الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديـات الثقافيـة > منتدى العلوم الإنسانية والصحة

منتدى العلوم الإنسانية والصحة نتطرق هنا لمختلف الأمور العلمية والطبية والمشاكل الصحية و الأخبار والمقالات والبحوث العلمية وآخر الإصداؤرات العلمية والثقافية، إضافة إلى ما يفيد صحة المرء من نصائح حول الغذاء والرشاقة وغيرها..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 28-11-2011, 09:45 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
نبيل حاجي نائف
أقلامي
 
إحصائية العضو







نبيل حاجي نائف غير متصل


افتراضي كتاب " الدماغ ينتج الوعي والفكر" كامل

http://arabic.nabeelnayef.com/index....=498&Itemid=34


كتاب " الدماغ ينتج الوعي والفكر" 25/11/2011

" الدماغ ينتج الوعي والفكر"

المقدمة

منذ حولي 45 عاماً وأنا أسعى لمعرفة أصول الفكر البيولوجية والعصبية , لأنني أومن بضرورة أن يكون للتفكير والوعي أصول عصبية بيولوجية مادية , لقد حققت بعض المعرفة يمكن اعتبار دقتها لا بأس بها .
والذي سهل عليّ الأمر هو أنني عملت في تركيب واختبار وإصلاح المقاسم الهاتفية الآلية أكثر من 30 عاماً , فكما هو معروف هناك بعض التشابه في عملها وعمل الدماغ .
بالإضافة لاطلاعي الواسع على غالبية الأمور الأساسية المتعلقة بعمل الجهاز العصبي والدماغ , وعلى غالبية المعلومات العامة المتعلقة بالدماغ وعمله , ونشأته , وتطوره.
أنا أتعرض لمجال واسع ومعقد من المعارف المتعلقة بالدماغ وكيفية نشوئه وتطوره وكيفية عمله , وسوف يظهر المستقبل مدى درجة دقة ما أوردته من معلومات وأفكار , وفي الأساس غالبية ما أوردته هو مذكور في الكتب والمراجع .
وقد اعتمدت على مقالاتي السابقة عن الدماغ بعد أن عدلتها وصححتها وطورتها ورابطتها مع بعضها , واخترت الذي وجدته عالي الدقة .

هذا الكتاب يركز على مفاهيم ومعلومات جديدة ما زالت غير معتمدة من قبل أغلب الباحثين في هذا المجال وهي :
1 – التعرف ( والأحاسيس تعرف ) والتصنيف والتعميم , والقياس والمقارنة والتقييم , من أجل تحديد الاستجابة المناسبة والقيام بها , هي أهم أعمال الدماغ
2 - اعتماد مفهوم " مكتب الدخول " وهو يرمز للبنيات الدماغية التي تتحكم بما يتم الوعي به من أحاسيس ومؤثرات ( بإدخاله إلى ساحة الشعور) كي تجري معالجته وتقييمه واتخاذ الاستجابة المناسبة له
3 - نشوء أحاسيس الممتع والمؤلم كاستجابة وتقييم للمفيد والضار , كمكافأة أوعقاب للتحكم يتصرفات الكائن الحي , وهذا نشأ غالباً لدى الثدييات .
4 - تفسير اسس وعناصر الوعي المادية , بنشوئه من الأحاسيس المتطورة , وذلك بشرح فكرة "الطنين الحسي "
5 - توضيح أسس الإرادة
6 - توضيح أسس وطبيعة الذاكرة باستعمال مفهوم " الذاكرة البنيوية " والذاكرة الدينامية " بدل مفهوم الذاكرة المديدة والذاكرة القصيرة . الوضع في الإنتظار للدخول لساحة الشعور لما يجب تذكره لاحقاً, ولماذا سبعة .
7 - نشوء التفكير التسلسلي وهو التفكير السببي المنطقي لدي الإنسان نتيجة استعماله اللغة ,وكان هذا مترافق مع التفكير المتوازي الموجود لدى الكائنات الحية ( وهو التفكير الحدسي الشامل ) .
8 - نشوء التفكير بالتفكير لدينا نحن البشر نتيجة اللغة والثقافة والحياة الاجتماعية المتطورة
9 - توضيح أسس الأحلام وكيفية نشوئها .
10 - التفكير ضمن الجماعة , نشوء البنيات الفكرية , نشوء الثقافة , نشوء عالم الفكر
11 - تفكير الآلة ( الكومبيوتر) , مقارنة بين تفكيرالإنسان وتفكير الكومبيوتر .

لقد تشكل دماغنا وتطور حسب آليات بسيطة جداً ودون تخطيط مسبق , فكان يتطور وينمو حسب التكيف واعتماد المناسب للظروف الموجودة التي يتفاعل معها , وتراكمت التطورات فوق بعضها وكاملت بعضها إلى أصبح كما هو لدينا الآن .
ويبقى هذا الكتاب غير سهل على غالبية القراء متابعة كافة ما ورد فيه لاتساع مجالات المعلومات والمعارف والأفكار .
إنني أختصر المواضيع لكي أبسطها , واختصاري هذا يمكن أن يكون غير دقيق أحياناً , فعمل بنيات الدماغ والدارات العصبية الجارية بين هذه البنيات والعناصر المكونة لهذه البنيات وآليات تفاعلها معقدة جداً وأغلبها لم يتوضح بعد بشكل دقيق .
فأنا أتكلم كما في دراسة دارات الأجهزة الإلكترونية المعقدة مثل المقاسم الهاتفية والكومبيوترات وغيرها من الأجهزة , وكما في كافةالمشاريع الهندسية والصناعية المعقدة التي تستخدم فيها عادة " المخططات الصندوقية " وهي مخططات البنيات الأساسية ودارات عملها وتظهر البنيات والعمليات الاساسية بشكل مختصر.
فالمخططات الصندوقية تستخدم في كافة المواضيع الواسعة المعقدة وذلك لكي يستطيع عقلنا التعامل مع التعقيد الكبير , وهي تستخدم في كافة العلوم أيضاً .
والمهم في دراسة عمل الدماغ أن تكون البنيات الصندوقية المستخدمة لها بنيات في الدماغ تمثلها بشكل دقيق.
إنني لم أهتم كثيراً ببنية وتفاصيل وصور الجهاز العصبي , فهذا موجود في الكثير من المراجع على النيت , وهي توضح بشكل جيد وبالصور بنيته , ويمكن الرجوع إليها بسهولة , وقد وضعت مع المصادر بعض العناوين لمقالات و موضوعات هامة متعلقة بالدماغ وعمله والموجودة على النيت .

نبيل حاجي نائف 9 تشرين الثاني 2011






 
رد مع اقتباس
قديم 28-11-2011, 10:04 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
نايف ذوابه
أقلامي
 
إحصائية العضو







نايف ذوابه غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى نايف ذوابه

افتراضي رد: كتاب " الدماغ ينتج الوعي والفكر" كامل

أستاذ نبيل .. مساء الخير

أرجو افتتاح صفحة ثانية كما فعلت لأضع محتويات الكتاب فيها .. بس فقط ضع الرابط وأنا سأدخل بصلاحياتي وأدرج لك المحتويات ثم أحذف هذه المشاركة .. ألا تستطيع أن تفعل كما فعلت ..أنا مثلا ..تنسخ عن موقعك وتدرج ..؟ حاولت وضع صورتك لكن لم تقبل النقل .. إن استطعت أن تضع صورتك وصورة الكتاب أيضا







التوقيع

اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين
وأصلح لي شأني كله
لا إله إلا أنت
 
رد مع اقتباس
قديم 29-11-2011, 05:59 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
نبيل حاجي نائف
أقلامي
 
إحصائية العضو







نبيل حاجي نائف غير متصل


افتراضي رد: كتاب " الدماغ ينتج الوعي والفكر" الجزء (1)

المحتويات
كيف تعامل الإنسان مع التفكير والدماغ
الجهازالعصبي
نشوء وتطور الدماغ
تعضي و بنية الجهاز العصبي
الدماغ
الخلايا العصبية
الجهاز العصبي لدى الإنسان
المراحل الأربعة لتطور الدماغ لدينا
الإحساس والوعي
الأحاسيس
طبيعة الأحاسيس
الفرق بين الإحساس الخام والإدراك الحسي
تسلسل أهمية الحواس وقوتها عند الولادة.
آليات عمل الحواس
تشبيه الأحاسيس بنغمات الآلات الموسيقية
الأحاسيس والحاجة إلى مثير, والتعود والعادة والإدمان على أحاسيس معينة
الوعي ص19
مفهوم الوعي
كيف ينظر للوعي
عزف النغمات الحسية – الوعي
عمل التكوين الشبكي والوعي
الأنا الواعية , و الذات ( أي الشخصية )
الوعي الذاتي , والتعرّف على الذات
التشابه بين نظام الويندوز في الكومبيوتر وسبورة الوعي لدى الإنسان
إن مفتاح فهم الوعي هو " الطنين الحسي"
وعي الذات وخصائص الأنا
الإرادة الواعية
نشوء الإرادة لدى الإنسان
مكتب الدخول لساحة الشعور والوعي
دور المؤثرات التي تدخل ساحة الوعي أو الشعور وتأثيرها الكبير
ماذا سيحدث للأحاسيس البشرية وبشكل خاص للوعي ؟

التفكير ص 33
التفكير البشري
التفكير البشري والتفكير بشكل عام
ملاحظة على أسس الجدل الفكري
نحن البشر كيف نفكر
أسس التفكير السببي والمنطقي لدينا
التفكير يعتمد على التعرف والذاكرة , ودوراللغة
كيف تشكلت البنيات الفكرية اللغوية في أدمغتنا
التكميم الفكري
البنيات الفكرية الرياضية
التجريب العقلي , والتحريك الفكري
التفكير بالتفكير
علاقة التفكير بالأفكار بظهور الوعي الراقي المتطور لدينا
ما تفكر فيه
الفهم البشري وفهم الثدييات الراقية
التفكير والتخطيط
التصنيف من آليات عمل العقل الأساسية
الكائنات الفكرية ص52
نشوء الكائنات الفكرية لدينا
كيف تشكلت الأفكار , وكيف تنمو وتتطور ؟
كيف خرجت من الدماغ وانتقلت للأدمغة الأخرى ؟
توريث البنيات الفكرية نتيجة الحياة الاجتماعية
قوى البنيات ( أو الكائنات ) الفكرية
عالم المادة وعالم الفكر
التواصل واللغة ص 59
طرق نقل الأفكار إلى الآخرين
قوة وأبعاد التواصل البشري
التواصل وغسيل المخ
اللغة المحكية واللغة المكتوبة
كيف يقوم الدماغ ببناء المعاني ص 69
أسس آليات الاستجابات وبناء المعاني
أمثلة على تشكل المعنى لدينا
كيف يقيم الدماغ ما يتعرض له الإنسان
سلاسل الأهداف وسلاسل المعنى
كيف نقيم ونبني أحكامنا
المعاني و الأحاسيس
الممتع والمفيد والصحيح وعلاقتهم بالتقييم
العلاقة بين الممتع و المفيد والصحيح ومحاولة التوفيق بينهم
نحن لا نستطيع تقييم إلا ما نعيه وندركه
علاقة المفيد والضار بالتغذية والنمو
الممتع والمفيد والصحيح في نشر المعارف
الخاص والعام , أو الفرد والجماعة
الممتع والمفيد والصحيح وكيف نوزع قدراتنا عليهم
تأثير الأحاسيس والدوافع على الأحكام العقلية
التأثير المتبادل بين المزاج والتفكير
المعرفة مقابل الإحساس والشعور , أو العلم مقابل الفن
من يقودنا ويتحكم بنا ص 84
عمل الدماغ الحوفي ص 86
موقع الجهاز الحوفي وعمله
ما هي البنى المؤلفة للدماغ الحوفي
اللوزة أو الأميجدالا
"ملاحظة على فرس البحر أو قرن أمون"
تحول الممتع إلى مؤلم أو العكس من أهم أعمال الدماغ الحوفي
دور الدماغ الحوفي في بناء الذاكرة الدلالية
دور وأهمية ما يدخل لساحة الشعور . وطرق وأساليب الإدخال التي تستخدم
أهم خاصية لمكتب الدخول هي :
طرق إيقاف تكرار الإدخال غير المجدي , والتحكم بما يدخل لساحة الشعور
إن مراكز الثواب والعقاب تمثل بلا شك أحد أهم الضوابط في نشاط وتصرفات الثدييات والإنسان
المهاد و دوره الهام في الثواب والعقاب
ملاحظة :
اكتشاف سر قدرة الوخز بالإبر على تعطيل إحساس الدماغ بالألم , ودور الدماغ الحوفي في ذلك .
الدماغ الحوفي واللحاء والعلاقة بينهم
ما هو الفرق بين التشكيل الشبكي , والدماغ الحوفي, واللحاء, من ناحية التعامل مع الخيارات والإرادة ؟
الدماغ الحوفي والتصرفات الاجتماعية والعاطفية
أسس ومصادر الانفعالات ص101
وظيفة الانفعالات والعواطف
قرع أحاسيس الانفعالات
علاقة الدوافع بالأحاسيس والانفعالات
الأحاسيس والانفعالات القوية وتأثيرها على المعالجات الفكرية الدقيقة
أسس ذاكرتنا , وكيف تعمل ص 106
هناك شكلان للذاكرة
كيف يتم استدعاء الإرادي للأحاسيس والأفكار المخزنة في الذاكرة إلى سبورة الوعي
الذاكرة وبناء المعاني
الذاكرة القوية
تفسير ظاهرة التذكر اللاحق بوجود الذاكرة القوية
كيف تكتسب الخبرة ص 110
تعريف الخبرة
كيف يكتسب الخبراء ( في أي مجال كان ) مهاراتهم وخبرتهم ؟
نظرية " الشّنكات "
البنيات التحتية الواجب توفرها للخبرة المطلوب اكتسابها
اكتساب الخبرة والإبداع

مسيرة تطور العقل البشري ص114
ما هو سبب قدرات عقلنا وذكائنا المميز عن باقي الكائنات الحية ؟
ما الذي تغير في الدماغ وسمح بالتغير في طريقة تفكيرنا وجعلنا بهذا الذكاء ؟
كيف أصبحنا نتمثل أو نتصور الوجود مقارنة بباقي الكائنات الحية
المعالجة التسلسلية والمعالجة التفرعية أو المتوازية للأفكار ص 119
نظر على الأسس العصبية للأحلام ص121
- أي البنيات الدماغية تشارك في إحداثها .
- ما هي المراكز التي تتواصل مع بعضها لكي تنشأ الأحلام .
- ما هي علاقة الوعي أثناء الصحو ( أو أثناء اليقظة ) بالوعي أثناء الحلم .
- لماذا هناك اختلافات كثيرة وهامة بين الوعي أثناء الصحو , والوعي أثناء الحلم .
الفرق الأساسي بين الوعي أثناء الصحو والوعي أثناء الحلم
الأحلام وما يحدث فيها من إلهامات
ملاحظة على "" لماذا سبعة "" ص125
وضع أفكار أو معلومات معين في الانتظار ( 7 عناصر كحد أقصى )
المصادر ص 127
عناوين على النيت ص129





كيف تعامل الإنسان مع التفكير والدماغ
لقد صعب على الانسان القبول بالدماغ كسيد وقائد ومدير لكافة التصرفات والأحاسيس , وهو الكتلة الرمادية الرخوة التي لا تنبض ولاتتحرك, بينما رأى أن القلب يضخ الدم فتسري الحياة في البدن , فقد كان يحس ويشعر عواطفه وانفعالات مصاحبة مع خلجات وخفقان قلبه , واعتبر أن حركات قلبه هي التي تدل على شعوره وعواطفه وتفكيره , لذلك اعتبر القلب مصدر التفكير الأحاسيس والعواطف .
فالفراعنة لم يمنحوا الدماغ ما منحوه للقلب من مركز للفكر والإرادة. صمت الدماغ جعل منه عضواً غير ذي أهمية في رأي الإنسان لأجيال طويلة . فلا عجب إذا لم يحنطه المصريون ظناً منهم أن تفكير الإنسان قائم في القلب النابض , لقد جعل الفرعنة القلب ممثلاً للروح وصانعاً للأحلام والوعي , وكان وجود القلب ضروري لدخول الإنسان الحياة الخالدة , لأن لا حياة بدون قلب فكيف يكون بعث الحياة بغيابه . لذلك حنط الفراعنة القلب بحنوطاً خاصة لحفظة .
أما اليونانيون فقد أعطى بعضهم أهمية للدماغ ففيثاغوروس عزا للدماغ قوة النفس العاقلة , فقد كان اليونانيون يقسمون النفس إلى العاقلة والشهوانية والروح, والنفس العاقلة هي الفكر , ثم جاء تلميذه الكميون فربط بين الحس والدماغ, وقال أن الدماغ هو مركز الحس ومقر الفكر.
وقال ابقراط : " أومن أن الدماغ هو سيد الأعضاء , فالعين والأذن واللسان والأطراف ..., كلها تأتمر بأمره , وأكد أن الدماغ هو مقر النفس – الوعي - .
لكن أكثر الذين جاؤوا بعد سقراط لم يعتقدون ذلك فأهمل المفكرين الدماغ حتى القرن السادس عشر , ولم يأخذ العلماء بعظمة الدماغ . أما أفلاطون فقد نفى أية علاقة بين الدماغ والحياة النفسية للإنسان , إذ جعل للبشر نفساً بثلاثة أنواع , وأبقى للدماغ قوته المولدة للحواس السمع والبصر والشم ..., وأضاف أن القلب هو مقر العواطف. وكانت الضربة القاضية على الدماغ جاءت من صاحب المنطق والمعلم الأول أرسطو , الذي جرده من كل وظائفه المعروفة أنذاك, وجعل القلب مركز الفكر . أما الدماغ فما هو إلا جهاز لتبريد الدم .
وعندما أتى فرويد استعمل مفاهيم بسيطة غير دقيقة مثل الأنا والهو والأنا العليا والشعور واللا شعور وليس لها بنيات في الدماغ تمثلها بشكل دقيق .
لقد كانت المعلومات المتوفرة أيام فرويد قليلة وغير دقيقة . أما الآن فجزء لا بأس به من بنيات الدماغ قد وضحت بنيتها و حددت وظيفتها وحددت بعض اتصالاتها مع بعضها, وحدد أيضاً الكثير من آليات التفاعل الفزيولوجية والعصبية والكيميائية والكهربائية التي تجري بين هذه البنيات , فقد أمكن إرجاع الإشراط العادي إلى أسسه الكيميائية وأمكن معرفة عمل بعض الآليات الأساسية مثل معالجة الوارادات البصرية او معالجة الأصوات أو الكلمات والكثير غيرها بشكل مفصل ودقيق .
وبالاعتماد على تقسيم بنيات الدماغ حسب نشوئها ( المراحل الأربعة لطور الدماغ ) , وحسب الوظيفة التي تقوم بها كتمثيل صندوقي لعمل الدماغ أفضل بكثير .
وكذلك باستعمل مفهوم الذاكرة القصيرة والذاكرة المديدة - و استخدام مفهوم الذاكرة الدينمية والذاكرة البنيوية بدل منهما أفضل وأدق- .
وعرف الكثير عن الدماغ وعلاقة الدماغ بالوعي والتفكير, وأهم الأعمال الأساسية التي يقوم بها الدماغ منها - القيام بإدارة وتنظيم ومراقبة كافة عمليات وأعضاء الجسم - التعرف على الواقع و ما يتعرض الكائن الحي له من مؤثرات وذلك عن طريق ما يعتبر أحاسيس أولية للتعرف عليها , من أجل التعامل معها ومعالجتها وبالقيام بالاستجابة المناسبة وذلك بتقييم هذه المؤثرات حسب المفيد أو الضار له - وتطور وتوسع التقييم مع تطور وتنوع القدرات الحسية , وبعد نشوؤ أحاسيس اللذة والألم تم اعتماد ترافق الممتع مع المفيد وترافق المؤلم مع الضار , كمكافأة أو عقاب من أجل توجيه الاستجابات والتصرفات الكائن الحي . ومع تطور وتنوع وتوسع بشكل هائل ما يرد إلى الدماغ من المستقبلات الاحاسيس صار من الضروري تنظيم وترتيب معالجتها من أجل الاهتمام بالأهم والضروري معالجته أولاً , وبذلك نشأ ما يمكن اعتباره بمثابة "مكتب الدخول" الذي يتحكم بتنظيم دخول الكميه الهائلة من المعلومات الأتية من المستقبلات الحسية فلا يدخل إلا الهام والضروري منها لمعاجته وتحديد التصرف المناسب له . . . الخ


الجهازالعصبي
هو أهم الأجهزة التي تميز المملكة الحيوانية. يشاهد عند كل الكائنات الحية إبتداءً من وحيدات الخلايا وحتى الثدييات حيث يكون مؤلفاً من دارات بسيطة عند وحيدات الخلايا ثم يزداد تعقيداً كلما صعدنا في سلم التطور ليصل إلى أقصى درجات التعقيد والكفاءة عند الإنسان.
يقوم الجهاز العصبي بإستقبال المعلومات الواردة من المحيط الخارجي بواسطة أعضاء الإحساس ومن الأعضاء الداخلية بواسطة المستقبلات الحسيةالمنتشرة في المفاصل والعضلات والأحشاء، حيث تعالج تلك المعلومات ، ليصار لإصدار استجابة مناسبة بما يتناسب مع المعلومات الواردة .
ويقوم بتوجيه الفعاليات العضلية ،ومراقبة الأعضاء التشريحية . ولدينا يعتبر المسؤول عن عمليات التفكير و المحاكمة و الخيال والذاكرة بالتالي فهو مرتبط بالعديد من الفعاليات التي توصف بالعقلية .
فالبنية الوظيقية العامة للجهاز العصبي بسيطة للغاية حيث يتألف من مستقبلات أو حواس يتعرف بها على الأوضاع والظروف التي يتعرض لها الكائن الحي , فوظيفة المستقبلات أو الأحاسيس هي التعرف على المؤثرات الداخلية والخارجية من أجل التعامل معها باستجابة مناسبة تحقق بقاء الكائن الحي . فالتعامل مع الخيارات المتاحة هو أساس التفكير , من أجل تحديد الاستجابة المناسبة للتعامل مع الظروف والمؤثرات التي يتعرض لها الكائن الحي , وذلك بهدف تكيف الكائن الحي معها وتحقيق متطلبات بقائه واستمرار ذريته .
فالجهاز العصبي شبكة اتصالات داخلية في جسم الحيوان، تساعده على التواؤم مع التغييرات البيئية المحيطة به , ويمتلك كل حيوان ماعدا وحيدات الخلية ( الأولية البسيطة ) نوعاً من الأجهزة العصبية , وتمتلك الحيوانات اللافقارية جهازًا عصبيًا يتراوح بين شبكات بسيطة من الأعصاب وجهاز عصبي منظم مرتبط بدماغ بدائي .
الجهاز العصبي عند الحيوانات اللافقارية
تمتلك الحيوانات اللافقارية المتعددة نوعًا ما من الأجهزة العصبية ذات عصبونات كبيرة مقارنة بتلك التي عند الإنسان. فمثلاً تمتلك الحيوانات البسيطة، مثل الهَيْدرا جهازًا عصبيًا يتكون من شبكة عصبية تنتشر في كل خلايا الحيوان. ولا يمكن التمييز بين المحاوير والتغصنات، و لذلك تنتشر الدفعات العصبية بصورة شاملة في كل الحيوان عند بدئها من موضع التنبيه. ومن ناحية أخرى تمتلك الديدان والحشرات جهازًا عصبيًا مركزيًا معقدًا يتكون من عَصبونات كثيفة مُشكّلة ما يُسمى الحبل العصبي المليء بالعُقد ذات القدرة على تنظيم أنشطة هذه الحيوانات وتنسيقها. وإضافة لهذا نلاحظ في مقدمة الحيوان وجود تجمعات من العقد تمثل مايُسمى الدماغ البدائي. وللحشرات كذلك تجمعات عُقدية في الصدور مسؤولة عن تنسيق حركتها.
ومن ناحية عامة تتشابه آليات حدوث الدُفعات العصبية والكوامن المشبكية في كل من الإنسان والأنواع المتقدمة من الحيوانات اللافقارية
عندما تكون بعض الحيوانات مجردة من المكون الأساسي للجهاز العصبي و المسمى الدماغ يكون الجهاز العصبي عاجزا عن تشكيل أفكار أو إظهار مشاعر .
الحيوانات الفقـارية
تمتلك الحيوانات الفـقارية , من ثدييات , وطيور وزواحف , وبرمائيات , وأسماك جهازًا عصبيًا يشبه من حيث الشكل والتركيب ذلك الذي لدى الإنسان .
يعتبر الدماغ بشكل خاص و الجهاز العصبي عامة المسؤول عن "إحياء" (بث الحياة) في الحيوانات (بكل ما يميز هذه الحياة من فعاليات) (تعتبر الإسفنجيات استثناء في هذا المجال) ، و لنفس السبب فإن المواد الكيميائية السمية التي تعطل عمل الجهاز العصبي تسبب سريعا الشلل من ثم الموت أحيانا كثيرة.







 
رد مع اقتباس
قديم 29-11-2011, 06:02 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
نبيل حاجي نائف
أقلامي
 
إحصائية العضو







نبيل حاجي نائف غير متصل


افتراضي رد: كتاب " الدماغ ينتج الوعي والفكر" الجزء (2)

نشوء وتطور الدماغ
إن الجملة العصبية قطعت شوطاً طويلاً في تطورها ونموها قبل أن تصل إلى صورتها الحالية عند الإنسان . ولئن كنا لا نستطيع أن نجزم بحدوث ظواهر عصبية ( متطورة ) لدى النباتات فإننا لا نشك في وجود هذه الظواهر في مملكة الحيوان بدءاً من وحيدات الخلية .
نشوء التعرف والذاكرة
إن أبسط الكائنات الحية هي" الأوالي " ويبلغ عمرها حوالي 2500مليون سنة, وهي وحيدة الخلية , أي أن وظائف الحياة كلها تنجز في خلية واحدة فقط . فلا يوجد فيها أجهزة مستقلة مثل الجهاز الهضمي , أو الدوران , أو الحماية , أو العصبي... ففي الأوالي تتم بواسطة البلعمة وظائف التنفس والهضم والتغذية والدفاع والمناعة والحماية من المؤثرات الخارجية الضارة .
هذه الكائنات (الأوالي) تميز (أو تتعرف ) على الذات عن اللا ذات , فبعض الأوالي تعيش في مستعمرات ويجب تمييز الذات عن بعضها, وإنه يصعب قيام الحياة في مستعمرة أو حدوث توالد جنسي(أي بين كائنين حيين) دون في غياب القدرة على تمييز الذات عن اللا ذات .
لذلك فمن المرجح أن تتوفر هذه المقدرة لدى الحيوانات الأوالي , و حتى الإسفنجيات التي تعد أبسط الأوالي(الحيوانات عديدة الخلايا) باستطاعتها تمييز الذات عن اللا ذات . فخلاياها تهاجم طعوماً من إسفنجيات أخرى .
وعنصر التعرف و الذاكرة في الاستجابة هو أيضاً حجر الأساس في الجهاز المناعي . إن السمة الأساسية لأي جهاز مناعي هي القدرة على تمييز بين الخلايا والنسج والأعضاء التي هي أجزاء من الجسم وبين المواد الغريبة .
أهمية التعرف في تحديد استجابة مناسبة لما يتعرض له الكائن الحي من تأثيرات وأوضاع .
إن تنبيه البقعة الحمراء الموجودة في وحيدة الخلية " الاوغلينا" يبدل حركة السوط المتصل بها مما يشير إلى حساسية (أو تعرف )هذه البقعة واستجابتها للمنبهات . أما التشكيلات العصبية عند وحيد الخلية " السنتور " فقد غدت أشد وضوحاً حيث ظهرت ليفات عصبية تنتهي بانتفاخات صغيرة إلى الليفات العضلية , وتمتاز بحساسية للمواد الكيميائية . أما عند وحيد الخلية " ابلوت" فقد ارتقى التنظيم العصبي بحيث يمكننا تجاوزاً مقارنتها بتنظيم الجملة العصبية عند كثيرات الخلايا , حيث إتصل الجهاز العصبي المجاور للفم بالحبيبة بواسطة ليفات عصبية أخرى .
أما كثيرات الخلايا فإن طلائعها الأولى (شعبة الاسفنجيات) تشهد على ظهور خلايا عصبية حساسة لمنبهات الوسط الذي تعيش فيه وتتصل هذه الخلايا ببعضها بواسطة ( جزوع ) عصبية تؤمن نقل التنبيه فيما بينها من جهة ونحو الخلايا المنفذة من جهة أخرى . وظهرت عند بعض الشعب الحيوانية كتل عصبية تركزت بالقرب من مناطق التقلص العضلي التي تشرف على فعالياتها كما تحولت بعض الكتل عند كقنديل البحر إلى حلقات طوقت قبة القنديل . أما عند الديدان الحلقية فقد ظهرت البنية القطعية للجهاز العصبي بأوضح صورها حيث نجد شفعاً من العقد العصبية ضمن كل قطعة من جسم الحيوان تتصلان ببعضهما , وهكذا تشكلت بنية عصبية شبيهة بالسلم .
أما في الفقاريات الدنيا فقد ظهر في بادئ الأمر حبل عصبي يخلو من الأقسام الرئيسية المميزة لدماغ الفقاريات كما في دقيق الطرفين , ثم تطور الحبل العصبي بدءاً من مستدير الفم ليصبح محوراً عصبياً و يمتلك الأقسام الدماغية المعروفة عند الفقريات الراقية . وتطورعند الزمر الفقارية الأكثر رقياً نمو قشرة الدماغ الحديثة , ونمو نصفي الكرتين المخيتين التين كانتا ضامرتين عند الأسماك , ثم تطور الدماغ لدى الزواحف العليا واستمر نمو الكرتين المخيتين .
أما في الثدييات فقد امتلكت الكرتين المخيتين سطحاً واسعاًنتيجة لظهور التلافيف الدماغية بحيث غطيا أقسام كبيرة من الدماغين المهادي والمتوسط , وظهرت الباحات الحسية والحركية والترابطية المستقلة , وبذلك أصبح المخ المشرف على كافة المراكز العصبية الأخرى .
فلدىالحيوانات الفقارية الراقية و الإنسان يتكون الجهاز العصبي من دماغ ونخاغ شوكي وأعصاب.. و يختص الجهاز العصبي بتنظيم العديد من وظائف الجسم الداخلية، مثل عمليات التنفس والهضم والنبض القلبي. ..
تعضي و بنية الجهاز العصبي
يتكون الجهاز العصبي لدى الثدييات من- النخاع الشوكي- الدماغ
إن الوحدة الأساسية للجملة العصبية هي العصبون أو الخليَّة العصبية. وتنتؤ زوائد شجرية عصبية من هذه الخليَّة المتخصصة تتلقى الرسائل الكهربائية من عصبونات أو عضلات وغدد أخرى أو ترسلها إليها.
وتقوم الخلايا الدِّبقيَّة وهي خلايا عصبية داعمة بحماية البلايين من العصبونات المترابطة التي تؤلف الجملة العصبية . وتشكل هذه الخلايا أكثر من نصف الخلايا العصبية في كامل الجملة العصبية حيث تتواجد هذه الخلايا اللاستثارية بين العصبونات وحواليها.
الدماغ
إن الدماغ يرقد في تجويف الجمجمة وهو يدير وينظم العديد من العمليات الجسدية اللا شعورية بمشاركة النخاع الشوكي، كسرعة خفقان القلب، كما ينسِّق معظم الحركات الإرادية.
ويتميز الدماغ بشكل جوهري أنه مركز الأحاسيس والوظائف الذهنية المختلفة التي تتيح للكائن الحي قدرات الإحساس والتعلم والتفكير.
تبين الملاحظة المجهرية لمقطع على المستوى المخ أنه يتكون من :
-مادة رمادية تشكل قشرة المخ - مادة بيضاء داخلية
فالمادة الرمادية مكونة أساسا من أجسام خلوية نجمية الشكل بها امتدادات من نوعين :
- امتدادات قصيرة تدعى التفرعات.
- امتداد طويل يدعى المحورة و تشكل المحورات الألياف العصبية
والمادة البيضاء تتكون أساسا من ألياف عصبية مغمدة بمادة عازلة بيضاء
بنية النخاع الشوكي
يتبين من الملاحظة المجهرية للنخاع الشوكي أنه يتكون من مادة بيضاء و مادة رمادية ، ويرتبط كل عصب سيسائي بالنخاع الشوكي بواسطة جذرين حيث يتميز الخلفي عن الأمامي بوجود عقدة شوكية.
تنقل الألياف العصبية الحسية :السيالة العصبية النابذة - السيالة العصبية المركزية - السيالة العصبية النابذة و المركزية.
تنقل الألياف العصبية الحركية : السيالات العصبية الحركية
تتجه السيالة العصبية الحسية :من العضو الحسي إلى المركز العصبي الحسي - من الباحة الحركية إلى العضلة - من العضو الحسي إلى النخاع الشوكي
تتجه السيالة العصبية الحركية :من الباحة الحركية إلى العضلة - من العضو الحسي إلى العضو الحركي - من النخاع الشوكي إلى العضلة .
الخلايا العصبية
يتكون العصبون من ثلاثة أجزاء أساسية هي: الجسم الخَلَوي والمحوار (المحور العصبي) والتغصنات. ويغطي كل الخلية غشاء عصبي رقيق. الجسم الخلوي يعمل كمركز للتحكم في نشاطات الخلية ، المحوار ويعتبر امتدادًا أسطوانيًا يساعد على انتقال الرسائل، والإشارات، والتغصنات وهي امتدادات قصيرة متخصصة في استقبال الرسائل.
- الجسم الخلوي
يشبه الجسم الخلوي كرة صغيرة قطرها 0,25ملم، ويعمل على استقبال وإرسال الدفعات العصبية وتصنيع البُروُتينات واستخدام الطاقة للمحافظة على الخلية العصبية ونموها.
تتمركز معظم الأجسام الخلوية للعصبونات داخل الجهاز العصبي المركزي، حيث تتحد الرسائل الواردة وتُبَث الرسائل الصادرة. أما تلك الموجودة خارج الجهاز العصبي المركزي، فتتجمع في حزم تسمى العقد، مثل تلك الخاصة بالجهاز العصبي التلقائي.
- المحوار
ويسمى أيضًا الليف العصبي، ويشكل امتدادًا أنبوبيًا للجسم الخلوي للعصبون. وله العديد من التفرعات التي تمكنه من الاتصال بما يقرب من ألف عصبون آخر. وهو متخصص في نقل الرسائل. يبلغ طول المحوار داخل الجهاز العصبي المركزي أقل من مليمتر واحد، بـينما يزيد عن ذلك في الجهاز العصبي المحيطي، إذ يصل طول بعض المحاوير الممتدة من النُخاع الشوكي إلى عضلات القدمين إلى 75-100سم. أما الأعصاب فما هي إلا تجمعات لمحاوير عصبونات حركية أو حسية أو لكليهما معًا، التصقت بعضها مع بعض مكونة ذلك الشكل الحبلي. يغطي غمد مصنوع من مادة دهنية بيضاء تسمى الميلين بعض المحاوير، حيث تساعد على سرعة انتقال الدفعات العصبية عبرها، كما تساعد على التمييز بين المادة الرمادية والمادة البيضاء في الجهاز العصبي. وتتكون المادة الرمادية من محاوير غير مغطاة بالميلين وأجسام خلوية عصبونية، بينما تتكون المادة البيضاء من محاوير مغطاة بالميلين. وتصنع مادة الميلين في خلايا شفان في الجهاز العصبي المحيطي، بينما تقوم الخلايا الدبقية بتصنيعها في الجهاز العصبي المركزي.
التغصُنات أو المشابك العصبية
تتفرع من كل جسم خَلَوي نحو ستة أفرع في شكل قنوات أسطوانية، تُسمى التغصنات. ويبلغ طولها نصف ملم وسُمكها ضعفي سُمك المحوار أو ثلاثة أضعافه. تُعَدُّ التغصنات أجسامًا متخصصة في استقبال الدُفعات العصبية الواردة من محاوير أخرى، ويفصل بينهما فراغ ضيق يُسمى الفَلُح المَشْبَكي الذي تعبر خلاله الدُفعات. وتسمى أماكن التقاء العصبونات المشابك.
يعمل الجهاز العصبي عبر سُبل محددة وثابتة بين العصبونات تسمى الدارات العصبية. ومن أبسطها ما يسمى بالمُنْعَكس، وهي استجابة تلقائية لا إرادية لأحد المنبهات لا يتدخل فيها الدماغ. ويربط المنعكس بين عَصْبونات مُستَقْبلة ومستفعلة ويمر عبر النُّخاع الشوكي. ومن أبسط هذه المنعكسات مُنْعكَسُ الركبة الذي يمكن مشاهدته بعد طرق خفيف على الوتر تحت الرضَفَة. فالطّرْق يؤدي إلى تقلص العضلة هناك وتنبيه بعض المستقبلات وانبثاق دفعة عصبية، تنتقل عبر عَصْبون حسي من خلال محوار إلى النُخاع الشوكي، ومن ثَمّ ـ عبر مشبك ـ إلى حد العَصبونات الحركية، حيث يتم تكوين دُفعة عصبية أخرى تنتقل عبر المحوار لأحد العُصبونات الحركية ليتم إرجاعها للعضلة التي تنقبض خلاياها مُحدثة نفضًا للساق.
وهنالك العديد من المنعكسات المعقدة، حيث تدخل إحدى عَصبونات الترابط بين العَصبونات الحسية والحركية. وقد يتصل عَصْبون الترابط بمجموعة من السبل العصبية المعقدة التي قد تصل إلى الدماغ. ومن هذه المنعكسات، الإنسحاب من أحد المنبهات المؤلمة، مثل ما يحدث عندما يضغط شخص ما بقدمه الحافية على جسم حادّ. ففي هذه الحالة نشاهد استجابة فورية برفع القدم، وفي نفس الوقت ينبِّه بعض عَصبونات الترابط عضلات الرِّجل الأخرى لتحافظ على توازن الجسم. وإضافة لهذا يتم تنبيه بعض السبل العصبية الواصلة للدماغ ليعي الإنسان ما حدث له. ولا تستطيع المنعكسات بمفردها احتواء كل أفعال الإنسان وتفسيرها، ويمكن للإنسان وبعض الحيوانات تعلَّم أنماط جديدة من السلوك. فمثلاً، تنتقل حركات العضلات الإرادية المطلوبة لاكتساب خبرات جديدة، عبر مجموعة من السبل العصبية المعقدة التي تمتد من الدماغ إلى جميع أعضاء الجسم. فبعض الأفعال المعقدة مثل قيادة الدراجة أو المشي يمكن التدرُّب عليها، وتعلمها، ومن ثم أداؤها دون أي تحكم واعٍ مستديم.
الجهاز العصبي لدى الإنسان
يتكون الجهاز العصبي المركزي من الدماغ والنخاع الشوكي , ويقوم بتنظيم جميع أنشطة الجهاز العصبي والتحكم فيها. والدماغ عضو شديد التعقيد، يتكون من ثلاثة أجزاء أساسية هي: المخ والمخيخ وجذع الدماغ.
يعلو المخ كلاً من المخيخ وجذع الدماغ، ويلتف حولهما بدرجة ما، ويشكل نحو 85% من الدماغ، ويُعَدُّ الأكثر تعقيدًا.
وللإنسان مخ متطور النمو، يقوم باسختدام وتوجيه السمع والنظر واللمس والتفكير والإحساس والكلام والتعليم.
يعلو المخيخ ـ والذي يقارب حجمه حجم البرتقالة ـ جذع الدماغ ويساعد الجسم في الاحتفاظ بتوازنه وينسق بين المعلومات الحسيّة وحركة العضلات.
يشبه جذع الدماغ الساق، ويتصل بالنخاغ الشوكي في قاعدة الجمجمة. ويحتوي على العديد من العصبونات التي تتبادل المعلومات الواردة من الحواس. والكثير من العصبونات التي تنظم الوظائف التلقائية، مثل التنفس والنبض القلبي وتوازن الجسم وضغط الدم، توجد في جذع الدماغ.
يتكون النخاع الشوكي من حبل من العصبونات التي تمتد من العنق وتتدلى حتى مايقرب من ثلثي العمود الفقاري، الذي يلتف حوله ويقوم بوقايته. ويحتوي النخاع الشوكي على السبل التي تنقل المعلومات الحسية للدماغ وتلك التي تتبادل أوامر الدماغ مع العصبونات الحركية.
الجهاز العصبي المحيطيّ
يعمل الجهاز العصبي المحيطيّ على نقل الإشارات والرسائل بين الجهاز العصبي المركزي وأعضاء الجسم المختلفة، ويتكون من اثني عشر زوجًا من الأعصاب تبدأ من الدماغ، وتُسمى الأعصاب القحْفِيَّة، بالإضافة إلى واحد وثلاثين زوجًا من الأعصاب التي تبدأ من النخاع الشوكي وتُسمى الأعصاب النُخَاعية. وتعمل هذه الأعصاب كأسلاك الهاتف، حيث تقوم بنقل الرسائل من كل عَصْبون مستقبل ومستفعل في الجسم وإليه.
ويُعدُّ الجهاز العصبي التلقائي جزءًا خاصًا من الجهاز العصبي المحيطي، حيث يعمل على تنظيم كل الوظائف التلقائية في الجسم، مثل التنفس والهضم، دون أي تدخُّل أو تحكم من الدماغ، مما يساعد على الاحتفاظ ببيئة داخلية مستقرة. وينقسم الجهاز العصبي التلقائي إلى جز ئين هما: الجهاز الوُدِّي والجهاز اللاوُدِّي. يلبي الجهاز الودِّي كل احتياجات الجسم خلال حالات الطوارئ وازدياد النشاط. فهو يعمل على ازدياد سرعة ضربات القلب وسريان الدم للعضلات وتوسعة حدقتي العينين. أما الجهاز اللاوُدِّي فيقوم، بشكل عام، بإحداث تأثيرات مضادة للجهاز الودِّي. فمن تأثيراته مثلاً، إبطاء ضربات القلب وتوجيه سريان الدم من العضلات إلى المعدة والأمعاء، وتضييق حَدَقَتي العينين. أما الموازنة بين الجهازين، فيقوم بها الجهاز العصبي المركزي.
المراحل الأربعة لتطور الدماغ لدينا
إن أدمغتنا تتألف من طبقات عدة متميزة و متمحورة تبدأ من أكثر الطبقات بدائية وتحوي على طبقات متتالية أكثر حداثة تحيط بالطبقات السابقة.
الطبقة الأولى من المخ والأكثر عمقاً والتي يدعوها البيولوجي باول ماكلين القاعدة العصبية, وهي التي تتحكم في وظائف الحياة الأساسية مثل التغذية و الإطراح ودوران الدم والتنفس وكافة الآليات والأعمال الحيوية, وتتألف من النخاع الشوكي وجزع المخ والمخ الأوسط , وتؤلف القاعدة العصبية في الأسماك معظم المخ.
الطبقة الثانية - وهي طبقة الزواحف- وهذه الطبقة تحيط بالقاعدة العصبية, وهي مشتركة بيننا وبين الزواحف, وتضم الفص الشمي والجسم المخطط والكرة الدماغية الشاحبة, وتتحكم هذه الطبقة في السلوك العدائي والتراتب الاجتماعي وتحديد منطقة النفوذ.
الطبقة الثالثة وهي تحيط بالطبقة السابقة وتسمى النظام أو العقل الحوفي وتوجد في الثدييات, وهي تتحكم في العواطف والتصرفات الاجتماعية بشكل رئيسي , وفي الشم , واللذة والألم , وفي الذكريات أيضاً.
الطبقة الرابعة - هي اللحاء- وهي تحيط بكل الطبقات السابقة وهي التي تتحكم في التفكير و الإدراك الراقي , ولها وظائف أخرى, وهي موجودة لدى الثدييات الراقية . وهي متطورة جداً لدينا.
ويمكن تشبيه هذه الطبقات الأربعة- أو هذه العقول الأربعة- , بأربعة مراكز قيادة متدرجة من حيث قدرتها وتطورها على إدارة استجابات الكائن الحي , أو تشبيهها بأربعة معالجات تنظم وتنسق وتدير استجابات الكائن الحي , وهي تشارك جميعها في إدارة حياة الكائن الحي .





الإحساس والوعي والتفكير
الأحاسيس
الأحاسيس هي أجهزة تعرف والإعلام وإنذار, لكل ما يتعرض له الكائن الحي من مؤثرات داخلية وخارجية . إن أية مؤثرات - داخلية أم خارجية- تتعرض لها البنية الحية وتكون بقوة معينة ترد عليها هذه البنية باستجابة , وهذه الاستجابة تكون إما على شكل فعل وحركة أو استجابة كيميائية أو فزيولوجية , أو حسية , أو الاثنتان معاً .
فالإحساس هو نوع من الاستجابة للمؤثرات التي يتعرض لها الكائن الحي وهي استجابة إنذارية أو إعلامية , فبواسطة الأحاسيس الإعلامية نتعرف على العالم عندما نتأثر به
وبالنسبة لنا نحن البشر لدينا أجهزة إحساس متطورة جداً ومعقدة , وذلك نتيجة امتلاكنا لجهاز عصبي متطور جداً ودماغ متطور .
فنحن لدينا أحاسيس أولية خام ولها أساس فزيولوجي موروث مجهزين بها عند ولادتنا وهي:
1_ أحاسيس إعلامية – تكون في أول الأمر محايدة- مثل الأحاسيس البصرية والسمعية و الشمية و اللمسية...
2_ أحاسيس الإنذار والتحذير- أحاسيس الألم- مثل الأحاسيس الناتجة عن التعرض للحروق والجروح والمواد المؤذية للجسم, والأحاسيس الدالة على حدوث اختلال في توازن من التوازنات الفزيولوجية للجسم , مثل أحاسيس الجوع والعطش, والبرد والحر ....., وهذه الأحاسيس دافعة وموجهة للفعل والعمل والاستجابة المناسبة.
3_أحاسيس اللذة والراحة والسعادة..... الناتجة عن إرواء أو تحقيق أحد الدوافع , مثل الأحاسيس الناتجة عن تناول الطعام بعد الجوع, أو شرب الماء بعد العطش..... وهذه الأحاسيس هي أيضاً دافعة للفعل والعمل والقيام بالاستجابة المناسبة.
4_إحساسات إعلامية وتحذيرية في نفس الوقت, وفي الواقع تتحول الأحاسيس الإعلامية المحايدة أثناء الحياة إلى أحاسيس تحذير أو ترغيب حسب الظروف المعاشة.
5_ الأحاسيس المرافقة للانفعالات وهي كثيرة ومتنوعة, مثل أحاسيس الحب والغيرة والخوف والحقد والغضب والزهو والفخر... الخ .
وبالإضافة إلى ذلك نجد عند الإنسان بشكل خاص أحاسيس جديدة تكونت نتيجة الحياة الاجتماعية والثقافية.
وتتفاعل هذه الأحاسيس مع بعضها عند حدوثها معاً, فتولد مشاعر ووعي متطوراً ومعقداً, والأحاسيس الأخلاقية والدينية والروحية والفكرية والفنية وباقي الأحاسيس الاجتماعية المتطورة هي مثال على ذلك.
طبيعة الأحاسيس
سواء كنا نتحدث عن أمواج الضوء التي تصطدم بالشبكية , أو أمواج الصوت التي تتذبذب في الأذن الداخلية , أو التأثيرات التي تتعرض لها الخلايا الموجودة في القناة الشمية بالأنف , فإن وابلاً من المؤثرات يتساقط علينا باستمرار. وقد أدت عملية التطور مهمتها بحيث إنه عندما تعمل أعضاء الإحساس لدينا بصورة طبيعية , فستكون متكيفة بصورة متقنة لاستقبال هذه المؤثرات لتمييزها والتعرّف عليها . لكن الإحساس لا يتعلق بالمستقبلات الموجودة في العينين , والأذنين , والأنف , واللسان , والجلد , باقي أعضاء الإحساس . فنحن لا نحس فعلياً بأي شيء قبل أن تصدر إشارات من هذه الأعضاء وتصل إلى الجزء المعني من الدماغ .
إن المستقبلات الحسية هي محولات بيولوجية تحول المؤثرات الميكانيكية, والكهربائية , والضوئية , والصوتية , والكيميائية , والحرارية , والبيولوجية..., إلى سيالات أو تيارات كهربائية عصبية .
وهناك حواس متكيفة مثل اللمس والشم ... وحواس غير متكيفة مثل السمع والبصر , والمستقبلات الحسية كثيرة جداً, والعلاقة بين شدة المنبه و شدة التيارات الكهربائية العصبية علاقة لوغارتمية أي غير خطية.
الأحاسيس تنشأ عند حدوث تغيرات في التأثيرات- هذا بشكل عام- على الكائن الحي , فهي تضخم وتوضح هذه التأثيرات, وبالمقابل تخفف هذه التأثيرات عند ثباتها, فهناك آليات للمقارنة والمفاضلة لواردات الحواس , وعندما يلحظ تبدل في التأثيرات على الحواس تتولد استجابة , وإذا لم يتم كشف أي تغير فالاستجابة تبقى ضعيفة أو معدومة- إن الحواس هي في الأساس مكشاف للتغيرات – , كما أن كافة المنظومات الحسية موجهة بشكل تفاقم الفروق في بيئتنا المحيطة, وتخفف الملامح الثابتة , ويتم تحقيق هذه المقارنة من حيث الأساس عند كافة مستويات المقارنة والتحليل عن طريق إضافة وطرح مدخلات العصبونات الفردية , وتوفر هذه المزاوجة ( المقارنة البسيطة نسبياً ببناء العمليات الإثارية (المثيرة) , والكافة ) , كامل القدرة الإحصائية الضرورية لتحليل الرسالة الحسية إلى ملامحها المكونة لها , وبالتالي تخفض الكمية الإجمالية للمعلومات التي تنقل الرسالة حين مرورها من مستوى إلى مستوى يليه.
فنحن لدينا الأجهزة التي تمكننا فقط من اختيار مجموعة منتقاة من المعلومات الخام التي تحيط بنا لمساعدتنا في التعرف على العالم من حولنا .
وكما ذكرنا نحن لا نشم الروائح فعلياً بأنوفنا , ولا نسمع بآذاننا ولا نرى بأعيننا . وإن أردنا الدقة , فنحن نحس بالعالم فقط عندما يترجم كل عضو من أعضاء الجسم المنبهات الخاصة به إلى سيالات كهربائية عصبية ترسل إلى مواضع متخصصة لها في الدماغ . وبطبيعة الحال , إذا أصاب التلف واحداً من أعضائنا الحسية , أو تلف مركز أحد مواضع استقبال السيالات الكهربائية المرسلة من العضو الموجودة في الدماغ , فسيؤثر ذلك على قدرتنا على تجربة هذا الإحساس .
وبغض النظر عن أيها من الحواس هي المعنية , فإن وعينا وإدراكنا للحوادث الخارجية والداخلية هو نتاج من خطوات معالجة لمعلومات ضمن الجهاز العصبي المركزي .
ففي المقام الأول , يقوم مثير ما في شكل تبدل زماني أو مكاني في الطاقة الكهرومغناطيسية أو الميكانيكية أو الكيميائية بصدم مستقبل الحاسة التي تهيأت خصيصاً لكشفه , وفي هذا المستقبل يتم تحويل التبدلات الطاقية - أو ترميزها- في شكل نبضات عصبية بشكل يحفظ المعلومات المتعلقة بالحادثة الإثارية ويتم نقل هذه الرسالة الحسية المتضمنة في الشيفرة العصبية عبر سلسلة محطات متوسطة إلى مستويات عليا من الجهاز العصبي المركزي , حيث تفك رموزها لتشكل أساس إدراكنا الواعي للحادثة الإثارية
إحساسنا هو ذكاؤنا الأكثر فورية و عمقاً, فإن تماسه مباشر مع المحيط , ويمتد من الصفر إلى اللا نهاية, وشئنا أم أبينا هو دائماً الذي يقرر . إن اختيارنا ينبع دائماً من الداخل , أو بالأحرى يتم الاختيار من داخلنا دون أن يكون لنا حيلة فيه , حتى وإن أردنا بإصرار ما هو عكسه , فلا حول ولا قوة لنا ضد الحياة الداخلية وضد الإحساس الذي يستشعر وينقل الرموز ويراقب ويقرر دون استشارة أي كان , إننا لا نعرف أبداً الأشياء والموجودات بعقلنا, وإنما تبعاً لإحساسنا.
فالأشياء كلها حيادية, ولكن إحساسنا (يشحنها) بهذه المعاني أو تلك. كافة الناس هم على حق فيما يتعلق بإحساساتهم







 
رد مع اقتباس
قديم 29-11-2011, 06:04 PM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
نبيل حاجي نائف
أقلامي
 
إحصائية العضو







نبيل حاجي نائف غير متصل


افتراضي رد: كتاب " الدماغ ينتج الوعي والفكر" الجزء (3)

الفرق بين الإحساس الخام والإدراك الحسي
إن الإحساس الخام هو ما يتكون لدينا من خبرة نتيجة تنبه الخلايا العصبية الكائنة في إحدى مناطق الدماغ الحسية .
في حين أن الإدراك الحسي هو الإحساس مضافاً إليه شيء أكثر , أي تضاف إليه الخبرة الناجمة عن تنبيه الخلايا العصبية الموجودة في المناطق الأخرى في الدماغ .
فالإدراك الحسي , بعبارة أخرى , هو الإحساس المعزز بالذاكرة وبالصور المستمدة من الخبرة الماضية والناشئة عن التداعي . والإدراك الحسي يتأثر كثيراً بما يكون عليه انتباهنا أو تأملنا ورغبتنا وأهدافنا "
و إذا نحن دققنا أكثر نجد أن كل هذا غير كافي لحدوث الشعور والوعي بالأحاسيس , فواردات الحواس من الأعضاء الحسية إلى مركزها في الدماغ هي بالآلاف إن لم تكن بالملايين , والذي يتم اختياره وإدراكه والوعي به منها هو الذي يدخل أو يتم إدخاله إلى " ساحة الشعور " أو ما يسمى " بسبورة الوعي " وهو جزء صغير جداً من الذي يصل إلى مركز الحس المتعددة .
والذي يصل من الأعضاء أو الأجهزة الحسية تجري عليه معالجة واختيار وتنظيم , ويمكن أن يجزأ ويعالج في عدة مراكز في الدماغ , فالسيالات العصبية الكهربائية الآتية من العينين تجزأ وتذهب إلى عدة مراكز في الدماغ ويعالج كل منها على حدة , ثم تنظم وترسل إلى سبورة الوعي ليتم الشعور والوعي بها .
ويجب أيضاً أن يسمح لها بدخول سبورة الوعي ( من مكتب الدخول), و إلا لن يتم الشعور والوعي بها , فنحن في أحيان كثيرة لا نعي أو لا نشعر بما تم وصوله من سيالات عصبية من العينين إلى الدماغ , نتيجة أمور أهم تجعلنا مدفوعين لوعيها والشعور بها .
فحتى أقصى الآلام يمكن أن لا نشعر بها إذا كان هناك ما يهدد حياتنا أو أمور هامة جداً بالنسبة لنا يجب الانتباه إليها وتركيز الشعور والوعي بها .
تسلسل أهمية الحواس وقوتها عند الولادة.
إن تسلسل أهمية الحواس عند الولادة , يجعل الألم هو الأهم والأوسع , وتأتي بعده في الأهمية حاسة اللمس , واللمس الفمي , والشم , والإحساس بالنعومة والدفء . ولمسات الأم وحنانها هي الأهم بالنسبة للمولود . فالأهمية والتركيز يكون على أحاسيس اللمس والذوق والشم ثم يلي ذلك السمع ثم البصر .
فالسعي للنعومة والدفء وثدي الأم وحنانها , وكذلك السعي لتحاشي أحاسيس ألم الجوع والعطش والانزعاج , هي أساس الاستجابات لدى الوليد.
ثم تأخذ الأحاسيس الصوتية والبصرية وغيرها والتي تكون محايدة المعنى في أول الأمر بالتحول إلى لذيذة ومفرحة أو مؤلمة, تنيجة الاشراطات والترابطات التي تنشأ .
وبعد ذلك تبدأ الأصوات تتحول إلى لغة ويكون لها التأثير الأهم والأوسع وتنافس أحاسيس اللمس وباقي الحواس.
ثم تنشأ أحاسيس الترقب والتوقع, وأحاسيس وانفعالات الحب والغيرة...الخ.
آليات عمل الحواس
إن آليات عمل الحواس والجهاز العصبي هي آليات مكممة محددة وليست احتمالية, فقد كممت بواسطة العتبة , والكمية, والنوعية, ومصدر التيار العصبي .
فالعتبة هي إما أن التفاعل الناتج عن المؤثر يحدث تياراً عصبياً ذو خصائص محددة ثابتة تابعة للمؤثر أو لا يحدث, أي أن تأثير المؤثر على مستقبلات الحواس إما أن يحدث الإثارة وبالتالي ينشأ تيار عصبي ويكون هذا التيار الناتج محدد الكمية والكيفية والمصدر, أولا يحدث .
وكذلك عمل الخلايا العصبية فهي إما أن تثار وتنتج تياراً عصبياً نتيجة ما يصلها من تيارات عصبية أو لا تثار ولا تنتج أي تيار عصبي- وهذا يشبه عمل الكومبيوتر تيار أو لا تيار, صفر أو واحد - .
إن عمل الحواس والجهاز العصبي هو عمل محدد ومكمم فيزيائياً , فليس هناك احتمال في عمل البنيات التحتية أي الكيميائية الفيزيائية لمستقبلات الحواس أو الجهاز العصبي , وهو مثل عمل باقي التفاعلات الفيزيائية إن كانت ميكانيكية أو كهربائية أو غيرها من التفاعلات الفيزيائية, فالإثارة أو التيارات العصبية إما أن تحدث أو لا تحدث , وهي ذات خصائص محددة في كل مرة .
بينما عمل الدماغ في بنياته العليا , في التعرف وبناء الأحكام والتفكير المتقدم , يمكن أن ينتج معرفة احتمالية- ولا مجال لتوضيح ذلك الآن- , فالتعرف و الدلالة على العالم الخارجي والأحكام التي تبنى أثناء المعالجات الفكرية هي تنبؤية احتمالية , وهذا نتيجة عدم التكميم الكامل للبنيات الفكرية , ولكن عندما تكمم بشكل تام كما في البنيات الفكرية الرياضية , عندها تصبح الأحكام غير احتمالية وذات صحة مطلقة .
تشبيه الأحاسيس بنغمات الآلات الموسيقية
إذا كان لدينا عدة عشرات من الآلات الموسيقية المختلفة من حيث طبيعتها وطبيعة الأصوات التي تصدرها, ولكل منها طريقة أو آلية تقرع أو تعزف بها , ويمكن أن يصدر كل منها صوتاً حسب طريقة ومدة العزف , ولكل منها عتبة معينة أو مقدار لازم من القوة والمدة لكي يصدر النغمات فإذا كانت المدة أو القوة قليلة أو الطريقة في العزف غير مناسبة فلن تصدر النغمات, وهناك خصائص و عطالة لكل آلة تحدد طريقة وزمن إصدار النغمات المتكرر فلا يمكن أن يكرر إصدار نغمة قبل مدة معينة وقبل وضع معين , وإننا نستطيع العزف على بعض الآلات بعدة طرق أو وسائل , وتكرار العزف على بعض الآلات يمكن أن يغير من خصائصها, وكذلك قلة العزف يمكن أن يغير من خصائصها, وهناك إمكانية للعزف على أي عدد من الآلات معاً, وهناك إمكانية خاصة وهي إمكانية جعل آلة تعزف عن طريق عمل آلة أخرى أو الآلات الأخرى .
كذلك الأحاسيس يمكن اعتبارها آلات عزف وظيفتها أو دورها متنوع , فبعضها للإنذار والتنبيه أو للإعلام أو للتنبؤ, وبعضها للمكافأة واللذة وإحداث الفرح والسرور, وبعضها للألم والأحاسيس غير السارة وغير المرغوبة....الخ.
إن آلية عزف هذه - الآلات الحسية- تكون محددة وثابتة عند البدء باستعمالها- عند الولادة- ولكن بعد الاستعمال الكثير المتكرر تنشأ تداخلات وتأثيرات متبادلة فيما بينها, وتتغير وتتطور وتتعقد آليات العزف, وهذا يحدث باستمرار ولكنه ينتظم أو يميل إلى الانتظام والثبات مع الزمن وطول العمر, وهناك طريقتان لعزف هذه الآلات الحسية :
الأولى : وهي الأساسية وتكون عن طريق مستقبلات الحواس.
والثانية : تنشأ بعد ذلك نتيجة الحياة وهي العزف عن طريق الذاكرة أو مخزون اللحاء.
ويحدث تداخل وتأثير متبادل بين هاتين الطريقتين وتعملان معاً, فالذاكرة تؤثر على واردات الحواس وكذلك العكس, بالإضافة إلى أن معالجات الدماغ لها تأثير أيضاً .
ويقول الدكتور حكمت هاشم :
" إن الحواس لا تشبه القنوات أبداً, بل هي بمثابة أجراس كهربائية. فكما أنه لا شبه بين حركة الأصابع المعتمدة على الزر وقرع الجرس, فكذلك لا شبه بين الإثارة التي تهيج طرف العصب وما يداخل الوعي من إحساسات من ذلك الطرف. إن عين النملة وعين الحلزون وعين الإنسان إذا وضعت ثلاثتهم بمثاقبة مشهد واحد وهيجت على صورة واحدة. أتت أولاها بإحساسات نملة والثانية بإحساسات حلزون والثالثة بإحساسات إنسان: الشأن في ذلك شأن الآلات الموسيقية الوترية التي تجيء ضربة القوس الواحد عليها بصوت يختلف من آلة لآلة,إذاً فلا عجب أن ندرك بحواسنا عالماً يختلف عن العالم الحقيقي "
الأحاسيس والحاجة إلى مثير, والتعود والعادة والإدمان على أحاسيس معينة
إن الأساس الفزيولوجي العصبي للتعود على وجبات معينة ، أو ممارسة ألعاب أو طقوس معينة .......الخ ، هو تكرار أحاسيس معينة ، والمحافظة على شكل وطبيعة هذه الأحاسيس ، وعدم الرضا بغيرها , أو إجراء تغيير كبير عليها .
إن الناس يختلفون من ناحية وجود فروق فردية بينهم من حيث المحافظة على السعي لأحاسيس معينة أو التجديد والتغيير والتنوع لهذه الأحاسيس ، نتيجة الاختلافات الفزيولوجية العصبية بسبب الوراثة أو التربية .
فالعادة والإدمان والمحافظة على الأوضاع ، وكذلك نقيضها التجديد والمغامرة والتنويع للأحاسيس , والملل من التكرار والرتابة .....الخ توجد بنسب متفاوتة بين الناس ، فهناك أناس يسعون إلى المحافظة والثبات على أحاسيس معينة وتكرارها ، و أناس آخرون يسعون إلى التجديد المستمر وتحاشي التكرار ويسعون لتنويع أحاسيسهم ، أي هناك من لا يمل ، وهناك من يمل ، وهناك من يمل بسرعة .
فالحاجة إلى مثير - الشهوة للمثير- أو إلى الأحاسيس موجودة لدى الجميع وبنسب متفاوتة ، وهي إما أن تكون تكراراً لأحاسيس معينة ، أو أن تكون تنويعاً وتجديداً وتغييراً .
ويجب أن نلاحظ أن الأساس الفزيولوجي للذكريات وطبيعة تأثيرها المضخم والمحور أحياناً ، له دور في السعي إلى تكرار ممارسة مثيرات معينة ، بالإضافة إلى العادة والتعود التي هي من خصائص آليات عمل الجهاز العصبي ، فالسعي للعودة إلى نفس الأماكن ونفس المثيرات والأحاسيس أو لنفس الأشخاص , والاشتياق إلى المثيرات والأحاسيس التي أحدثوها في الماضي له علاقة بالعادة والتعود ، وله آليته العصبية الخاصة به .
السعي لمشاركة الآخرين نفس الأحاسيس
إن أغلبنا يسعى لنقل أحاسيسه وأفكاره للآخرين , لأن إحداث نفس الطنين الحسي لدى الآخر يؤدي إلى حدوث تغذية عكسية موجبة تقوي هذه الأحاسيس , فعندما أشاهد منظراً جميلاً أو أسمع صوتاً جميلاً أو أتناول طعاماً شهياً... أسعى إلى من يشاركني هذه الأحاسيس, لأن مشاركة الآخر تعزز وتقوي إحساسي وتزيد من متعتي .
إن هذه الخاصية , زيادة قوة الأحاسيس نتيجة مشاركة الآخرين, ناتجة عن تغذية عكسية موجبة لطنينات الأحاسيس, كما في المجال الفيزيائي , والأحاسيس التي يشعر بها الإنسان يمكن أن تنتقل إلى الآخر بواسطة التعابير والإيحاءات واللغة .
إن كافة الفنون تنمو وتنتشر نتيجة هذه الخاصية, بالإضافة طبعاً إلى العوامل والدوافع الأخرى , المال والشهرة...


الوعي
مفهوم الوعي
عرف ويليم جيمس الوعي بأنه صيرورة وليس شيئاً ملموساً , والوعي يمثل خبرة هذه اللحظة واللحظة التي تليها . ويقصد بالوعي اليقظة وأن الشخص الواعي هو الشخص المتيقظ . والذي يشعرك بأنك واعي هو شعورك بأنك هو أنت ولست شخصاً آخر .
فالوعي عبارة عن تحول قائمة من المثيرات الحسية والنشاطات العقلية إلى مشهد له صورة متكاملة يستغرق بقاؤها فترة زمنية كافية .
والحيوانات المتطورة تمتلك جهاز الوعي , على خلاف الكائنات الحية البسيطة والنباتات فإنها لا تمتلك جهاز الوعي مهما بلغ تركيبها من التعقيد. لقد كانت العمليات لدى الكائنات الأولية البسيطة (وحيدات الخلية ) فزيولوجية فقط ، ثم نشأت الأجهزة الحسية ثم العصبية ( والتي هي بنيات فزيولوجية متخصصة ) لكي تساعد في الإدارة والتحكم والقيادة , لتنفيذ الأهداف أو البرامج الموضوعة , وذلك حسب الخيارات المتاحة . ثم نشأت الأجهزة الحسية والعصبية المتطورة , التي أنتجت الإدراك والوعي .
فالوعي هو القدرة على كف كل أوجه نشاط اللحاء و واردات الحواس ( منعها من دخول ساحة الشعور) فيما عدا المتعلق بناحية معينة , وهذه الناحية هي ما يمكن أن نسميه بسلسلة أو قطار الأفكار .
فالوعي هو عبارة عن مصباح كشاف يضيء ذلك الموضع في اللحاء أو بعض واردات الحواس , بنشاط هام ذي قيمة للبقاء على قيد الحياة , وبشكل عام يضيء الوعي فكرة أو مجموعة أحاسيس معينة , في وقت واحد .
ويمكننا أن نعرف الوعي البشري الذاتي , بأنه ما يحصل في الدماغ الفرد أثناء صحوه , أو أثناء الأحلام , من شعور وإحساس وإدراك . ويطلق على المنطقة التي يحدث فيها الوعي ساحة الشعور أو سبورة الوعي أو الذاكرة العاملة , أو النفس أو الروح, أو الأنا الواعية , أو الذات المدركة.
إن الوعي الذاتي مرتبط بالشعور بالزمن وبنشوء الإحساس بالزمن لدينا , فهو نتيجة رصد الحركات والتغيرات التي نحس بها وصياغتها في سلسلة متتالية مترابطة , وهذا يكون بشكل حسي واعي .
وكذلك الوعي الذاتي مرتبط بالذاكرة , فلولا وجود الذاكرة لما نشأ الوعي الذاتي لدينا بهذا الشكل , لأن الوعي أو الأحاسيس سوف تحدث وتنتهي فوراٌ ولا يبقى شيء . فالوعي الذاتي مرتبط أيضاً بطبيعة وخصائص ذاكرتنا , التخزين والاسترجاع . و بتغيير ذاكرة شخص بذاكرة شخص آخر تنتقل ذات كل منهم إلى الآخر .
ويرى البعض :
" أن الوعي الذاتي ( الوعي بالأنا ) تابع لمخزون الذاكرة بشكل أساسي , وهذا يدل على أن الوعي كل منا بذاته عندما يسترجعه بعد أن يصحو من نومه أومن التخدير العام , يتم استعادته بناء على ما هو مخزن في ذاكرته . وهذا يعني أن ذات كل منا تنعدم عندما يطفأ وعيه , وتعود وتتشكل عندما يعود يعمل وعيه , وبالاعتماد على ما يتم استدعاؤه من الذاكرة .
لا يوجد دليل مؤكد على وجود مركز محدد للوعي بالذات , والشيء المحتمل أن هذا النشاط , يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالطبيعة المتلاحمة للاتصالات , بين النظام الشبكي واللحاء , فعندما يصل هذا البناء الكلي إلى درجة كافية من التعقيد , عندئذ فقط , يمكن للوعي أن ينشأ ( أو ينبثق ) , ويكون تفسيره وفقاً لتلك الرؤيا طبيعياً تماماً . إذ يزداد مستوى الوعي بازدياد تعقيد الجهاز العصبي , وعند الكائنات الأكثر تعقيداً فقط - الإنسان و الشمبانزي والثدييات العليا - يستطيع اللحاء أن يحمل فكرتين في وقت واحد , الفكرة المعطاة , والفكرة عن تلك الفكرة . فإذا كانت المعالجة المتزامنة للمعلومات ممكنة , فالاحتمال الوارد , أن نشاطاً معيناً يرتبط بفكرة معينة , يمكن أن يولد تفكيراً بشأنه في نفس الوقت , ويكون ذلك تفسيراً فيزيقياً للوعي بالذات .
ويبدو أن ذلك يمكن أن يحدث بانتقال المعلومات بين نصفي اللحاء , فعندما نقطع الجسر بين هذين النصفين , فإن كل نصف على حدة , يستطيع معالجة المعلومات المتباينة , عن ما يعالجه الآخر . وبذلك ينقطع التأثير المتبادل , وتتوقف هذه الدورة من التأثيرات المتبادلة , وهذا يؤدي إلى ضعف واختصار الوعي ."
كيف ينظر للوعي
إن عمل الدماغ البشري هو التفكير من جهة , والإحساس والوعي من جهة أخرى . ويمكن تفسير الكثير من عمليات التفكير وإرجاعها لأسس فيزيائية , أما تفسير الوعي وإرجاعه إلى أسس فيزيائية فهو الأمر الصعب .
و يتساءل البعض هل يمكن إرجاع الوعي الذاتي إلى أسس فيزيائية ؟ وهل يمكن لعلم الأعصاب شرح وتفسير الوعي ؟ في رأي الكثير من العلماء والمفكرين الآن , نعم ممكن .
تعد الخبرة الواعية أكثر الأمور المألوفة في حياة كل منا وأكثرها غموضاً في أن معاً . فلا شيء نعرفه أكثر من الوعي معرفة مباشرة , ولكن من الصعب التوفيق بينه وبين أي شيء آخر نعرفه .
إننا نتساءل : لماذا يوجد الوعي ؟ وما وظيفته ؟ وكيف يتسنى له أن ينشأ عن عمليات عصبية في الدماغ ؟ . وتعد هذه الأسئلة من أكثر الأسئلة أهمية بالنسبة لنا .
فالوعي البشري شيء غير عادي , وفوق مستوى باقي أنواع الموجودات التي يعرفها الإنسان , فالأحاسيس والوعي الذاتي الذي يعيشه كل إنسان , يختلف عن أي شيء آخر في هذا الوجود , ولا يمكن فهمه كما تفهم باقي الأشياء .
لقد دار صراع فكري عنيف امتد لفترات طويلة بين أنصار المذهب الأحادي وأنصار المذهب الثنائي . المذهب الأحادي يرى أن الذات الإنسانية تتألف من مادة واحدة فقط . أما مذهب الثنائية فيرى أن الذات الإنسانية تتألف من المادة و اللامادة .
لقد اتخذ الصراع بين المذهبين أشكالاً متفاوتة , فبدأ محور الصراع العلمي لمناقشة حقيقة الفصل بين الجسد والروح ، ثم تحول الصراع لنقاش مركب الدماغ والعقل . وفي السنوات الأخيرة انتقلت عناوين الدراسة تحت موضوع البحث في التنقيب عن الأصول المادية للوعي .
إن المفكرين اليوم تنحوا عن استخدام مصطلح المادية لاعتباره مصطلحاً يعكس فقط العالم المحسوس بالحواس الخمس لدى الإنسان ، ليحل محله مصطلح أكثر شمولية وهو مصطلح الفيزيقية . فالفيزياء الآن بعد أن أرجعت الطاقة والقوى والمجالات إلى المادة وجعلتهم شيء واحد, صار بالامكان تفسير أية ظاهرة أو أي شيء بالعلوم الفيزيائية , بما فيها الظواهر الفكرية والنفسية والشعورية والبيولوجية والاجتماعية والاقتصادية " نظرية كل شيء".
لقد تجنب الباحثون الخوض في موضوع الوعي سنوات عديدة عند دراسة الدماغ والعقل , وبقي الوعي خارج إطار التناول , ولكن على مدى السنوات القليلة الماضية تزايد عدد علماء الأعصاب وعلماء النفس والمفكرين الرافضين لفكرة كون الوعي شأنا لا يمكن دراسته وحاولوا التنقيب عن أسراره وأسسه .
والمشكلة الصعبة الأساسية هي : كيف يمكن لسيرورات فيزيائية ( عصبية كهربائية ) تحدث في الدماغ أن تشكل الوعي ؟ الذي هو خبرة ذاتية .
هناك عدد من النظريات التي ترجع تكوين الخبرات الشعورية إلى مادة واحدة وهي البناء الفيزيقي فقط , والمسمى أيضاً بالمذهب الاختزالي على اعتبار أنه يختزل البناء الثنائي العقل والدماغ إلى بناء واحد وهو البناء الفيزيقي . وقد خرجت نظريات فلسفية تناصر التوجه الأحادي أو الاختزالي وعبر عنها بأساليب مختلفة من ذلك : نظرية التماثل , ونظرية الواقعية المتعددة , والنظرية الوظيفية. والعديد من الدراسات تؤيد في فكرة أن الدماغ والعقل مادة واحدة , وأن الإنسان ما هو إلا جانب واحد فقط هو الجانب المادي الجسدي ومكوناته الفيزيائية. فالدماغ هو نفسه العقل وأن العقل هو نفسه الدماغ , أي يمكن اختزال تركيبة الإنسان إلى شيء واحد فقط وهو البناء الفيزيقي .
فالوعي لا بد أن يكون أساسه ومنشأه فيزيائي وإن كان في الوقت الحالي غير ظاهر هذا الأساس الفيزيائي بشكل واضح ودقيق , ولا يوجد في الوقت الحاضر ظواهر أو علاقات فيزيائية واضحة ودقيقة تظهر الاتصال بين الوعي وأسسه الفيزيائية , ولكن يمكن في المستقبل القريب اكتشاف هذه العلاقات وتوضيحها .
هذا الرأي مبني على أن الوعي يحدث نتيجة عمل أجزاء معينة من الدماغ وبتوقفها عن العمل يتوقف الوعي , ولدى العلماء براهينهم وإثباتاتهم التجريبية المادية الكثيرة , إن كان من ناحية عمل فزيولوجيا وكيمياء الدماغ أو من ناحية قياس التيارات الكهربائية الدماغية(مقاييس موجات الدماغ الكهربائية) , فالوعي مرتبط بمناطق معينة في الدماغ وهي التشكيل الشبكي واللحاء بشكل أساسي وبتوقف عمل التشكيل الشبكي يطفأ أو يتوقف الوعي الذاتي , ودليلهم على ذلك أن تلف التشكيل الشبكي يوقف الوعي نهائياً , وتثبيط أو كف عمل التشكيل الشبكي يوقف الوعي طالما الكف موجود(أثناء النوم العميق أو أثناء التخدير أو غير ذلك) , وكذلك تلف اللحاء أو بعض مناطقه يؤثر على الوعي .
عزف النغمات الحسية – الوعي -
إن مفاتيح النغمات الحسية موجودة غالبيتها في مستقبلات الحواس في اللحاء , أما النغمات فتحدث أو تطن في ساحة الشعور , والتنظيم الشبكي هو المسؤول والمتحكم والمنظم لهذا العزف, وتشاركه في ذلك باقي بنيات الدماغ وبشكل خاص المهاد والنتوء اللوزي وباقي بنيات الدماغ الحوفي .
فالتنظيم الشبكي يبدأ عمله بعد الولادة- وعلى الأغلب قبل- فيقوم مع مشاركة باقي أجزاء الدماغ بتصنيف وتنظيم واردات مستقبلات الحواس, ويقوم بالتحكم بالانتباه والتركيز على المهم من هذه الواردات ويكف الباقي , ويتقرر المهم- المعنى- بناء على عمل وتقييم باقي بنيات الدماغ و وضع الجسم ككل .
ويقوم اللحاء, وتساعده بعض بنيات الدماغ بتخزين صور أو معلومات عن النغمات التي تعزف- بناء الذاكرة الواعية - ويبدأ اللحاء بعدها في المشاركة في إرسال نغمات من ما يخزن فيه إلى التنظيم الشبكي والدماغ الحوفي .
وعندما يتقدم الإنسان بالعمر تتطور قدرات التنظيم الشبكي والدماغ الحوفي على التحكم في عزف نغمات الأحاسيس الواردة أو المطلوبة – المستدعاة- من اللحاء, وذلك نتيجة الممارسة والتعلم, فالتنظيم الشبكي عندها يستطيع أن يقوم بعزف كم هائل من النغمات ودون مشاركة واردات الحواس, بالتفكير والتصور والتخيل والأحلام , وذلك بالاعتماد على مخزون اللحاء وباقي بنيات الدماغ- العقل الحوافي وغيره في حالة الأحلام - .
إن النغمات التي يمكن أن تصدر من اللحاء ذات كم هائل ولا يمكن للتنظيم الشبكي استقبال وإذاعة (في سبورة الوعي ) إلا جزءاً صغيراً جداً ومحدوداً , وهو الذي يشكل " الذاكرة العاملة " .
ويمكن وضع واردات من اللحاء أو من الحواس تكون ذات أهمية متوسطة " في الانتظار " ريثما ينتهي من معالجة الموجود في ساحة الشعور .
إذاً الذي يقوم باختيار وتنظيم وإدارة ما يضخم ويبث من أحاسيس- أي الوعي- هو التنظيم الشبكي , ويساعده المهاد والنتوء اللوزي والحصين . . . , و العقل الواعي هو ناتج عمل التنظيم الشبكي والدماغ الحوفي , وعند تلف أو توقف التنظيم الشبكي ينتهي الوعي .
ففي النوم العميق دون أحلام والغيبوبة الكاملة أثناء التخدير يكون التنظيم الشبكي مطفأً, ومتوقفاً عن البث وكذلك الوعي .
عمل التكوين الشبكي والوعي
يحتوي جزع المخ أسفل الجهاز الحوفي على التكوين الشبكي الذي يستقبل المعلومات الحسية ويعمل كمصفاة خاصة بالنسبة للسماح أو عدم السماح للمعلومات الجديدة أو غير المتسقة بالمرور , وداخل التكوين الشبكي توجد " المنطقة الزرقاء" التي تفرز " النوأدرينالين" الذي يمارس فعله على القشرة الدماغية والمهاد وتحت المهاد كما أن له مفعولاً على المخيخ والحبل الشوكي .
يرى البروفسور " ماجون " :
إن النظام الشبكي في علاقاته الصاعدة والنازلة باللحاء , يربط ارتباطاً وثيقاً , ويساهم مساهمة فعالة في معظم فئات النشاط العصبي الراقي . ولسوف تزداد بلا شك على مر السنين , المعلومات عن المخ التي تمكننا , من السيطرة على مستويات الوعي والإدراك , ولكن النتيجة الأهم ستكون النمو في إدراك ما يعنيه ذلك التحكم .
إن التكوين الشبكي في ساق المخ يمكن اعتباره المركز المشرف على بث الوعي في المخ , ويوضح لنا مثل هذا التفسير النتائج التي تحدث عندما يقطع ساق المخ في أماكن مختلفة , وقد درس هذا الأمر بعناية في حالة القطط فعندما يفصل المخ عن النخاع الشوكي يظل الحيوان محتفظاً بمظاهر اليقظة مع وجود رسم كهربائي للمخ يدل على نشاط عال كما أن حدقتي العينين تكون مفتوحتين تماماً , إلا أنه عندما يفصل اللحاء والجزء الأعلى من ساق المخ عن الجزء الأسفل والنخاع الشوكي يبدو الحيوان نائماً والحدقتان شبه مغلقتان وتصبح موجات النشاط الكهربائي للمخ بطيئة , ويبدو أن فصل الجزء الأعلى من ساق المخ واللحاء عن الجزء الأسفل قد فصلهم عن النظام الشبكي للتنشيط فأصبح هذا الأخير غير قادر على إرسال الإشارات إلى اللحاء لكي يبقى يقظاً . وبالقيام بعدة تجارب قطع فيها ساق المخ في مواقع مختلفة أمكن التوصل إلى تحديد أهم مناطق التكوين الشبكي التي تسيطر أكبر سيطرة على الوعي , ويبدو أنها تقع في منطقة القنطرة أوسط ساق المخ , وقد لوحظ أن تدمير التكوين الشبكي على مرحلتين تفصل بينهم 3 أسابيع يقلل من انخفاض مستوى الوعي .
وأن استئصال جزء من التكوين الشبكي يمكن أن يضعف الوعي قليلاً ويستعاد هذا الضعف بعد مدة , أما تدمير كامل النظام الشبكي دفعة واحدة فإنه يقضي على الوعي تماماً ويسبب الموت بعد إغماءة طويلة , وهذا يعني أن وظيفة ذلك الجزء من التكوين الشبكي الذي استؤصل قد قامت بها أجزاء أخرى من ساق المخ في فترة قصيرة نسبياً وهذا أمر متوقع بالنسبة لوظيفة هامة جداً كاليقظة والانتباه التي لها قيمة هامة في استمرار الحياة.
ويبدو أن النظام الشبكي يتحكم في مستوى إدراك الوعي بأن يعمل كصمام يتحكم في الشدة , فيزيد أو ينقص من كمية التنبيهات المندفعة في الممرات الحسية وكذلك من التوجهات الصادرة عن اللحاء إلى العضلات , وهو يستطيع ذلك بسهولة حيث أن كافة الأنظمة الحسية الرئيسية والكثير من الممرات الحسية المتجهة إلى العضلات , إما أن تمر لصيقة به أو ترسل إشاراتها إليه , ويقوم النظام الشبكي بالتحكم بهذه الإشارات , والنظام الشبكي له أكثر من مئة موقع تتمركز فيها الخلايا العصبية وهو نظام شديد التعقيد والتلاحم , من مجموعة مراكز التحكم في الشدة , وبالتالي فإن سيطرته على الوعي ليست بالبساطة الناشئة عن وجود مركز واحد لتلك العملية .
ودور المهاد في إدارة وبث الوعي هام جداً, فهو يقوم بالتعاون مع التشكيل الشبكي والدماغ الحوفي واللحاء في إنشاء الوعي وبثه .
لقد كان المهاد لدى الأحياء الدنيا هو مركز قرع الأحاسيس , وكانت غير محددة بشكل دقيق في أول الأمر , وعندما تطور الدماغ وتشكل اللحاء , وأخذ الدور الأساسي في قرع الأحاسيس , وبمجال دقة وتحديد عالي , وأوسع بكثير من المهاد , بقيت الأحاسيس العامة " والألم بشكل خاص " تابعين للمهاد , وبالتالي أصبح دور المهاد نقل وترحيل التيارات الواردة من المستقبلات الحسية , عن طريق التشكيل الشبكي , إلى اللحاء والمراكز الأخرى , وهذا أعطاه الدور الأساسي في إدارة قرع الأحاسيس في اللحاء . فهو يساهم بشكل كبير في تشكيل الوعي لدينا , فيتحكم بإدارة قرع الأحاسيس في اللحاء , ويقوم بذلك بالتنسيق مع الدماغ الحوفي الذي يقيم أهمية الأوضاع , ومع التشكيل الشبكي , الذي ينظم ويدير واردات الحواس والاستجابات ويقوم بالبث . وإذا أردنا تحديد البنية الأكثر تأثيراً في إنشاء الوعي وبثه , فستكون المهاد , فهو ينسق و يكامل ويدير ألحان الوعي التي تعزف.
ويبدو أن هناك على الأقل مركزين أساسيين للاستيقاظ من النوم وحدوث الوعي , أحدهم إلى الأسفل في وسط المخ , والآخر إلى الأعلى قرب اللحاء . وهذا المركز هام للغاية , إذ يبدو أن له تأثيراً سريعاً على اللحاء , إذ يظن أن الاستيقاظ السريع من النوم , أو التغيرات السريعة في الانتباه تحدث بواسطته , وهو يحقق تلك السرعة بواسطة شبكة عظيمة الكفاءة من الاتصالات باللحاء . وعندما تستثار فإنها تؤدي إلى خلق النشاط في اللحاء , وهو نشاط ينتشر بسرعة .
إن ما يحدث بالتفصيل في الخلايا العصبية داخل النظام الشبكي أثناء حدوث مثل تلك النشاطات , يكتشف ببطء شديد , وكذلك بصعوبة . فالمتوقع أن النشاط سيكون شديد التنوع في مثل ذلك النظام المعقد .
ولقد بينت الدراسات التي قام بها البروفسور هاتن لوكر أن الخلايا العصبية في مركز الوعي في المخ الأوسط , يكون نشاطها " خلال نوم الأحلام ضعف النشاط "الذي تقوم به خلال اليقظة , بينما يكون نشاطها متوسط في النوم العميق الخالي من الأحلام , ومما يزيد الصورة تعقيداً , هو أنه يبدو أن ذلك النظام يؤثر على اللحاء بطريقة كيميائية أيضاً , وكذلك يتأثر بالمواد الكيميائية.
فالوعي الذاتي يحدث في بنيات الدماغ , وهو يعتمد في منشئه على خصائصها, فهو الشعور والإحساس الذي يتكون نتيجة واردات المستقبلات الحسية , التي استقبلت وعولجت في بنيات الدماغ .
فهو ينبثق بالتدرج بعد الولادة وأثناء الحياة , ولكن بعد أن تمر بضعة سنين يصبح الوعي الذاتي يعتمد بشكل أساسي على ما تم تعلمه وتخزينه في اللحاء والبنيات الدماغية الأخرى , وتنخفض نسبة تأثيرات ودور المتقبلات الحسية , ويصبح بالامكان , الوعي والتفكير بالاعتماد على مخزون الدماغ فقط , ودون الاعتماد نهائياً على واردات المستقبلات الحسية . وهذا ما يحدث أيضاً أثناء الأحلام إن كانت أثناء النوم , أو أثناء الصحو(أحلام اليقظة) . فالقدرة على الوعي والمعالجات الفكرية والتصورات. . . تصبح ممكنة دون الاعتماد على الواقع الخارجي وتأثيراته.
وهذا ما جعل الوعي والتفكير ذو خصائص غير مادية , لأنه يصبح في هذه الحالة غير مرتبط بالواقع أو المادة الخارجية , فهو ناشئ عن الدماغ الذاتي (العقل الذاتي أو النفس أو الروح) فقط .
فالعقل الفردي الذاتي أصبح بإمكانه خلق عالم ووجود وكون ( حسي و فكري خاص فيه) , ودون الاعتماد إلا على نفسه , فهو يملك القدرات لعمل ذلك . وهذا شيء عجيب ورهيب ومذهل , فكثير من المفكرين اعتبروا الإنسان بمستوى الآلهة , لما يملك من وعي وإدراك وشعور وأفكار .
وأهم العوامل التي أدت لتطور الوعي البشري وجعله على هذه الصورة :
التعامل مع فكرتين أو أكثر في نفس الوقت .
التعرف على الذات في المرآة " هذا هو أنا " , فباقي الكائنات الحية لا تتعرف على نفسها في المرآة ما عدا القليل منها مثل : الشمبانزي والفيلة والدلافين .
النظر أو الرصد من فوق ( أو من الخارج ) . مثال :
أنا أحس إحساس معين وأيضاً أرصد أو أدرك إحساسي هذا , أو أنا أفكر بفكرة معينة وأيضاً أدرك أن ذاتي تفكر , وأننا نعي بأن الآخرين يدركوننا.
تمثل أحاسيس الأخر, التقمص .
الجدل الفكري الذاتي بين الدماغ الحوفي والمراكز الأمامية من اللحاء .
دور الحياة الاجتماعية الأساسي في نشوء وتطور الشعور بالأنا الفردية , ومعرفة الولادة للأنا والموت الحتمي لهذه الأنا .
لذلك القدرات الفكرية الهائلة بما فيها الوعي , التي نملكها تجعل كل منا خالق لعالم أو كون خاص به . وإبداع الإنسان للأساطير والملاحم والقصص والروايات والمسرحيات والأفلام دليل على ذلك .
الأنا الواعية , و الذات ( أي الشخصية )
ليست الذات أو الشخصية الأنا الواعية فقط , فذات كل منا ينتجها ما هو مخزون في الذاكرة .
أما الأنا الواعية أو ما يوجد على سبورة الوعي فهو الجزء الصغير الذي يبث في تلك اللحظة , فذات كل منا مضمرة دوماً , لأنها متوضعة بشكل بنيوي في الخلايا العصبية ومحاور ومشابك هذه الخلايا , ولا يظهر منها إلا الجزء الصغير جداً وهو الموجود على سبورة الوعي , وهو ما يبث بشكل كهرطيسي .
وهذا يشبه نظام الويندوز في الكومبيوتر, فالموجود على الشاشة يمثل ما هو موجود على سبورة الوعي , أما الباقي فهو المخزن في بنية الكومبيوتر . ونظام الويندوز سمح بوصل جيد وفعال لما هو مخزن في ذاكرة الكومبيوتر , مع ما هو موجود في ذاكرة مستخدم الكومبيوتر .
إن الوعي أو الشعور بالذات( الأنا اللحظية) هو ما يبث على سبورة الوعي , وهذا كما قلنا موجود بشكل كهرطيسي مبثوث في الدماغ . ونحن إذا استطعنا استخدام سبورة وعي أي إنسان لعرض ذات إنسان آخر, لما اختلفت تلك إلا قليل جداً , وهذا يشبه ما يبث من أي جهاز راديو أو تلفزيون أو فيديو , فالأجهزة مختلفة ولكن ما ينتج متشابه بشكل كبير.
والذي يبرهن على ذلك , انبثاق ذات كل منا عندما نصحو من النوم أو من التخدير العام , فهذا يتم تكوينه بناءً على ما يتم استدعاؤه ( أو يأتي من تلقاء نفسه ) مما هو مخزن في الدماغ , وبثه على سبورة الوعي .
" فأنا" كل منا تنعدم أو تطفأ , وتعود وتظهر آلاف المرات . ويتم هذا الظهور بناءً على ما يتم بثه على سبورة الوعي , فالموجود بنيوياً ( بنية الدماغ وما تم بناؤه أثناء الحياة) لا يتم الوعي أو الشعور به إلا إذا تم بثه وأصبح كهرطيسياً .
وتنشأ الأحاسيس الواعية , لأنها تتكرر خلال زمن قصير أو طويل ولا تكون لحظية تجري لمرة واحدة وتنتهي فوراً , وأيضاً نتيجة تكرار حدوثها , وهي تنتشر في أغلب بنيات الدماغ . و هي التي تنتج الوعي الذاتي.
فالذي ينتج الوعي الذاتي هو تكرار جريان التيارات العصبية في بنيات الدماغ , بين التشكيل الشبكي والمهاد واللحاء والدماغ الحوفي وأحياناً المخيخ , فتكرر جريان هذه التيارات هو الذي يخلق " زمن الوعي " , وبالتالي الزمن البشري الذاتي .
فإذا لم يحدث هذا التكرار, فلا يمكن أن يحدث الوعي , لأنه سوف يحدث في زمن قصير جداً ولمرة واحدة وينتهي بعدها , فتكرار وجوده خلال زمن هو الذي يسمح بحدوث الجدل الفكري الذاتي بين الأفكار(الأحاسيس الواعية) والتي تجري معاً في نفس الوقت ونشوء " زمن الوعي أو الديمومة التي تكلم عنها برغسون"







 
رد مع اقتباس
قديم 29-11-2011, 06:05 PM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
نبيل حاجي نائف
أقلامي
 
إحصائية العضو







نبيل حاجي نائف غير متصل


افتراضي رد: كتاب " الدماغ ينتج الوعي والفكر" الجزء (4)

الوعي الذاتي , والتعرّف على الذات
إن التعرّف الجديد على "الذات" أو "الأنا" يحدث لنا كلما استيقظنا من النوم , فعندما نستيقظ تفتح مسارات الذاكرة الدائمة ( اللحاء) مع التشكيل الشبكي , والتي كانت قد كفت أغلب هذه المسارات (العاملة أثناء الصحو) عند النوم, وكذلك تفتح المسارات مع باقي بنيات الدماغ والتي كانت قد أغلقت أو كفت أثناء النوم. ويقوم التشكيل الشبكي بعمله في تأمين الاتصالات بين كافة هذه البنيات , ويوقظ أو يحدث الوعي العادي(أو وعي الصحو تمييزاً له عن الوعي أثناء الحلم) ويتم ذلك بالاعتماد بشكل أساسي على مخزون الذاكرة اللحاء . و" الأنا " متضمنة بشكل أساسي في هذه الذاكرة , فإذا غيرنا ذاكرة شخص فسوف تتغير " أناه " و وعيه بذاته , حسب هذا التغيير.
كما ذكرنا الذي يقوم باختيار وتنظيم وإدارة ما يضخم ويبث من أحاسيس( أي الوعي) , هو التنظيم الشبكي ( ويساعده المهاد والدماغ القديم ), والعقل الواعي هو ناتج عمل التنظيم الشبكي , وعند تلف أو توقف التنظيم الشبكي ينتهي الوعي , ففي النوم العميق دون أحلام, والغيبوبة الكاملة أثناء التخدير يكون التنظيم الشبكي مطفأً, ومتوقفاً عن البث . مع ملاحظة أن عمل التشكيل الشبكي لوحده لا يكفي لتشكل الوعي , فلا بد من مرور التيارات العصبية الآتية من مستقبلات الحواس , والذاهبة للحاء و كذلك الآتية من اللحاء عبره (ذهاباً وإياباً) , ومشاركة الدماغ القديم .
ويجب أن ننتبه إلى أن التشكيل الشبكي ليس منتج الوعي , والوعي لا يحدث فيه , فهو المتحكم و المفتاح للوعي , فالوعي يحدث في ساحة الشعورأو سبورة الوعي , ولتوضيح ذلك نأخذ الفرضية التالية:
إذا استطعنا بطريقة من الطرق , نقل تشكيل شبكي لإنسان معين , إلى إنسان آخر, ماذا يحصل؟
من المفروض أن لا تحصل تغيرات أساسية أو جذرية , في وعي كل منهم . والذي يحدث هو تغيرات في التنظيم و التحكم ببث الوعي (مع أنها تظل تابعة لأوامر اللحاء وباقي بنيات الدماغ) , أي يظل كل منهم هو ذاته , مع حدوث فروقات طفيفة جداً غير ملاحظة , فالذي يرد من اللحاء وخاصة من المناطق الجبهوية ومن النتوء اللوزي وقرن أمون وباقي بنيات الدماغ القديم... هو الذي يقرر ويحدد بشكل أساسي مضمون الوعي , وهذا معناه أن التشكيل الشبكي هو مركز تجمع وبث إلى أغلب بنيات الدماغ , أي أن عمل التشكيل الشبكي يكون فقط كمفتاح لبث , الأمور التي اعتبرت بأنها هامة . والذي يقرر أهميتها هو نتيجة معالجة اللحاء وتقييم الدماغ القديم (المهاد, والنتوء اللوزي...الخ) .
وبما أن ما يأتي من اللحاء والدماغ القديم هو تابع لما هو موجود فيهما (والذي هو موروث أو تم تعلمه واكتسابه أثناء الحياة , وهو خاص بكل إنسان) , لذلك لن تحدث تغيرات كبيرة و واضحة نتيجة استبدال التشكيل الشبكي لإنسان مع آخر( فهذا بمثابة تغيير أجهزة بث بأجهزة أخرى) . فالذي يحدث هو تغيرات طفيفة جداً لن تلاحظ , فهي تغيرات تماثل التغيرات التي تحصل دوما نتيجة تغير أوضاع الجسم والجهاز العصبي أثناء الحياة اليومية . ويمكن أن تؤثر على عمل التشكيل الشبكي تغير الانفعالات والمزاج والدوافع .
إن التشكيل الشبكي لدى كل منا متشابه بشكل كبير , إن لم يكن متطابقاً , وهو ليس مصدر اختلاف الأنا أو الذات عند كل منا , فالاختلاف راجع إلى ما تعلمناه و تم بناؤه من ذاكرة , نتيجة نمو وترابط مشابك ومحاور الخلايا العصبية في الدماغ , وخاصة في اللحاء, والذي تم نتيجة حياة كل منا.
لذلك إذا استطعنا تغيير لحاء دماغ إنسان بلحاء دماغ إنسان آخر, فسوف تنتقل ذات كل منهم إلى الآخر, أي يتبدل جسم كل منهم مع الآخر , وسوف تبقى الانفعالات وبناء المعاني والتقييم الأولي بدون تغير, لأنها ناتجة عن الدماغ القديم , أما المعالجات الفكرية العادية والمنطقية والذاكرة فهي تتبع للحاء.
ونحن كذواتواعية مفكرة ( أو كأنفس ) موجودون فقط في " العقل الواعي أو ما يمكن عرضه على سبورة الوعي " وهو جزء صغير أقل من واحد بالمئة من الجهاز العصبي , فهو ما يعرض على سبورة الوعي ( أو هو الذاكرة العاملة ), وهو يستطيع الإطلاع على الكثير من العمليات الجارية داخل الجسم وداخل الدماغ لأنه القائد والمدير الأعلى والنهائي , ويستطيع التدخل في أغلب عمليات , وهو المتعاون الأساسي مع " العقل اللغوي " وهو الذي يقود عملياته .
التشابه بين نظام الويندوز في الكومبيوتر وسبورة الوعي لدى الإنسان
إن الذي يُحضر أو يُعرض في سبورة الوعي ( أو ساحة الشعور ) من أحاسيس ومشاعر وأفكار هو الذي تجري معالجته , والمعروض في سبورة الوعي يأخذ دور وأهمية أعظمية مقارنةً مع الكم الهائل من الذكريات والأفكار الأخرى الموجودة في باقي بنيات الدماغ , وغالبية استجاباتنا هي نتيجة ما يعالج في سبورة الوعي .
فمثلاً إذا بدلنا ما هو موجود على سبورة الوعي , فسوف نحصل على وضع جديد وبالتالي قرارات جديدة وخرج أو استجابة جديدة , وأيضا إذا غيرنا آليات أو طرق المعالجة لما هو موجود على سبورة الوعي فسوف تتغير الاستجابة .
ونحن نستطيع جلب أفكار وذكريات كثيرة من مخازن الذاكرة الموجودة في أماكن مختلفة في الدماغ . وكذلك يمكن أن تدخل هذه الأفكار من تلقاء نفسها نتيجة الارتباط والتداعي .
والجزء الأكبر من الذي يعرض على سبورة الوعي هو يأتي من واردات الحواس , والذي اعتبر هاماً أكثر من غيره , فالواردات الحسية كميتها هائلة جداً , ولا يدخل إلى سبورة الوعي إلا الأهم .
إن هذا يشبه من بعض النواحي ما يحدث في نظام الويندوز .
فالذي يعرض على شاشة الكومبيوتر( أو الويندوز ) هو الذي تجري معالجته , وكذلك كافة الحسابات والعمليات تحدث نتيجةً للمعالجات التي تجري على الويندوز .
والمعروض على الويندوز له مصدرين أساسيين وهما :
1 - ما يتم استدعاؤه من ذاكرة الكومبيوتر , إن كان من الذاكرة الأساسية الثابتة والموجود في ذاكرة الويندوز , أو من الذاكرة التي يتم تخزينها لاحقاً وهذه الذاكرة في تطور مستمر نتيجة العمل على الكومبيوتر .
2 - ما يدخله مستعمل الكومبيوتر إلى هذه السبورة , إن كان معا لجة لما هو موجود على شاشة الكومبيوتر , أو ما يدخله هو من مدخلات جديدة .
وهناك فروق بين آليات عمل سبورة الوعي والدماغ , وعمل نظام الويندوز والكومبيوتر أهمها :
1 - في الدماغ هناك بنيات أو أجزاء من الدماغ يمكن أن تتدخل في عمل سبورة الوعي , بطريق مباشر أو غير مباشر , فتأثير الانفعالات القوي يمكن أن يلون أو يحرف كثيراً نتائج المعالجات الجارية في سبورة الوعي , وكذلك اللا شعور أو الذكريات الانفعالية القوية غير الواعية يمكن أن تؤثر على المعالجات الجارية في سبورة الوعي , فالذكريات القوية هي التي تقرر المنحى العام للمعالجة الجارية , وهذا غير موجود في نظام الويندوز والكومبيوتر .
2 - وهناك فرق هام بين الدماغ والكومبيوتر وهو إن الهاردوير ( القطع والدارات الإلكترونية ) في الكومبيوتر ثابت والمتغير هو السوفتوير ( البرامج ) .
أما في الدماغ فهذا مختلف , فخلايا الدماغ تتنامى نتيجة التعلم ويمكن أن تموت بعضها أي بنيته تتغير, وهناك أكثر من مائتي مادة كيميائية تتحكم في عمل الدارات العصبية الجارية بين الخلايا ومحاورها ومشابكها , وهذا يجعل مخرجاته ( أو الاستجابات ) غير ثابتة , عند معالجة نفس المدخلات في أوقات مختلفة , فيمكن أن تحدث اختلافات صغيرة أو كبيرة . وهذا غير موجود في الكومبيوتر .
إن مفتاح فهم الوعي هو " الطنين الحسي"
إن ظاهرة الطنين أو التردد بشكلها الكهرطيسي لا يعرفها الكثيرون , وهي معروفة في شكلها الصوتي فقط , فالطنين الكهربائي و الكهرطيسي عرف حديثاً . عندما تعرفت على الطنين الكهربائي دهشت لهذه الظاهرة , ووجدتها عجيبة . فدارة الطنين الكهربائي الأساسية مؤلفة من ملف ومكثف ضمن دارة كهربائية مغلقة , هذه الدارة يمكن أن يجري فيها تيار كهربائي متناوب , فإذا كان هناك دارة كهربائية تماثلها في قيمة الملف والمكثف وقريبة منها , عندها ينشأ فيها تيار متناوب ويكون هذا التيار المتناوب تردده مماثل لتردد الدارة الأساسية , هذه الظاهرة هي أساس كافة أنواع الاتصالات اللاسلكية .
إن كافة الأحاسيس الموجودة لدى الكائنات الحية تعتمد على استقبال تأثيرات الترددات المختلفة بواسطة المستقبلات الحسية لديها وتحويلها إلى نبضات كهربائية عصبية , فقرون الاستشعار, والسمع , والبصر والشم ... , تعتمد على استقبال الترددات , فالصوت , والضوء , وكذلك الشم , كما نعلم هما تردد لأمواج صوتية و كهرطيسية وكيميائية .
فأساس عمل كافة الحواس لدي الكائنات الحية يعتمد على آليات تحول تأثيرات الترددات بأشكالها المختلفة , إلى تيارات كهربائية عصبية على شكل نبضات ترسل إلى الدماغ , وهو يقوم بتمييزها عن طريق مراكز كلّ منها مختص باستقبال نوع معين , وله القدرة على تحويل ما يصل إليه من تيارات كهربائية عصبية آتية من المستقبلات الحسية , إلى طنينات كهربائية فزيولوجية عصبية تتناسب معها , في خصائصها الأساسية , طبيعتها , وقوتها , وزمنها . أي في الأساس للأحاسيس زمن تقرع فيه , وكافة الأحاسيس هي طنينات كهربائية فزيولوجية عصبية
إن الوعي الذاتي هو وعي بطنينات حسية أو بأفكار على شكل طنينات حسية . فهو طنين لطنينات حسية , أو طنين يتم تكرار بثه وانتشاره فيصبح شامل بعض بنيات الدماغ . وهذا يماثل البث الإذاعي أو التلفزيوني .
لهذا يمكن أن نحل مشكلة الوعي عندما نعرف كيفية حدوث الطنين الحسي الأولي الخام , وكيفية تفاعله مع باقي الطنينات الحسية , وكيفية انتقاله وتفاعله مع بنيات الدماغ , وكيف يبث من ساحة الشعور , وماهي البنيات التي تكون ساحة الشعور.
وعي الذات وخصائص الأنا
إن أهم ما يكشف خصائص " الأنا " , هو دراسة إطفاء وإضرام الوعي . فهذه الحادثة يمكن أن تظهر عدم تعقيد ظاهرة وعي الذات والشعور " بالأنا " . وأنه ليس مستحيلاً إضرام وعي " أنا " إنسان معين , بعد انطفاء هذا الوعي , بموت الجسم .
إن أساس اضرام وعي الذات , هو إشعاع كهرطيسي بيولوجي ( عصبي ) . فهناك منطقة أو مجموعة بنيات (ساحة الشعور أو سبورة الوعي ), تقوم ببث الوعي , وهو يكون على شكل بث أمواج كهرطيسية تولد بيولوجياً , وتبث في بعض خلايا الدماغ , وعندها يحدث إنعكاسات و طنينات أو تغذية عكسية , بين ما يبث , وبين المناطق التي تكون عاملة والتي هي تنتج ما يبث . فمثلاً إذا تم بث صور تم ورودها من المناطق البصرية , فإن ما يبث على سبورة الوعي يصل إلى المناطق البصرية ذاتها , والتي هي المصدر الأساسي لما يبث . عندها يحدث تطابق بين مصدر البث الأساسي وما جرى بثه , وهذا يؤدي إلى حدوث تردد أو طنين ذو خصائص معينة يتم تكراره لفترة زمنية معينة , هذه الفترة تنشئ " زمن الوعي " الذي هو أهم خصائص الوعي . لأنه إذا لم ينشأ هذا الزمن , لما أمكن تشكل وعي الذات الذي نحسه ونعرفه , لأن حدوث طنين الوعي لزمن لحظي , ينتهي فوراً , لا يمكن أن ينتج وعي بالذات , لأنه يحدث ويزول فوراَ .
إن حدوث طنين الوعي لفترة زمنية طويلة نسبياً , هو أهم خصائص " وعي الذات " , وكلما كان هذا الطنين واسع ومتنوع( صور وأصوات وروائح وإحساسات وعواطف وانفعالات ومعنى ) أدى إلى ظهور وعي متطور أكثر . فالزواحف وعيها محدود جداً , وهو لدى الثدييات متطور , ولدى الرأسييات متطور أكثر , أما لدينا فهو متطور جداً , نتيجة اللغة والحياة الاجتماعية التي ولدت الثقافة . وهذا أدى إلى ظهور أنا فردية متطورة .
إن أهم ما يميز الشعور بالوعي الذاتي ويظهره أيضاً , هو آلية التعرف التي تحدث في الدماغ , فهذه الآلية الهامة جداً, هي من أهم آليات عمل دماغنا . فمبدأ الهوية " أ هي أ " يعتمد آلية التعرف , ولولا هذه الآلية لما كان هذا المبدأ .
فالمطابقة بين واردات حواس جديدة مع ما تم تخزينه في الدماغ من واردات حواس سابقة , يتم بناءً على آلية التعرف. فعندما تتطابق أو تتشابه , واردات حواس جديدة مع مثيل لها مخزن في الدماغ ( أي تم قرعه أو الوعي به سابقاً ) يحدث إحساس أو وعي التعرّف .
وهو تعرف فردي ذاتي عندما أتعرف على شيء معين أو إنسان معين أو مكان معين ..., أو هو تعرف عام , مثل هذه شجرة أو هذه سمكة أو هذا رجل ..., أي تعرف على مجموعة خصائص معينة تميز مجموعة أشياء معينة عن بعضها .
وأهم تعرف لدينا , هو التعرف على ذاتنا أو أنانا , فعندما نستيقظ كل صباح , يتم التعرف على أنانا , فكل منا عندما يصحو من نوم أو إغماء أو تخدير يتعرف على نفسه, فهو متأكد بشكل مطلق أنه هو ذاته عندما يضرم وعيه بعد أن يكون مطفأ .
إن التعرف على الذات وعلى أنها هي نفسها وهي ثابتة ولم تتغير , يجري لدى كل منا , ولكن هل فعلاً ذات كل منا هي تبقى ثابتة ولا تتغير ؟
إن ذات كل منا هي بنية ديناميكية في صيرورة وتغير مستمر , ومع هذا يحدث التعرف عليها, وعلى أنها مازالت هي نفسها ولم تتغير . إن هذا يحدث نتيجة عمل آليات التعرف العاملة في الدماغ .
لذلك ليس من الصعب إعادة التعرف على الذات من جديد , حتى بعد موت وتفكك الجسم .
فيمكن تحقيق التعرف على الذات من جديد , بالاعتماد على التحكم بعمليات التعرف الجارية في دماغ إنسان عامل , كي يحدث تعرف على أنه ذات الإنسان الذي مات , وذلك إذا أمكن إعادة إضرام أحاسيس تحقق ذلك .
وإذا تم إنتاج الوعي البشري في أجهزة إلكترونية بدل من بنيات فزيولوجية ( وهذا محتمل كثيراً), عندها يمكن إعادة إضرام وعي أي إنسان , يكون لدينا معلومات كافية لهذه الإعادة , صحيح أنه سوف تكون ذات جديدة ومختلفة عن الأصلية , ولكن تتعرف على أنها هي نفسها الذات القديمة الأصلية . فالمطابقة التامة ليست ضرورية في عملية حدوث التعرف , والتقمص هو مثال على ذلك , فحدوث التقمص هو حدوث تعرف جديد . وهو يحدث فعلاً . وكذلك الإنفصام وتعدد الشخصيات لدى الفرد نتيجة الأمراض النفسية .
والتذكر الذي هو أهم أعمال الدماغ , هو في واقعه تعرف . فعندما نقوم بتذكر أي شيء أو أي فكرة , فنحن في الواقع نقوم بذلك باستعمال آلية التعرف , فهي تمكننا من مطابقة ما تم استدعاؤه من الذاكرة مع ما هو موجود لدينا فكرة عنه , وعندما يكون هناك تطابق أو تشابه بينهما , ويحدث شعور التعرف , عندها نعتبر أننا حققنا تذكر ما كنا نسعى إليه .
الإرادة الواعية
إن الإرادة الواعية هي التحكم بمصادر أو مسببات الأحاسيس ( واردات الحواس )، ويتم ذلك عن طريق فتح وغلق المسارات بين ساحة الشعور ( الوعي ) ومصادر الأحاسيس . ويكون هذا التحكم ضمن حدود معينة لا يمكنه تجاوزها ، فيمكن لأي مصدر حسي ( وارد حاسة معينة – وهو تيار عصبي ) أن يدخل تياراته العصبية إلى ساحة الشعور في حالات كثيرة ولا تستطيع الإرادة منعه من ذلك ، فتيارات الألم وارتكاس الاهتداء وكل ما هو هام لا يمكن منعها من دخول ساحة الشعور,أو التحكم بدخولها إلا في حدود ضيقة جداً ( اليوغا والزن ) وبتمرين كثير متواصل ، ويتم التحكم بالتيارات العصبية الداخلة إلى ساحة الشعور بآليات عصبية وبطرق تعتمد على هذه الآليات ، وذلك بالتجربة والتعلم ، وبالإضافة إلى خصائص آليات الجهاز العصبي الفزيولوجية الأخرى وهي كلها موروثة ، فارتكاس الاهتداء مثلاً مبنى فزيولوجياً وهو موروث ، وكذلك آليات الإحساس وخاصة الإحساس باللذة والألم .
والتحكم بالتيارات العصبية ضمن ساحة الشعور هو معالجتها عن طريق تصنيفها ومقارنتها وقياسها وتقييمها والحكم عليها ، ويتم ذلك بمساعدة باقي بنيات الدماغ .
وتكوٌن البنيات الفكرية اللغوية لدى الإنسان جعل المعالجة الفكرية لديه تتقدم إلى مستويات عالية من الاتساع والفاعلية.
وقبل بناء البنيات الفكرية اللغوية كانت معالجة البنيات الفكرية ضمن ساحة الشعور ضعيفة ، وبالتالي كان الشعور الواعي محدود بالزمان والمكان والظروف , وهذا جعل وعي الإنسان متطور عن الوعي لدى باقي الحيوانات .
نشوء الإرادة لدى الإنسان
إن الإرادة هي استجابة مختارة من بين عدة استجابات ، ويبدأ تشكل الإرادة بعد الولادة ( وعلى الأغلب قبلها ) فالمولود الحديث يطلق استجاباته العشوائية التي تكون موروثة مثل حركة الرأس والفم ...... وعندما يلاقي أو يتأثر بالدفء والنعومة أو حلمة الثدي يتوقف عندها ( وتبدأ الرضاعة كاستجابة غريزية موروثة ) وتتوقف استجاباته العشوائية . وهذه أبسط أنواع الإرادة . البحث العشوائي عن الدفء والنعومة وحلمة الثدي والطعام ، وبعد ذلك يتعلم ربط قرائن (مؤثرات خارجية ) تترافق أثناء بحثه مع الدفء والنعومة والطعام ، وذلك بواسطة آليات الإشراط وآليات التصنيف العصبية الفزيولوجية (والتي تعتمد المقارنة والتقييم والتقرير وبالتالي الاستجابة) وكلها آليات فزيولوجية عصبية موروثة ، وبعد ذلك تتوسع وتتنوع الاستجابات التي يقوم الطفل بتصنيفها وربطها ، وهنا تنشأ السببية لديه، وذلك نتيجة توسع قدراته وبحثه ، وبالتالي تحقيق ارتباطات وتصنيفات متعددة وواسعة، وبالتالي نشوء استجابات جديدة أو مساعدة أو ممهدة لتحقيق استجابات أساسية .
إذاً بعد الولادة تعطى أوامر لاستجابات بحث , أغلبها عشوائياً ، وعندما تتحقق أو يترافق تحقق استجابة داخلية مطلوبة مع أحد أو مجموعة من هذه الاستجابات العشوائية ، عندها يتم ربطها مع بعضها البعض ( بآلية الإشراط الفزيولوجية العصبية ) ويصبح بالإمكان نشوء دوافع داخلية تطلب تحقيق الاستجابة العشوائية التي حققت الاستجابة الأساسية المطلوبة داخلياً ، أي تتحول الاستجابة العشوائية المحايدة إلى استجابة مقيمة . وتتوسع وتتعقد الارتباطات بين الأنواع الكثيرة من الاستجابات المقيمة ، وبهذه الطريقة تتوسع الاستجابة الداخلية إلى استجابة خارجية، ويتم بذلك انتقال تأثير الدماغ إلى خارج الجسم، ويظهر على شكل تأثير مادي نتيجة عمل هذا الدماغ ، وبذلك يؤثر الدماغ بالمادة .
وبعدما نشأ الوعي الفكري المترافق والمتأثر بالاستجابات العصبية، أي بعدما نشأ الإحساس المتطور ونما وتطور ، ظهر الفكر الواعي الذي يملك الإرادة الواعية .
إذاً البدء كان معالجة استجابات ، ثم معالجة استجابات مترافقة مع أحاسيس ، ثم معالجة أحاسيس واستجابات ووعي متطور بهما ، وأصبح التفكير محسوساً وتم الوعي به ، وطبعاً كل ذلك بمساعدة الذاكرة الواعية .
كيف يحرك الفكر المادة ؟ أو كيف يؤثر الفكر بالمادة ؟ إنه يتحكم أولاً بالاستجابات العضلية والحركية ( الفعلية ) وهي بدورها تحرك مواد العالم الخارجي .







 
رد مع اقتباس
قديم 29-11-2011, 06:08 PM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
نبيل حاجي نائف
أقلامي
 
إحصائية العضو







نبيل حاجي نائف غير متصل


افتراضي رد: كتاب " الدماغ ينتج الوعي والفكر" الجزء (5)

مكتب الدخول لساحة الشعور والوعي
كما ذكرنا مع التطور والتنوع والتوسع بشكل هائل لما يرد إلى الدماغ من مستقبلات الأحاسيس . صار من الضروري تنظيم وترتيب معالجتها من أجل الاهتمام بالأهم والضروري معالجته أولاً , وبذلك نشأ ما يمكن اعتباره بمثابة "مكتب الدخول" يتحكم بتنظيم دخول كمية محدودة من المعلومات الآتية من المستقبلات الحسية ولا يدخل إلا الهام والضروري منها لمعالجته , من أجل تحديد الاستجابة والتصرف المناسب لها .
ما هي الطرق التي تدخل بها المؤثرات (أو التيارات العصبية ) ساحة الشعور والوعي؟
هناك أولاً واردات الحواس وهي التيارات العصبية الآتية من المستقبلات الحسية, الداخلية, مثل الإحساس بالجوع أو العطش, والخوف وأحاسيس الانفعالات الكثيرة الأخرى... والكثير غيرها, و مستقبلات المؤثرات الخارجية, مثل النظر والسمع...., وباقي مستقبلات الحواس الأخرى للعالم الخارجي . وهناك فرق بين ما ترسله المستقبلات الحسية, وما يتم الإحساس والشعور والوعي به فعلياً .
وهناك ثانياً واردات الذاكرة من اللحاء وباقي أجزاء الدماغ, وهي ذات أنواع مختلفة, حسب آلية حدوثها, وهي:
أ_ التداعي نتيجة الإشراط والارتباط أو التتابع الزمني.
ب_ التداعي نتيجة الإشراط والارتباط المكاني ( التجاور المكاني).
ج_ التداعي نتيجة الارتباط للتشابه في التأثيرات أو المعنى(التشابه الذي يسمح بالتعميم)
د_ الاستدعاء المخطط الإرادي الواعي, نتيجة المعالجات الفكرية الإرادية الواعية.
دور المؤثرات التي تدخل ساحة الوعي أو الشعور وتأثيرها الكبير
إن المؤثرات التي تدخل ساحة الشعور وتعالج فيها تأخذ أهمية استثنائية على باقي المؤثرات الأخرى وبغض النظر عن أهميتها ودورها و وظيفتها الحيوية أو القيمة الفعلية لها , وهذا راجع إلى أن معالجة هذه المؤثرات لا تأخذ بالحسبان باقي المؤثرات الأخرى التي لم تدخل ساحة الشعور , وهذا لأن المعالجة لهذه المؤثرات تكون بطريق غير مباشر, فهي تتم عن طريق الإشراطات والتعلم والتحكم بمنحى المعالجة .
ويمكن إثبات ذلك بالقيام بمعالجة وضعين متكافئين في النتيجة كل على حدة , مثل تقرير أي من الطريقين أفضل للوصول إلى مكان معين بمعالجة كل منهما بمفرده , إننا نجد أحياناً أن كل من الطريقين هو الأفضل, وهذا غير دقيق, فهذا يظهر انحياز النتيجة عند المعالجة في ساحة الشعور , فنحن نصل إلى نتيجة متناقضة هي أن كلاً من الطريقين هو الأفضل .
ويمكن تفسير ذلك, بأن واردات الحواس أغلبها لا يدخل ساحة الشعور, فهي تعالج في مناطق الاستقبال لهذه الحواس في العقل الحوفي واللحاء ثم يرسل بعضها إلى ساحة الشعور, وأثناء ذلك ونتيجة الإشراطات والارتباطات المتكونة سابقاً, يحدث أن تعدل وتغير , أي أن واردات الحواس لا تصل إلى ساحة الشعور إلا بعد تعرضها للمعالجة والتعديل, وكذلك يدخل معها بعض مؤثرات التيارات العصبية الأخرى والتي كانت قد ترابطت معها .
فأي صوت أو صورة أو رائحة أو كلمة..... أي مؤثر حسي لا يصل إلى ساحة الشعور بشكل خام , فهو يتعرض للتعديل والتغيير, ويمكن أن تدخل معه مؤثرات أخرى , وهذا ما ينتج أغلب الأخطاء والتناقضات في المعالجات الفكرية الواعية.
ماذا سيحدث للأحاسيس البشرية وبشكل خاص للوعي ؟
على الأغلب سوف تتوسع مجالاتها وأنواعها وكميتها ، وسوف تنتظم وتتوافق مع المفيد والواجب والضروري لاستمرار وتطور البنيات المتفاعلة ( أغلبها إن لم يكن جميعها ) ولكن أين ستتوضع تلك الأحاسيس ؟
هل ستبقى متوضعة في العقول الفزيولوجية الحية ، أم ستتوضع في العقول الالكترونية ، أم في عقول مشتركة حيوية الكترونية ؟
الاحتمال الأكبر هو الأخير .
ماذا سيحدث للتيارات العصبية الحسية المؤلمة ؟
على الأغلب سوف تعدل وتخفف ، وسيتم السيطرة التامة عليها ، ولكن سوف يحافظ عليها من أجل وظيفتها الهامة (الحماية والإنذار والتوجيه ) ، بالإضافة إلى أنها ضرورية لإنتاج الأحاسيس اللذيذة (ربما يتعدل هذا فيما بعد وتصبح غير ضرورية ) .



التفكير
لقد عرف أحدهم التفكير بأنه سلسلة من العمليات العقلية ( أو المعالجة ) التي يقوم بها الدماغ عندما يتعرض لمثيرات استقبلها من الحواس , والتفكير بمعناه الأوسع هو عملية بحث عن معنى الأوضاع والمثيرات التي يتعرض لها الفرد , وقد يكون المعنى ظاهراً حيناً , وغامضاً حيناً آخر ويتطلب للتوصل إليه معالجة مكونات تلك الأوضاع .
إن دماغنا أهم أعضاؤنا وأكثرها تعقيداً وهو وراء كل عملياتنا الحياتية , سواء أكانت حركات بسيطة كتحريك مفصل في الأصبع أو حركات معقدة مثل المشي والسباحة وقيادة السيارة أو الكتابة والقراءة .. , أو كانت أعمال كالوعي والتفكير والتذكر والكلام والتعلم والخلق والابداع ,أو كانت أحاسيس ومشاعر وكافة العواطف والانفعالات, فهو الذي يولد اللذة والألم والسعادة أو الشقاء , فهو الذي يتضمن ذات ووعي كل منا .
ففيه تجمع المعلومات عن المحيط وما فيه , وعن حالة الجسم الداخلية, بواسطة واردات مستقبلات حسية – الحواس- التي تستجيب للمؤثرات الميكانيكية والضوئية والحرارية والكيميائية – نظر وسمع ولمس وذوق وشم .... – وتحولها إلى نبضات عصبية كهربائية ترسلها إلى الدماغ , الذي يقوم بتفسيرها وتصنيفها وتقييمها , وتخزين مضامينها ومعانيها , لكي يستخدمها في الحفاظ على الجسم وتحقيق حاجاته ودوافعه .
" يمكننا أن نتتبع نشوء العقل ( أو المعالجات الفكرية ) من أبسط الكائنات العضوية المفكرة والتي تمتلك ألياف عصبية إلى أعقد تلك الكائنات وهو الإنسان . ويمكننا أيضاً أن نصنع آلات تمتلك الكثير من السمات والخصائص المادية لمثل تلك الكائنات المفكرة البسيطة . وهكذا يبدو أن الكثير من جوانب العقل الإنساني لها أساس مادي محدد . وهناك جوانب من العقل لا نستطيع بعد تفسيرها تماماً من خلال البناء المادي , ولكن الثورة العقلية لا تزال في المهد .
إننا نعتبر أن الوعي والإدراك هما أساس مفهوم العقل أو التفكير , وهذا ما حجب عنا أساس مفهوم التفكير ، فالإدراك والوعي والفهم , هم المراحل المتقدمة جداً من المعالجات الفكرية للأحاسيس .
إن التعرف يتضمن التمييز, وللتمييز لا بد من المقارنة, لذا فالتعرف ليس عملية بسيطة وهو الأساس الذي يبنى عليه كل تفكير . والتعرف بالنسبة للعقل البشري يتم ببناء الهويات أو المفاهيم التي ترمز الأشياء التي تم التعرف عليها . وبناء على ذلك يمكن أن نعتبر كل بنية تقوم بالتعرف هي بنية تستطيع أن تفكر إذا قامت بمعالجة ما تعرفت عليه لكي تحقق أوضاعاً محددة . وهذا التعريف للتفكير يسمح لنا بتصنيف الكثير من البنيات على أنها تقوم بالتفكير.
ومن هذا المنظور يمكن اعتبار حتى البنيات الاجتماعية هي بنيات مفكرة مثلما وحيدات الخلية هي بنيات مفكرة .
ويمكن إرجاع كل تفكير مهما كان متطوراً ومعقداَ يمكن إرجاعه إلى أسسه , وإذا أخذنا التفكير البشري كمثال فإننا نجد أنه يعتمد بشكل أساسي على البنيات اللغوية الفكرية ومعالجتها ( وهوأيضاً يفكر بدون الاعتماد على اللغة ), والتي يمكن إرجاعها إلى البنيات الفكرية العصبية والتي بدورها يمكن إرجاعها إلى البنيات الفزيولوجية, والتي ترجع إلى البنيات الكيميائية التي ترجع إلى البنيات الفيزيائية .
إن أساس التفكير في رأيي هو القدرة على التعامل مع الخيارات والتحكم بها لتحقيق هدف معين . وهذا ما جعل الكثير من البنيات هي بنيات مفكرة . فبنية الحياة ، وكذلك بنية كل كائن حي حيوان أو نبات , والبنيات الاجتماعية , والكومبيوتر , وغيرها هي بنيات تتعامل مع الخيارات وتحقق هدفاً معين . فهي تفكر .
و للكائنات الحية عناصر وآليات متعددة للتفكير غير العناصر والآليات العصبية , فهي تعتمد العناصر الفيزيائية والكيميائية والفزيولوجية والأعضاء والأجهزة, وآليات متنوعة في التعامل مع الخيارات المتاحة للوصول إلى الأوضاع المستقرة والمناسبة لنموها واستمرارها(مثل جهاز أو أجهزة الحماية والمناعة_أجهزة التغذية والهضم والتمثل_أجهزة التكاثر والتزاوج_....), ويكون أغلبها موجوداً عند الأحياء البسيطة و القديمة ولا يعتمد على الجهاز العصبي أو على الأحاسيس وإذا اعتمد على جهاز عصبي فهو يكون جهازاً بسيطاً , ويجب أن ننتبه كما قلنا إلى أن الجهاز العصبي يعتمد في عمله على العناصر والآليات الفيزيائية والكيميائية أيضاً.
التفكير البشري
إن التفكير البشري هو تعامل فكري مع الخيارات المتاحة يستبق التعامل الواقعي معها , وهذا ما يميز التخطيط البشري عن تخطيط الكائنات الحية الأخرى , فتخطيط تلك البنيات يجري بالتعامل مع الخيارات المادية الموجودة , حسب البرنامج الوراثي الموضوع , ودون استباق المستقبل بشكل فكري .
فالكائنات الحية البسيطة تعتمد على العناصر والقوى الفيزيائية والكيميائية والحيوية الموجودة . وإن كان هناك الذاكرة فكرية محدودة , ولا تتوقع أو تتنبأ للمستقبل , إلا حسب عوامل وراثية محدودة , وإن حدث وقامت بعض الكائنات الحية بمشاريع مستقبلية , فيكون هذا مبرمج فزيولوجياً وعصبياً وليس فكرياً وبشكل واع مثل الإنسان .
وهذا هو الفرق الأساسي والهام جداً بين تفكيرنا وتفكير غالبية الكائنات الحية الأخرى , وهذا ماعرفه وشعر به كل من فكر في هذا الموضوع , فنحن نفكر ونتعامل مع الوجود بطريقة مختلفة عن باقي الموجودات لأننا نستخدم البنيات الفكرية اللغوية التنبؤية ( السببية واستباق المستقبل ) وخصائصها الفريدة في التعامل مع الخيارات .
إن هذا الفرق الهام جداً هو ما يميزنا عن باقي الكائنات الحية وباقي بنيات الوجود الأخرى , فنحن نتعامل مع الخيارات في زمن مفتوح ( نسبياً ) , ماض و حاضر ومستقبل , أما باقي البنيات الحية فتتعامل مع الخيارات المتاحة لها في زمن الماضي والحاضر فقط ولا تستطيع استباق الحاضر إلى المستقبل في تعاملها مع الخيارات ( إلا بشكل غريزي وراثي محدود ) .
فاللغة والتخطيط الفكري , والسببية المتطورة هو ما يميز تفكيرنا عن باقي بنيات الوجود , فنحن فقط نستطيع أن نختار الخيار الأنسب من بين مجموعة خيارات متاحة لنا , وذلك بالاعتماد على أفضليتها المستقبلية وليس الحالية , وذلك باستعمال البنيات الفكرية اللغوية "التنبؤية " المتطورة العالية الدقة . وكلما كانت دقتها أعلى كان تخطيطنا أكثر فاعلية في تحقيق أهدافنا الموضوعة .
التفكير البشري والتفكير بشكل عام
إن التعامل مع الخيارات من أجل اختيار المناسب , هو أساس التفكير , يتم بناءً على أحد الطرق التالية:
1 _ بناءً على تأثير البنيات الخارجية على البنية المتعاملة مع الخيارات, أي أن الخيارات تكون مفروضة مباشرة على البنية, والتفاعلات بين البنيات الفيزيائية مثال على ذلك: النهر عندما يشكل مساره أو مجراه فهو يشكله حسب العناصر والقوى أو التأثيرات - أي الخيارات الفيزيائية- التي تحدث له.
2-بناءً على تأثير البنيات الخارجية ولكن بعد مرورها بمعالجة بسيطة أو معقدة, أي أن تأثير الخيارات يكون غير مباشر ويخضع لتعديل وتغيير حسب المعالجة التي يخضع لها , وأعقد أنواع المعالجات هي التي تتم في العقل البشري . ومن هذا المنظور نجد أن التفكير لم يعد مقتصراً على الإنسان أو الحيوان فهو موجود لدى بعض البنيات, فهو حادثة طبيعية منتشرة لدى بعض البنيات , ولكن الفرق الآخر و الهام بين التفكير البشري و الحيوانات المتطورة من جهة , و تفكير باقي البنيات المفكرة الأخرى من جهة ثانية هو وجود الإحساس أو الشعور المترافق مع التفكير والمتفاعل معه في نفس الوقت, وهذا الإحساس يصبح لدى الإنسان على شكل وعي متطور واسع . ويتشكل أيضاً وعي جماعي .
إن هذاالتوضيح للتفكير البشري يسٌهل فهمه , ويساعد في التعامل معه لبناء معارف عالية الدقة , وبالتالي يسهل التعامل مع الأوضاع لتحقيق الأهداف والدوافع .
فإذا اعتبرنا أن التفكير هو التعامل مع الخيارات المتاحة واختيار المناسب (أي معالجتها كما في الكومبيوتر) بناءً على طرق وآليات معتمدة سابقاً وذلك للوصول إلى أوضاع محددة سلفاً .
وإذا جعلنا الأحاسيس والإدراكات والوعي هي مرافقة للتفكير وليست من أساس التفكير فهي مستقلة عنه ولكنها مساعدة , فإننا نجد أن الكائنات الحية الأولية- وحيدة الخلية- تفكر ولكن بعناصر وآليات فزيولوجية و كيميائية . وأن هناك الكثير من البنيات تفكر فتعالج الخيارات المتاحة وتختار وتصحح وتعود وتختار للوصول للأنسب لها .
ووجدنا أن التفكير ليس مرتبطاً بالجهاز العصبي فقط كما يظن أغلبنا, فنحن نربط التفكير بالأحاسيس والانفعالات والمعالجات الفكرية المنطقية مع أن كل منهم له عناصره وآلياته الخاصة به , لكنهم يعملون معاً , وهذا يجعل نتائج عملهم معقدة متشابكة ويصعب فهمها . فيجب تحليل ناتج عملهم لكي يتوضح لنا عمل كل منهم .
وكل تفكير يعتمد التعرف والذاكرة , ولكي يتم التعرف لا بد أولاً من التأثر بالمراد التعرف عليه , ثم لا بد من الاحتفاظ – الذاكرة- , وتصنيف هذه التأثرات , وذلك بالاعتماد على تمييز تأثيرات كل منها على الآخر , وهذا يتم بمقارنتها مع بعضها لتمييز الفرو قات بينها . فالتعرف يتضمن التمييز , وللتمييز لا بد من المقارنة , لذا فالتعرف ليس عملية بسيطة وهو الأساس الذي يبنى عليه كل تفكير - أو المعالجة الفكرية- .
والتعرف بالنسبة للعقل البشري يتم ببناء الهويات أو المفاهيم التي ترمز الأشياء التي تم التعرف عليها, وبناء على ذلك يمكن أن نعتبر كل بنية تقوم بالتعرف هي بنية تستطيع أن تفكر إذا قامت بمعالجة ما تعرفت عليه لكي تحقق أوضاعاً محددة , وهذا التعريف للتفكير يسمح لنا بتصنيف الكثير من البنيات على أنها تقوم بالتفكير.
ومن هذا المنظور يمكن اعتبار حتى البنيات الاجتماعية هي بنيات مفكرة مثلما وحيدات الخلية هي بنيات مفكرة .
ويمكن إرجاع كل تفكير مهما كان متطوراً ومعقداَ , سواء كان هو أو البنيات التي تقوم بهذا التفكير , يمكن إرجاعه إلى أسسه الفيزيائية .
وإذا أخذنا التفكير البشري كمثال فإننا نجد أنه يعتمد بشكل أساسي على البنيات اللغوية الفكرية ومعالجتها , والتي يمكن إرجاعها إلى البنيات الفكرية العصبية والتي بدورها يمكن إرجاعها إلى البنيات الفزيولوجية, والتي ترجع إلى البنيات الكيميائية التي ترجع إلى البنيات الفيزيائية. و تتفاعل البنيات اللغوية مع البنيات الاجتماعية عبر الناس الذين يستعملونها وهذا يعقد الوضع كثيراً.
ملاحظة على أسس الجدل الفكري
إن كل جدل - تفاعل وتبادل تأثير- لابد أن يكون بين بنيتين أو أكثر, وكما ذكرنا التفكيرالذاتي هو تبادل تأثير بين عدة بنيات يجري في الدماغ وأهمها:
1- التشكيل الشبكي وهو المعالج الأساسي وأول المعالجات العصبية نشوءاً.
2- المهاد وماتحت المهاد والدماغ الحوفي.
3- مقدمة اللحاء وهو يشمل العقل الحديث
إن دماغ الإنسان بعد أن يكتسب أو يصنع البنيات الفكرية( وخاصة البنيات الفكرية اللغوية), يستطيع لوحده أن يعمل ويقوم بجدل بين بنياته(التفكير الذاتي) ودون مثيرات خارجية (دون مدخلات) وينتج الأحاسيس والبنيات الفكرية الجديدة, فهو يستطيع إجراء تبادل تأثير بين بنياته وإدارة هذا التبادل للوصول إلى هدف تم اعتماده, وكل منا يعرف الجدل الفكري الذي يقوم به, فكل منا يستطيع أن يفكر مثل شخصين يتجادلان وكثيراً ما يستعمل أحدنا عبارة قلت لنفسي أو راودتني نفسي وكثيراً ما يعاتب الإنسان نفسه أو يحكم على نفسه, وأكبر مثال على ذلك هو ماينتجه الأدباء من قصص وروايات تشمل الكثير من الشخصيات والأحداث والمجادلات الفكرية وسيناريو الأحداث....., فكل هذا تم صنعه في دماغ واحد هو عقل الكاتب, إن هذه القدرة للعقل البشري هي التي جعلته شيئاً خارقاً في نظر كل منا, فذات أو نفس أو روح كل منا هي هذا الشيء الخارق الذي ينتجه دماغنا .


نحن البشر كيف نفكر
إن التفكير لدينا يعتمد بشكل كبير على اللغة , وكان البعض يرى أنه لا يمكن التفكير دون لغة , وأن الحيوانات تتصرف غريزياً ودون تفكير . ولكن ظهر أن غالبية الكائنات الحية تفكر وتتصرف بناءً على معالجة فكرية لما تتعرض له من ظروف ومؤثرات حسية , وبناءً على ما تعلمته أثناء حياتها .
هناك سؤال هام :هل هناك فرق جوهري بين تفكيرنا وتفكير باقي الكائنات الحية ؟؟
غالبية الناس ترى , أو يشعرون , أن لدينا شكلين من التفكير ( وفي رأيي هذا صحيح ) .
- التفكير الأول وهو التفكير بواسطة اللغة ,وهو : إرادي - منطقي - سببي , وهو تفكير تسلسلي . ففي حالة اللغة المحكية أو المكتوبة وفي حالات النقاش والجدل , وكذلك في حالات ذكر الحوادث والقصص يكون التفكير تسلسلي . وأيضاً في حالة التفكير المنطقي والتفكير السببي والرياضيات يكون التفكير تسلسلي . وفي حالة كافة أشكال التعلم في المدارس والجامعات يستعمل التفكير التسلسلي بشكل أساسي .
- أما التفكيرالثاني فهو تفكير حدسي وغير واع وشامل , مثل الإلهام والوحي والإبداع في الشعر والموسيقة والعلوم , وهو التفكير المتوازي . والمشي والسباحة وركوب الدراجة , وكافة المهارات الجسمية والمعرفية كإلقاء الخطب, تمارس بالتفكير المتوازي بشكل أساسي , مع توجيه وقيادة الفكير التسلسلي .
إن تعلّم كافة الحيوانات التصرفات والمهارات مثل تعلم الصيد من أبويها أو رفاقها , يتم باستخدام التفكير المتوازي , فهي تتعلم دفعة واحدة لكثير من الأمور , وليس خطوة خطوة , فهي لا تفكر بشكل تسلسلي مثلنا , لأنها لا تستخدم لغة متطورة تجبرها على التفكير التسلسلي .
فالأهمية الكبرى للغة والتي كانت العامل الأساسي في تطور الذكاء البشري بشكل جعل تفكيره ومعالجة المعلومات المدخلة لدماغه مختلفة ومميز عن باقي الكائنات الحية , حتى التي دماغها أكبر بكثير من دماغه , هي أنها سمحت لكافة مراكز الاستقبال الحسية أكانت سمعية أم بصرية أم شمية . . الخ تستطيع الترابط مع بعضها بواسطة اللغة التي استطاعت تمثيل الكثير من تأثيرات المدخلات الحسية برموز صوتية لغوية , وذلك عن طريق مناطق الارتباط اللغوية في الدماغ , وهذه المناطق التي تشكلت واتسعت بشكل كبير هي الأساس الذي حقق لنا الذكاء المتميز عن كافة الكائنات الحية . فنحن الوحيدين من بين الكائنات الحية الذين نستطيع تمثيل غالبية الأحاسيس بواسطة رموز لغوية فكرية وهي الكلمات .
لقد تطورت كثيراً طرق وأساليب الترميز والتمثيل لدينا نتيجة نشوء اللغة المحكية , فبواسطة اللغة التي هي ترميز ثاني للرموز الحسية الخام ( البصرية والصوتية وغيرها ) تم تمثيل أو ترميز واردات الحواس المختلفة بلغة أو رموز واحدة . فبواسطة اللغة المحكية ( أي الصوتية ) أو المقروءة , تم ترميز الكثير من واردات الحواس المختلفة , وأيضا تم تمثيل أحاسيسنا وعواطفنا وأفكارنا بتلك اللغة . وكان يحدث تدقيق وتصحيح لتلك التمثيلات أو التشبيهات أو النماذج التي يبنيها دماغنا كي يكون التمثيل أدق وأكثر مطابقة للواقع . فاختراع الكلمات وسع حدود العقل والوعي .
ولم يبدأ التواصل بين مناطق الذكاء لغوياً إلا منذ حولي 150 ألف سنة , وأخذت المعلومات عن مختلف جوانب الحياة تمثل بكلمات يتم التواصل بها بين الأدمغة . وتطورت طريقة ربط الأفكار وهذا أدى لنمو الذكاء البشري بشكل كبير وسريع وغير مسبوق . فبواسطة اللغة المحكية بدأت القصص والروايات ومن ثم الأساطير بالتشكل والتداول بين أفراد الجماعة , وهذا سمح مع أمور أخرى بنشوء وتكوّن الثقافة الخاصة بكل جماعة ,والتي صار يتم توارثها وتناميها نتيجة الحياة والتواصل الاجتماعي عن طريق هذه اللغة المحكية , وفي هذه المرحلة تم حدوث القفزة الكبيرة للتفكير والذكاء البشري التي ميزته عن باقي الكائنات الحية .







 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 04:54 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط