الفرق بين الإحساس الخام والإدراك الحسي
إن الإحساس الخام هو ما يتكون لدينا من خبرة نتيجة تنبه الخلايا العصبية الكائنة في إحدى مناطق الدماغ الحسية .
في حين أن الإدراك الحسي هو الإحساس مضافاً إليه شيء أكثر , أي تضاف إليه الخبرة الناجمة عن تنبيه الخلايا العصبية الموجودة في المناطق الأخرى في الدماغ .
فالإدراك الحسي , بعبارة أخرى , هو الإحساس المعزز بالذاكرة وبالصور المستمدة من الخبرة الماضية والناشئة عن التداعي . والإدراك الحسي يتأثر كثيراً بما يكون عليه انتباهنا أو تأملنا ورغبتنا وأهدافنا "
و إذا نحن دققنا أكثر نجد أن كل هذا غير كافي لحدوث الشعور والوعي بالأحاسيس , فواردات الحواس من الأعضاء الحسية إلى مركزها في الدماغ هي بالآلاف إن لم تكن بالملايين , والذي يتم اختياره وإدراكه والوعي به منها هو الذي يدخل أو يتم إدخاله إلى " ساحة الشعور " أو ما يسمى " بسبورة الوعي " وهو جزء صغير جداً من الذي يصل إلى مركز الحس المتعددة .
والذي يصل من الأعضاء أو الأجهزة الحسية تجري عليه معالجة واختيار وتنظيم , ويمكن أن يجزأ ويعالج في عدة مراكز في الدماغ , فالسيالات العصبية الكهربائية الآتية من العينين تجزأ وتذهب إلى عدة مراكز في الدماغ ويعالج كل منها على حدة , ثم تنظم وترسل إلى سبورة الوعي ليتم الشعور والوعي بها .
ويجب أيضاً أن يسمح لها بدخول سبورة الوعي ( من مكتب الدخول), و إلا لن يتم الشعور والوعي بها , فنحن في أحيان كثيرة لا نعي أو لا نشعر بما تم وصوله من سيالات عصبية من العينين إلى الدماغ , نتيجة أمور أهم تجعلنا مدفوعين لوعيها والشعور بها .
فحتى أقصى الآلام يمكن أن لا نشعر بها إذا كان هناك ما يهدد حياتنا أو أمور هامة جداً بالنسبة لنا يجب الانتباه إليها وتركيز الشعور والوعي بها .
تسلسل أهمية الحواس وقوتها عند الولادة.
إن تسلسل أهمية الحواس عند الولادة , يجعل الألم هو الأهم والأوسع , وتأتي بعده في الأهمية حاسة اللمس , واللمس الفمي , والشم , والإحساس بالنعومة والدفء . ولمسات الأم وحنانها هي الأهم بالنسبة للمولود . فالأهمية والتركيز يكون على أحاسيس اللمس والذوق والشم ثم يلي ذلك السمع ثم البصر .
فالسعي للنعومة والدفء وثدي الأم وحنانها , وكذلك السعي لتحاشي أحاسيس ألم الجوع والعطش والانزعاج , هي أساس الاستجابات لدى الوليد.
ثم تأخذ الأحاسيس الصوتية والبصرية وغيرها والتي تكون محايدة المعنى في أول الأمر بالتحول إلى لذيذة ومفرحة أو مؤلمة, تنيجة الاشراطات والترابطات التي تنشأ .
وبعد ذلك تبدأ الأصوات تتحول إلى لغة ويكون لها التأثير الأهم والأوسع وتنافس أحاسيس اللمس وباقي الحواس.
ثم تنشأ أحاسيس الترقب والتوقع, وأحاسيس وانفعالات الحب والغيرة...الخ.
آليات عمل الحواس
إن آليات عمل الحواس والجهاز العصبي هي آليات مكممة محددة وليست احتمالية, فقد كممت بواسطة العتبة , والكمية, والنوعية, ومصدر التيار العصبي .
فالعتبة هي إما أن التفاعل الناتج عن المؤثر يحدث تياراً عصبياً ذو خصائص محددة ثابتة تابعة للمؤثر أو لا يحدث, أي أن تأثير المؤثر على مستقبلات الحواس إما أن يحدث الإثارة وبالتالي ينشأ تيار عصبي ويكون هذا التيار الناتج محدد الكمية والكيفية والمصدر, أولا يحدث .
وكذلك عمل الخلايا العصبية فهي إما أن تثار وتنتج تياراً عصبياً نتيجة ما يصلها من تيارات عصبية أو لا تثار ولا تنتج أي تيار عصبي- وهذا يشبه عمل الكومبيوتر تيار أو لا تيار, صفر أو واحد - .
إن عمل الحواس والجهاز العصبي هو عمل محدد ومكمم فيزيائياً , فليس هناك احتمال في عمل البنيات التحتية أي الكيميائية الفيزيائية لمستقبلات الحواس أو الجهاز العصبي , وهو مثل عمل باقي التفاعلات الفيزيائية إن كانت ميكانيكية أو كهربائية أو غيرها من التفاعلات الفيزيائية, فالإثارة أو التيارات العصبية إما أن تحدث أو لا تحدث , وهي ذات خصائص محددة في كل مرة .
بينما عمل الدماغ في بنياته العليا , في التعرف وبناء الأحكام والتفكير المتقدم , يمكن أن ينتج معرفة احتمالية- ولا مجال لتوضيح ذلك الآن- , فالتعرف و الدلالة على العالم الخارجي والأحكام التي تبنى أثناء المعالجات الفكرية هي تنبؤية احتمالية , وهذا نتيجة عدم التكميم الكامل للبنيات الفكرية , ولكن عندما تكمم بشكل تام كما في البنيات الفكرية الرياضية , عندها تصبح الأحكام غير احتمالية وذات صحة مطلقة .
تشبيه الأحاسيس بنغمات الآلات الموسيقية
إذا كان لدينا عدة عشرات من الآلات الموسيقية المختلفة من حيث طبيعتها وطبيعة الأصوات التي تصدرها, ولكل منها طريقة أو آلية تقرع أو تعزف بها , ويمكن أن يصدر كل منها صوتاً حسب طريقة ومدة العزف , ولكل منها عتبة معينة أو مقدار لازم من القوة والمدة لكي يصدر النغمات فإذا كانت المدة أو القوة قليلة أو الطريقة في العزف غير مناسبة فلن تصدر النغمات, وهناك خصائص و عطالة لكل آلة تحدد طريقة وزمن إصدار النغمات المتكرر فلا يمكن أن يكرر إصدار نغمة قبل مدة معينة وقبل وضع معين , وإننا نستطيع العزف على بعض الآلات بعدة طرق أو وسائل , وتكرار العزف على بعض الآلات يمكن أن يغير من خصائصها, وكذلك قلة العزف يمكن أن يغير من خصائصها, وهناك إمكانية للعزف على أي عدد من الآلات معاً, وهناك إمكانية خاصة وهي إمكانية جعل آلة تعزف عن طريق عمل آلة أخرى أو الآلات الأخرى .
كذلك الأحاسيس يمكن اعتبارها آلات عزف وظيفتها أو دورها متنوع , فبعضها للإنذار والتنبيه أو للإعلام أو للتنبؤ, وبعضها للمكافأة واللذة وإحداث الفرح والسرور, وبعضها للألم والأحاسيس غير السارة وغير المرغوبة....الخ.
إن آلية عزف هذه - الآلات الحسية- تكون محددة وثابتة عند البدء باستعمالها- عند الولادة- ولكن بعد الاستعمال الكثير المتكرر تنشأ تداخلات وتأثيرات متبادلة فيما بينها, وتتغير وتتطور وتتعقد آليات العزف, وهذا يحدث باستمرار ولكنه ينتظم أو يميل إلى الانتظام والثبات مع الزمن وطول العمر, وهناك طريقتان لعزف هذه الآلات الحسية :
الأولى : وهي الأساسية وتكون عن طريق مستقبلات الحواس.
والثانية : تنشأ بعد ذلك نتيجة الحياة وهي العزف عن طريق الذاكرة أو مخزون اللحاء.
ويحدث تداخل وتأثير متبادل بين هاتين الطريقتين وتعملان معاً, فالذاكرة تؤثر على واردات الحواس وكذلك العكس, بالإضافة إلى أن معالجات الدماغ لها تأثير أيضاً .
ويقول الدكتور حكمت هاشم :
" إن الحواس لا تشبه القنوات أبداً, بل هي بمثابة أجراس كهربائية. فكما أنه لا شبه بين حركة الأصابع المعتمدة على الزر وقرع الجرس, فكذلك لا شبه بين الإثارة التي تهيج طرف العصب وما يداخل الوعي من إحساسات من ذلك الطرف. إن عين النملة وعين الحلزون وعين الإنسان إذا وضعت ثلاثتهم بمثاقبة مشهد واحد وهيجت على صورة واحدة. أتت أولاها بإحساسات نملة والثانية بإحساسات حلزون والثالثة بإحساسات إنسان: الشأن في ذلك شأن الآلات الموسيقية الوترية التي تجيء ضربة القوس الواحد عليها بصوت يختلف من آلة لآلة,إذاً فلا عجب أن ندرك بحواسنا عالماً يختلف عن العالم الحقيقي "
الأحاسيس والحاجة إلى مثير, والتعود والعادة والإدمان على أحاسيس معينة
إن الأساس الفزيولوجي العصبي للتعود على وجبات معينة ، أو ممارسة ألعاب أو طقوس معينة .......الخ ، هو تكرار أحاسيس معينة ، والمحافظة على شكل وطبيعة هذه الأحاسيس ، وعدم الرضا بغيرها , أو إجراء تغيير كبير عليها .
إن الناس يختلفون من ناحية وجود فروق فردية بينهم من حيث المحافظة على السعي لأحاسيس معينة أو التجديد والتغيير والتنوع لهذه الأحاسيس ، نتيجة الاختلافات الفزيولوجية العصبية بسبب الوراثة أو التربية .
فالعادة والإدمان والمحافظة على الأوضاع ، وكذلك نقيضها التجديد والمغامرة والتنويع للأحاسيس , والملل من التكرار والرتابة .....الخ توجد بنسب متفاوتة بين الناس ، فهناك أناس يسعون إلى المحافظة والثبات على أحاسيس معينة وتكرارها ، و أناس آخرون يسعون إلى التجديد المستمر وتحاشي التكرار ويسعون لتنويع أحاسيسهم ، أي هناك من لا يمل ، وهناك من يمل ، وهناك من يمل بسرعة .
فالحاجة إلى مثير - الشهوة للمثير- أو إلى الأحاسيس موجودة لدى الجميع وبنسب متفاوتة ، وهي إما أن تكون تكراراً لأحاسيس معينة ، أو أن تكون تنويعاً وتجديداً وتغييراً .
ويجب أن نلاحظ أن الأساس الفزيولوجي للذكريات وطبيعة تأثيرها المضخم والمحور أحياناً ، له دور في السعي إلى تكرار ممارسة مثيرات معينة ، بالإضافة إلى العادة والتعود التي هي من خصائص آليات عمل الجهاز العصبي ، فالسعي للعودة إلى نفس الأماكن ونفس المثيرات والأحاسيس أو لنفس الأشخاص , والاشتياق إلى المثيرات والأحاسيس التي أحدثوها في الماضي له علاقة بالعادة والتعود ، وله آليته العصبية الخاصة به .
السعي لمشاركة الآخرين نفس الأحاسيس
إن أغلبنا يسعى لنقل أحاسيسه وأفكاره للآخرين , لأن إحداث نفس الطنين الحسي لدى الآخر يؤدي إلى حدوث تغذية عكسية موجبة تقوي هذه الأحاسيس , فعندما أشاهد منظراً جميلاً أو أسمع صوتاً جميلاً أو أتناول طعاماً شهياً... أسعى إلى من يشاركني هذه الأحاسيس, لأن مشاركة الآخر تعزز وتقوي إحساسي وتزيد من متعتي .
إن هذه الخاصية , زيادة قوة الأحاسيس نتيجة مشاركة الآخرين, ناتجة عن تغذية عكسية موجبة لطنينات الأحاسيس, كما في المجال الفيزيائي , والأحاسيس التي يشعر بها الإنسان يمكن أن تنتقل إلى الآخر بواسطة التعابير والإيحاءات واللغة .
إن كافة الفنون تنمو وتنتشر نتيجة هذه الخاصية, بالإضافة طبعاً إلى العوامل والدوافع الأخرى , المال والشهرة...
الوعي
مفهوم الوعي
عرف ويليم جيمس الوعي بأنه صيرورة وليس شيئاً ملموساً , والوعي يمثل خبرة هذه اللحظة واللحظة التي تليها . ويقصد بالوعي اليقظة وأن الشخص الواعي هو الشخص المتيقظ . والذي يشعرك بأنك واعي هو شعورك بأنك هو أنت ولست شخصاً آخر .
فالوعي عبارة عن تحول قائمة من المثيرات الحسية والنشاطات العقلية إلى مشهد له صورة متكاملة يستغرق بقاؤها فترة زمنية كافية .
والحيوانات المتطورة تمتلك جهاز الوعي , على خلاف الكائنات الحية البسيطة والنباتات فإنها لا تمتلك جهاز الوعي مهما بلغ تركيبها من التعقيد. لقد كانت العمليات لدى الكائنات الأولية البسيطة (وحيدات الخلية ) فزيولوجية فقط ، ثم نشأت الأجهزة الحسية ثم العصبية ( والتي هي بنيات فزيولوجية متخصصة ) لكي تساعد في الإدارة والتحكم والقيادة , لتنفيذ الأهداف أو البرامج الموضوعة , وذلك حسب الخيارات المتاحة . ثم نشأت الأجهزة الحسية والعصبية المتطورة , التي أنتجت الإدراك والوعي .
فالوعي هو القدرة على كف كل أوجه نشاط اللحاء و واردات الحواس ( منعها من دخول ساحة الشعور) فيما عدا المتعلق بناحية معينة , وهذه الناحية هي ما يمكن أن نسميه بسلسلة أو قطار الأفكار .
فالوعي هو عبارة عن مصباح كشاف يضيء ذلك الموضع في اللحاء أو بعض واردات الحواس , بنشاط هام ذي قيمة للبقاء على قيد الحياة , وبشكل عام يضيء الوعي فكرة أو مجموعة أحاسيس معينة , في وقت واحد .
ويمكننا أن نعرف الوعي البشري الذاتي , بأنه ما يحصل في الدماغ الفرد أثناء صحوه , أو أثناء الأحلام , من شعور وإحساس وإدراك . ويطلق على المنطقة التي يحدث فيها الوعي ساحة الشعور أو سبورة الوعي أو الذاكرة العاملة , أو النفس أو الروح, أو الأنا الواعية , أو الذات المدركة.
إن الوعي الذاتي مرتبط بالشعور بالزمن وبنشوء الإحساس بالزمن لدينا , فهو نتيجة رصد الحركات والتغيرات التي نحس بها وصياغتها في سلسلة متتالية مترابطة , وهذا يكون بشكل حسي واعي .
وكذلك الوعي الذاتي مرتبط بالذاكرة , فلولا وجود الذاكرة لما نشأ الوعي الذاتي لدينا بهذا الشكل , لأن الوعي أو الأحاسيس سوف تحدث وتنتهي فوراٌ ولا يبقى شيء . فالوعي الذاتي مرتبط أيضاً بطبيعة وخصائص ذاكرتنا , التخزين والاسترجاع . و بتغيير ذاكرة شخص بذاكرة شخص آخر تنتقل ذات كل منهم إلى الآخر .
ويرى البعض :
" أن الوعي الذاتي ( الوعي بالأنا ) تابع لمخزون الذاكرة بشكل أساسي , وهذا يدل على أن الوعي كل منا بذاته عندما يسترجعه بعد أن يصحو من نومه أومن التخدير العام , يتم استعادته بناء على ما هو مخزن في ذاكرته . وهذا يعني أن ذات كل منا تنعدم عندما يطفأ وعيه , وتعود وتتشكل عندما يعود يعمل وعيه , وبالاعتماد على ما يتم استدعاؤه من الذاكرة .
لا يوجد دليل مؤكد على وجود مركز محدد للوعي بالذات , والشيء المحتمل أن هذا النشاط , يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالطبيعة المتلاحمة للاتصالات , بين النظام الشبكي واللحاء , فعندما يصل هذا البناء الكلي إلى درجة كافية من التعقيد , عندئذ فقط , يمكن للوعي أن ينشأ ( أو ينبثق ) , ويكون تفسيره وفقاً لتلك الرؤيا طبيعياً تماماً . إذ يزداد مستوى الوعي بازدياد تعقيد الجهاز العصبي , وعند الكائنات الأكثر تعقيداً فقط - الإنسان و الشمبانزي والثدييات العليا - يستطيع اللحاء أن يحمل فكرتين في وقت واحد , الفكرة المعطاة , والفكرة عن تلك الفكرة . فإذا كانت المعالجة المتزامنة للمعلومات ممكنة , فالاحتمال الوارد , أن نشاطاً معيناً يرتبط بفكرة معينة , يمكن أن يولد تفكيراً بشأنه في نفس الوقت , ويكون ذلك تفسيراً فيزيقياً للوعي بالذات .
ويبدو أن ذلك يمكن أن يحدث بانتقال المعلومات بين نصفي اللحاء , فعندما نقطع الجسر بين هذين النصفين , فإن كل نصف على حدة , يستطيع معالجة المعلومات المتباينة , عن ما يعالجه الآخر . وبذلك ينقطع التأثير المتبادل , وتتوقف هذه الدورة من التأثيرات المتبادلة , وهذا يؤدي إلى ضعف واختصار الوعي ."
كيف ينظر للوعي
إن عمل الدماغ البشري هو التفكير من جهة , والإحساس والوعي من جهة أخرى . ويمكن تفسير الكثير من عمليات التفكير وإرجاعها لأسس فيزيائية , أما تفسير الوعي وإرجاعه إلى أسس فيزيائية فهو الأمر الصعب .
و يتساءل البعض هل يمكن إرجاع الوعي الذاتي إلى أسس فيزيائية ؟ وهل يمكن لعلم الأعصاب شرح وتفسير الوعي ؟ في رأي الكثير من العلماء والمفكرين الآن , نعم ممكن .
تعد الخبرة الواعية أكثر الأمور المألوفة في حياة كل منا وأكثرها غموضاً في أن معاً . فلا شيء نعرفه أكثر من الوعي معرفة مباشرة , ولكن من الصعب التوفيق بينه وبين أي شيء آخر نعرفه .
إننا نتساءل : لماذا يوجد الوعي ؟ وما وظيفته ؟ وكيف يتسنى له أن ينشأ عن عمليات عصبية في الدماغ ؟ . وتعد هذه الأسئلة من أكثر الأسئلة أهمية بالنسبة لنا .
فالوعي البشري شيء غير عادي , وفوق مستوى باقي أنواع الموجودات التي يعرفها الإنسان , فالأحاسيس والوعي الذاتي الذي يعيشه كل إنسان , يختلف عن أي شيء آخر في هذا الوجود , ولا يمكن فهمه كما تفهم باقي الأشياء .
لقد دار صراع فكري عنيف امتد لفترات طويلة بين أنصار المذهب الأحادي وأنصار المذهب الثنائي . المذهب الأحادي يرى أن الذات الإنسانية تتألف من مادة واحدة فقط . أما مذهب الثنائية فيرى أن الذات الإنسانية تتألف من المادة و اللامادة .
لقد اتخذ الصراع بين المذهبين أشكالاً متفاوتة , فبدأ محور الصراع العلمي لمناقشة حقيقة الفصل بين الجسد والروح ، ثم تحول الصراع لنقاش مركب الدماغ والعقل . وفي السنوات الأخيرة انتقلت عناوين الدراسة تحت موضوع البحث في التنقيب عن الأصول المادية للوعي .
إن المفكرين اليوم تنحوا عن استخدام مصطلح المادية لاعتباره مصطلحاً يعكس فقط العالم المحسوس بالحواس الخمس لدى الإنسان ، ليحل محله مصطلح أكثر شمولية وهو مصطلح الفيزيقية . فالفيزياء الآن بعد أن أرجعت الطاقة والقوى والمجالات إلى المادة وجعلتهم شيء واحد, صار بالامكان تفسير أية ظاهرة أو أي شيء بالعلوم الفيزيائية , بما فيها الظواهر الفكرية والنفسية والشعورية والبيولوجية والاجتماعية والاقتصادية " نظرية كل شيء".
لقد تجنب الباحثون الخوض في موضوع الوعي سنوات عديدة عند دراسة الدماغ والعقل , وبقي الوعي خارج إطار التناول , ولكن على مدى السنوات القليلة الماضية تزايد عدد علماء الأعصاب وعلماء النفس والمفكرين الرافضين لفكرة كون الوعي شأنا لا يمكن دراسته وحاولوا التنقيب عن أسراره وأسسه .
والمشكلة الصعبة الأساسية هي : كيف يمكن لسيرورات فيزيائية ( عصبية كهربائية ) تحدث في الدماغ أن تشكل الوعي ؟ الذي هو خبرة ذاتية .
هناك عدد من النظريات التي ترجع تكوين الخبرات الشعورية إلى مادة واحدة وهي البناء الفيزيقي فقط , والمسمى أيضاً بالمذهب الاختزالي على اعتبار أنه يختزل البناء الثنائي العقل والدماغ إلى بناء واحد وهو البناء الفيزيقي . وقد خرجت نظريات فلسفية تناصر التوجه الأحادي أو الاختزالي وعبر عنها بأساليب مختلفة من ذلك : نظرية التماثل , ونظرية الواقعية المتعددة , والنظرية الوظيفية. والعديد من الدراسات تؤيد في فكرة أن الدماغ والعقل مادة واحدة , وأن الإنسان ما هو إلا جانب واحد فقط هو الجانب المادي الجسدي ومكوناته الفيزيائية. فالدماغ هو نفسه العقل وأن العقل هو نفسه الدماغ , أي يمكن اختزال تركيبة الإنسان إلى شيء واحد فقط وهو البناء الفيزيقي .
فالوعي لا بد أن يكون أساسه ومنشأه فيزيائي وإن كان في الوقت الحالي غير ظاهر هذا الأساس الفيزيائي بشكل واضح ودقيق , ولا يوجد في الوقت الحاضر ظواهر أو علاقات فيزيائية واضحة ودقيقة تظهر الاتصال بين الوعي وأسسه الفيزيائية , ولكن يمكن في المستقبل القريب اكتشاف هذه العلاقات وتوضيحها .
هذا الرأي مبني على أن الوعي يحدث نتيجة عمل أجزاء معينة من الدماغ وبتوقفها عن العمل يتوقف الوعي , ولدى العلماء براهينهم وإثباتاتهم التجريبية المادية الكثيرة , إن كان من ناحية عمل فزيولوجيا وكيمياء الدماغ أو من ناحية قياس التيارات الكهربائية الدماغية(مقاييس موجات الدماغ الكهربائية) , فالوعي مرتبط بمناطق معينة في الدماغ وهي التشكيل الشبكي واللحاء بشكل أساسي وبتوقف عمل التشكيل الشبكي يطفأ أو يتوقف الوعي الذاتي , ودليلهم على ذلك أن تلف التشكيل الشبكي يوقف الوعي نهائياً , وتثبيط أو كف عمل التشكيل الشبكي يوقف الوعي طالما الكف موجود(أثناء النوم العميق أو أثناء التخدير أو غير ذلك) , وكذلك تلف اللحاء أو بعض مناطقه يؤثر على الوعي .
عزف النغمات الحسية – الوعي -
إن مفاتيح النغمات الحسية موجودة غالبيتها في مستقبلات الحواس في اللحاء , أما النغمات فتحدث أو تطن في ساحة الشعور , والتنظيم الشبكي هو المسؤول والمتحكم والمنظم لهذا العزف, وتشاركه في ذلك باقي بنيات الدماغ وبشكل خاص المهاد والنتوء اللوزي وباقي بنيات الدماغ الحوفي .
فالتنظيم الشبكي يبدأ عمله بعد الولادة- وعلى الأغلب قبل- فيقوم مع مشاركة باقي أجزاء الدماغ بتصنيف وتنظيم واردات مستقبلات الحواس, ويقوم بالتحكم بالانتباه والتركيز على المهم من هذه الواردات ويكف الباقي , ويتقرر المهم- المعنى- بناء على عمل وتقييم باقي بنيات الدماغ و وضع الجسم ككل .
ويقوم اللحاء, وتساعده بعض بنيات الدماغ بتخزين صور أو معلومات عن النغمات التي تعزف- بناء الذاكرة الواعية - ويبدأ اللحاء بعدها في المشاركة في إرسال نغمات من ما يخزن فيه إلى التنظيم الشبكي والدماغ الحوفي .
وعندما يتقدم الإنسان بالعمر تتطور قدرات التنظيم الشبكي والدماغ الحوفي على التحكم في عزف نغمات الأحاسيس الواردة أو المطلوبة – المستدعاة- من اللحاء, وذلك نتيجة الممارسة والتعلم, فالتنظيم الشبكي عندها يستطيع أن يقوم بعزف كم هائل من النغمات ودون مشاركة واردات الحواس, بالتفكير والتصور والتخيل والأحلام , وذلك بالاعتماد على مخزون اللحاء وباقي بنيات الدماغ- العقل الحوافي وغيره في حالة الأحلام - .
إن النغمات التي يمكن أن تصدر من اللحاء ذات كم هائل ولا يمكن للتنظيم الشبكي استقبال وإذاعة (في سبورة الوعي ) إلا جزءاً صغيراً جداً ومحدوداً , وهو الذي يشكل " الذاكرة العاملة " .
ويمكن وضع واردات من اللحاء أو من الحواس تكون ذات أهمية متوسطة " في الانتظار " ريثما ينتهي من معالجة الموجود في ساحة الشعور .
إذاً الذي يقوم باختيار وتنظيم وإدارة ما يضخم ويبث من أحاسيس- أي الوعي- هو التنظيم الشبكي , ويساعده المهاد والنتوء اللوزي والحصين . . . , و العقل الواعي هو ناتج عمل التنظيم الشبكي والدماغ الحوفي , وعند تلف أو توقف التنظيم الشبكي ينتهي الوعي .
ففي النوم العميق دون أحلام والغيبوبة الكاملة أثناء التخدير يكون التنظيم الشبكي مطفأً, ومتوقفاً عن البث وكذلك الوعي .
عمل التكوين الشبكي والوعي
يحتوي جزع المخ أسفل الجهاز الحوفي على التكوين الشبكي الذي يستقبل المعلومات الحسية ويعمل كمصفاة خاصة بالنسبة للسماح أو عدم السماح للمعلومات الجديدة أو غير المتسقة بالمرور , وداخل التكوين الشبكي توجد " المنطقة الزرقاء" التي تفرز " النوأدرينالين" الذي يمارس فعله على القشرة الدماغية والمهاد وتحت المهاد كما أن له مفعولاً على المخيخ والحبل الشوكي .
يرى البروفسور " ماجون " :
إن النظام الشبكي في علاقاته الصاعدة والنازلة باللحاء , يربط ارتباطاً وثيقاً , ويساهم مساهمة فعالة في معظم فئات النشاط العصبي الراقي . ولسوف تزداد بلا شك على مر السنين , المعلومات عن المخ التي تمكننا , من السيطرة على مستويات الوعي والإدراك , ولكن النتيجة الأهم ستكون النمو في إدراك ما يعنيه ذلك التحكم .
إن التكوين الشبكي في ساق المخ يمكن اعتباره المركز المشرف على بث الوعي في المخ , ويوضح لنا مثل هذا التفسير النتائج التي تحدث عندما يقطع ساق المخ في أماكن مختلفة , وقد درس هذا الأمر بعناية في حالة القطط فعندما يفصل المخ عن النخاع الشوكي يظل الحيوان محتفظاً بمظاهر اليقظة مع وجود رسم كهربائي للمخ يدل على نشاط عال كما أن حدقتي العينين تكون مفتوحتين تماماً , إلا أنه عندما يفصل اللحاء والجزء الأعلى من ساق المخ عن الجزء الأسفل والنخاع الشوكي يبدو الحيوان نائماً والحدقتان شبه مغلقتان وتصبح موجات النشاط الكهربائي للمخ بطيئة , ويبدو أن فصل الجزء الأعلى من ساق المخ واللحاء عن الجزء الأسفل قد فصلهم عن النظام الشبكي للتنشيط فأصبح هذا الأخير غير قادر على إرسال الإشارات إلى اللحاء لكي يبقى يقظاً . وبالقيام بعدة تجارب قطع فيها ساق المخ في مواقع مختلفة أمكن التوصل إلى تحديد أهم مناطق التكوين الشبكي التي تسيطر أكبر سيطرة على الوعي , ويبدو أنها تقع في منطقة القنطرة أوسط ساق المخ , وقد لوحظ أن تدمير التكوين الشبكي على مرحلتين تفصل بينهم 3 أسابيع يقلل من انخفاض مستوى الوعي .
وأن استئصال جزء من التكوين الشبكي يمكن أن يضعف الوعي قليلاً ويستعاد هذا الضعف بعد مدة , أما تدمير كامل النظام الشبكي دفعة واحدة فإنه يقضي على الوعي تماماً ويسبب الموت بعد إغماءة طويلة , وهذا يعني أن وظيفة ذلك الجزء من التكوين الشبكي الذي استؤصل قد قامت بها أجزاء أخرى من ساق المخ في فترة قصيرة نسبياً وهذا أمر متوقع بالنسبة لوظيفة هامة جداً كاليقظة والانتباه التي لها قيمة هامة في استمرار الحياة.
ويبدو أن النظام الشبكي يتحكم في مستوى إدراك الوعي بأن يعمل كصمام يتحكم في الشدة , فيزيد أو ينقص من كمية التنبيهات المندفعة في الممرات الحسية وكذلك من التوجهات الصادرة عن اللحاء إلى العضلات , وهو يستطيع ذلك بسهولة حيث أن كافة الأنظمة الحسية الرئيسية والكثير من الممرات الحسية المتجهة إلى العضلات , إما أن تمر لصيقة به أو ترسل إشاراتها إليه , ويقوم النظام الشبكي بالتحكم بهذه الإشارات , والنظام الشبكي له أكثر من مئة موقع تتمركز فيها الخلايا العصبية وهو نظام شديد التعقيد والتلاحم , من مجموعة مراكز التحكم في الشدة , وبالتالي فإن سيطرته على الوعي ليست بالبساطة الناشئة عن وجود مركز واحد لتلك العملية .
ودور المهاد في إدارة وبث الوعي هام جداً, فهو يقوم بالتعاون مع التشكيل الشبكي والدماغ الحوفي واللحاء في إنشاء الوعي وبثه .
لقد كان المهاد لدى الأحياء الدنيا هو مركز قرع الأحاسيس , وكانت غير محددة بشكل دقيق في أول الأمر , وعندما تطور الدماغ وتشكل اللحاء , وأخذ الدور الأساسي في قرع الأحاسيس , وبمجال دقة وتحديد عالي , وأوسع بكثير من المهاد , بقيت الأحاسيس العامة " والألم بشكل خاص " تابعين للمهاد , وبالتالي أصبح دور المهاد نقل وترحيل التيارات الواردة من المستقبلات الحسية , عن طريق التشكيل الشبكي , إلى اللحاء والمراكز الأخرى , وهذا أعطاه الدور الأساسي في إدارة قرع الأحاسيس في اللحاء . فهو يساهم بشكل كبير في تشكيل الوعي لدينا , فيتحكم بإدارة قرع الأحاسيس في اللحاء , ويقوم بذلك بالتنسيق مع الدماغ الحوفي الذي يقيم أهمية الأوضاع , ومع التشكيل الشبكي , الذي ينظم ويدير واردات الحواس والاستجابات ويقوم بالبث . وإذا أردنا تحديد البنية الأكثر تأثيراً في إنشاء الوعي وبثه , فستكون المهاد , فهو ينسق و يكامل ويدير ألحان الوعي التي تعزف.
ويبدو أن هناك على الأقل مركزين أساسيين للاستيقاظ من النوم وحدوث الوعي , أحدهم إلى الأسفل في وسط المخ , والآخر إلى الأعلى قرب اللحاء . وهذا المركز هام للغاية , إذ يبدو أن له تأثيراً سريعاً على اللحاء , إذ يظن أن الاستيقاظ السريع من النوم , أو التغيرات السريعة في الانتباه تحدث بواسطته , وهو يحقق تلك السرعة بواسطة شبكة عظيمة الكفاءة من الاتصالات باللحاء . وعندما تستثار فإنها تؤدي إلى خلق النشاط في اللحاء , وهو نشاط ينتشر بسرعة .
إن ما يحدث بالتفصيل في الخلايا العصبية داخل النظام الشبكي أثناء حدوث مثل تلك النشاطات , يكتشف ببطء شديد , وكذلك بصعوبة . فالمتوقع أن النشاط سيكون شديد التنوع في مثل ذلك النظام المعقد .
ولقد بينت الدراسات التي قام بها البروفسور هاتن لوكر أن الخلايا العصبية في مركز الوعي في المخ الأوسط , يكون نشاطها " خلال نوم الأحلام ضعف النشاط "الذي تقوم به خلال اليقظة , بينما يكون نشاطها متوسط في النوم العميق الخالي من الأحلام , ومما يزيد الصورة تعقيداً , هو أنه يبدو أن ذلك النظام يؤثر على اللحاء بطريقة كيميائية أيضاً , وكذلك يتأثر بالمواد الكيميائية.
فالوعي الذاتي يحدث في بنيات الدماغ , وهو يعتمد في منشئه على خصائصها, فهو الشعور والإحساس الذي يتكون نتيجة واردات المستقبلات الحسية , التي استقبلت وعولجت في بنيات الدماغ .
فهو ينبثق بالتدرج بعد الولادة وأثناء الحياة , ولكن بعد أن تمر بضعة سنين يصبح الوعي الذاتي يعتمد بشكل أساسي على ما تم تعلمه وتخزينه في اللحاء والبنيات الدماغية الأخرى , وتنخفض نسبة تأثيرات ودور المتقبلات الحسية , ويصبح بالامكان , الوعي والتفكير بالاعتماد على مخزون الدماغ فقط , ودون الاعتماد نهائياً على واردات المستقبلات الحسية . وهذا ما يحدث أيضاً أثناء الأحلام إن كانت أثناء النوم , أو أثناء الصحو(أحلام اليقظة) . فالقدرة على الوعي والمعالجات الفكرية والتصورات. . . تصبح ممكنة دون الاعتماد على الواقع الخارجي وتأثيراته.
وهذا ما جعل الوعي والتفكير ذو خصائص غير مادية , لأنه يصبح في هذه الحالة غير مرتبط بالواقع أو المادة الخارجية , فهو ناشئ عن الدماغ الذاتي (العقل الذاتي أو النفس أو الروح) فقط .
فالعقل الفردي الذاتي أصبح بإمكانه خلق عالم ووجود وكون ( حسي و فكري خاص فيه) , ودون الاعتماد إلا على نفسه , فهو يملك القدرات لعمل ذلك . وهذا شيء عجيب ورهيب ومذهل , فكثير من المفكرين اعتبروا الإنسان بمستوى الآلهة , لما يملك من وعي وإدراك وشعور وأفكار .
وأهم العوامل التي أدت لتطور الوعي البشري وجعله على هذه الصورة :
التعامل مع فكرتين أو أكثر في نفس الوقت .
التعرف على الذات في المرآة " هذا هو أنا " , فباقي الكائنات الحية لا تتعرف على نفسها في المرآة ما عدا القليل منها مثل : الشمبانزي والفيلة والدلافين .
النظر أو الرصد من فوق ( أو من الخارج ) . مثال :
أنا أحس إحساس معين وأيضاً أرصد أو أدرك إحساسي هذا , أو أنا أفكر بفكرة معينة وأيضاً أدرك أن ذاتي تفكر , وأننا نعي بأن الآخرين يدركوننا.
تمثل أحاسيس الأخر, التقمص .
الجدل الفكري الذاتي بين الدماغ الحوفي والمراكز الأمامية من اللحاء .
دور الحياة الاجتماعية الأساسي في نشوء وتطور الشعور بالأنا الفردية , ومعرفة الولادة للأنا والموت الحتمي لهذه الأنا .
لذلك القدرات الفكرية الهائلة بما فيها الوعي , التي نملكها تجعل كل منا خالق لعالم أو كون خاص به . وإبداع الإنسان للأساطير والملاحم والقصص والروايات والمسرحيات والأفلام دليل على ذلك .
الأنا الواعية , و الذات ( أي الشخصية )
ليست الذات أو الشخصية الأنا الواعية فقط , فذات كل منا ينتجها ما هو مخزون في الذاكرة .
أما الأنا الواعية أو ما يوجد على سبورة الوعي فهو الجزء الصغير الذي يبث في تلك اللحظة , فذات كل منا مضمرة دوماً , لأنها متوضعة بشكل بنيوي في الخلايا العصبية ومحاور ومشابك هذه الخلايا , ولا يظهر منها إلا الجزء الصغير جداً وهو الموجود على سبورة الوعي , وهو ما يبث بشكل كهرطيسي .
وهذا يشبه نظام الويندوز في الكومبيوتر, فالموجود على الشاشة يمثل ما هو موجود على سبورة الوعي , أما الباقي فهو المخزن في بنية الكومبيوتر . ونظام الويندوز سمح بوصل جيد وفعال لما هو مخزن في ذاكرة الكومبيوتر , مع ما هو موجود في ذاكرة مستخدم الكومبيوتر .
إن الوعي أو الشعور بالذات( الأنا اللحظية) هو ما يبث على سبورة الوعي , وهذا كما قلنا موجود بشكل كهرطيسي مبثوث في الدماغ . ونحن إذا استطعنا استخدام سبورة وعي أي إنسان لعرض ذات إنسان آخر, لما اختلفت تلك إلا قليل جداً , وهذا يشبه ما يبث من أي جهاز راديو أو تلفزيون أو فيديو , فالأجهزة مختلفة ولكن ما ينتج متشابه بشكل كبير.
والذي يبرهن على ذلك , انبثاق ذات كل منا عندما نصحو من النوم أو من التخدير العام , فهذا يتم تكوينه بناءً على ما يتم استدعاؤه ( أو يأتي من تلقاء نفسه ) مما هو مخزن في الدماغ , وبثه على سبورة الوعي .
" فأنا" كل منا تنعدم أو تطفأ , وتعود وتظهر آلاف المرات . ويتم هذا الظهور بناءً على ما يتم بثه على سبورة الوعي , فالموجود بنيوياً ( بنية الدماغ وما تم بناؤه أثناء الحياة) لا يتم الوعي أو الشعور به إلا إذا تم بثه وأصبح كهرطيسياً .
وتنشأ الأحاسيس الواعية , لأنها تتكرر خلال زمن قصير أو طويل ولا تكون لحظية تجري لمرة واحدة وتنتهي فوراً , وأيضاً نتيجة تكرار حدوثها , وهي تنتشر في أغلب بنيات الدماغ . و هي التي تنتج الوعي الذاتي.
فالذي ينتج الوعي الذاتي هو تكرار جريان التيارات العصبية في بنيات الدماغ , بين التشكيل الشبكي والمهاد واللحاء والدماغ الحوفي وأحياناً المخيخ , فتكرر جريان هذه التيارات هو الذي يخلق " زمن الوعي " , وبالتالي الزمن البشري الذاتي .
فإذا لم يحدث هذا التكرار, فلا يمكن أن يحدث الوعي , لأنه سوف يحدث في زمن قصير جداً ولمرة واحدة وينتهي بعدها , فتكرار وجوده خلال زمن هو الذي يسمح بحدوث الجدل الفكري الذاتي بين الأفكار(الأحاسيس الواعية) والتي تجري معاً في نفس الوقت ونشوء " زمن الوعي أو الديمومة التي تكلم عنها برغسون"