفكرية وسيناريو الأحداث....., فكل هذا تم صنعه في دماغ واحد هو عقل الكاتب, إن هذه القدرة للعقل البشري هي التي جعلته شيئاً خارقاً في نظر كل منا, فذات أو نفس أو روح كل منا هي هذا الشيء الخارق الذي ينتجه دماغنا .
نحن البشر كيف نفكر
إن التفكير لدينا يعتمد بشكل كبير على اللغة , وكان البعض يرى أنه لا يمكن التفكير دون لغة , وأن الحيوانات تتصرف غريزياً ودون تفكير . ولكن ظهر أن غالبية الكائنات الحية تفكر وتتصرف بناءً على معالجة فكرية لما تتعرض له من ظروف ومؤثرات حسية , وبناءً على ما تعلمته أثناء حياتها .
هناك سؤال هام :هل هناك فرق جوهري بين تفكيرنا وتفكير باقي الكائنات الحية ؟؟
غالبية الناس ترى , أو يشعرون , أن لدينا شكلين من التفكير ( وفي رأيي هذا صحيح ) .
- التفكير الأول وهو التفكير بواسطة اللغة ,وهو : إرادي - منطقي - سببي , وهو تفكير تسلسلي . ففي حالة اللغة المحكية أو المكتوبة وفي حالات النقاش والجدل , وكذلك في حالات ذكر الحوادث والقصص يكون التفكير تسلسلي . وأيضاً في حالة التفكير المنطقي والتفكير السببي والرياضيات يكون التفكير تسلسلي . وفي حالة كافة أشكال التعلم في المدارس والجامعات يستعمل التفكير التسلسلي بشكل أساسي .
- أما التفكيرالثاني فهو تفكير حدسي وغير واع وشامل , مثل الإلهام والوحي والإبداع في الشعر والموسيقة والعلوم , وهو التفكير المتوازي . والمشي والسباحة وركوب الدراجة , وكافة المهارات الجسمية والمعرفية كإلقاء الخطب, تمارس بالتفكير المتوازي بشكل أساسي , مع توجيه وقيادة الفكير التسلسلي .
إن تعلّم كافة الحيوانات التصرفات والمهارات مثل تعلم الصيد من أبويها أو رفاقها , يتم باستخدام التفكير المتوازي , فهي تتعلم دفعة واحدة لكثير من الأمور , وليس خطوة خطوة , فهي لا تفكر بشكل تسلسلي مثلنا , لأنها لا تستخدم لغة متطورة تجبرها على التفكير التسلسلي .
فالأهمية الكبرى للغة والتي كانت العامل الأساسي في تطور الذكاء البشري بشكل جعل تفكيره ومعالجة المعلومات المدخلة لدماغه مختلفة ومميز عن باقي الكائنات الحية , حتى التي دماغها أكبر بكثير من دماغه , هي أنها سمحت لكافة مراكز الاستقبال الحسية أكانت سمعية أم بصرية أم شمية . . الخ تستطيع الترابط مع بعضها بواسطة اللغة التي استطاعت تمثيل الكثير من تأثيرات المدخلات الحسية برموز صوتية لغوية , وذلك عن طريق مناطق الارتباط اللغوية في الدماغ , وهذه المناطق التي تشكلت واتسعت بشكل كبير هي الأساس الذي حقق لنا الذكاء المتميز عن كافة الكائنات الحية . فنحن الوحيدين من بين الكائنات الحية الذين نستطيع تمثيل غالبية الأحاسيس بواسطة رموز لغوية فكرية وهي الكلمات .
لقد تطورت كثيراً طرق وأساليب الترميز والتمثيل لدينا نتيجة نشوء اللغة المحكية , فبواسطة اللغة التي هي ترميز ثاني للرموز الحسية الخام ( البصرية والصوتية وغيرها ) تم تمثيل أو ترميز واردات الحواس المختلفة بلغة أو رموز واحدة . فبواسطة اللغة المحكية ( أي الصوتية ) أو المقروءة , تم ترميز الكثير من واردات الحواس المختلفة , وأيضا تم تمثيل أحاسيسنا وعواطفنا وأفكارنا بتلك اللغة . وكان يحدث تدقيق وتصحيح لتلك التمثيلات أو التشبيهات أو النماذج التي يبنيها دماغنا كي يكون التمثيل أدق وأكثر مطابقة للواقع . فاختراع الكلمات وسع حدود العقل والوعي .
ولم يبدأ التواصل بين مناطق الذكاء لغوياً إلا منذ حولي 150 ألف سنة , وأخذت المعلومات عن مختلف جوانب الحياة تمثل بكلمات يتم التواصل بها بين الأدمغة . وتطورت طريقة ربط الأفكار وهذا أدى لنمو الذكاء البشري بشكل كبير وسريع وغير مسبوق . فبواسطة اللغة المحكية بدأت القصص والروايات ومن ثم الأساطير بالتشكل والتداول بين أفراد الجماعة , وهذا سمح مع أمور أخرى بنشوء وتكوّن الثقافة الخاصة بكل جماعة ,والتي صار يتم توارثها وتناميها نتيجة الحياة والتواصل الاجتماعي عن طريق هذه اللغة المحكية , وفي هذه المرحلة تم حدوث القفزة الكبيرة للتفكير والذكاء البشري التي ميزته عن باقي الكائنات الحية .