منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - رسائل المغتربين إلى ذويهم
عرض مشاركة واحدة
قديم 29-01-2018, 09:37 AM   رقم المشاركة : 104
معلومات العضو
إبراهيم محمد شلبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية إبراهيم محمد شلبي
 

 

 
إحصائية العضو







إبراهيم محمد شلبي غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى إبراهيم محمد شلبي إرسال رسالة عبر Yahoo إلى إبراهيم محمد شلبي

افتراضي رد: رسائل المغتربين إلى ذويهم


كُنتُ أتساءلُ في كلِّ مرّةٍ أكتبُ لكِ كيفَ أبدأ، ماذا سأكتبُ وماذا أقول، ينتابني ارتباكٌ كأنّي أمامَ عينيكِ وقد انعقدَ لساني، فينعقدُ قلمي وترتبطُ يداي. لربمّا كنت أُحَمِّلُ الأمرَ أكثرَ ممّا يحتمل، لم أرِدْ فلسفةً أدبيّةً، كلُّ ما أردتُهُ حينذاك سعادةً بسيطةً تغمرُكِ، إحساسًا بالسعادةِ تُشرِقُ من عينيكِ وأنتِ تقرأين.

لم أكتبْ منذُ غِبْتِ. ابتلَعْتُ حسرتي حتّى غصَّتْ حنجرتي ولم أكتبْ. تركتُ لواعجَ كبدي الحرّى تذيبُ حشايَ وصمَتُّ. كنتُ أحسبُني جلدًا أقوى على البُعد، لكنْ ظلّت الكلماتُ تعلو في داخلي حتّى بدأُتُ أفيضُ بها وتفيض بي.

هل أخبِرُك ما فعلَ بي غيابُكِ؟ كيف تركَني رهنَ الأسئلةِ تنهشُ فكري؟ هل أُريكِ القليلَ الّذي بقيَ منّي؟!

قولي لي، كيف يفعلُ غيابُكِ كلَّ هذا: تذهبينَ فتأخذينَ معَكِ الليلَ ونجومَهُ وكواكبَهُ وقمرَهُ اليتيمَ. باتَ ليلي منطفئا بدونِ صوتِكِ. صارَتْ شوارعُ المدينةِ كلُّها غريبة، تضاعَفَتْ غُربتي وبِتُّ غريبًا حتّى عن نفسي، لا أعرفُ ملامِحي، وكلُّ ما حولي صارَ يشبِهُ غيابَكِ بعدَ أنْ كانَتِ الأشياءُ تَسرِقُ مِنكِ اكتمالَ صورَتِها. حتّى هاتفي باتَ حزينا صامتا مُنطفئا لا يقوى على الرّنينِ والاهتزاز، فأيُّ جحيمٍ هذا؟؟ كيفَ يفعلُ غيابُكِ كلَّ هذا؟!!

أتحترقينَ بالأسئلةِ مثلي؟! ساعاتي انكسرَتْ، لم يعُدِ الوَقتُ يعني شيئا مُذ ذَهَبْتِ. كنتُ أضبطُ ساعاتي على توقيتِكِ الفوضويّ، أنا الدقيقُ المرتَبِكُ حدَّ المللِ تسَرَّبَتْ فوضاكِ إليّ، مَعَكَ صارَ للوقتِ النّشازِ وَقعٌ جميل؛ أضبِطُ نبضَ قلبي على ساعاتِ كَسَلِكِ الصباحيّ، أرتجفُ وأرتعشُ حدَّ الرّعبِ حينَ تغطّينَ في نومٍ ثقيل. أحفظُ مواقيتَ انطلاقِكِ وعودَتِكِ عَنْ ظهرِ ساعتي. مواعيدُكُ كلُّها مواعيدي، نومي يتقلقلُ معَ صحوِكِ ولهفتي للحديثِ معكِ. كنتُ أرى في سبعِ ساعاتٍ تَفْصِلُنا بُعدا ضوئيا أطولَ مِنَ العشرةِ آلافِ كيلومتر الّتي تباعِدُنا، وكانَ غيابُكِ لساعاتٍ قليلةٍ أو مجرّدُ تأخُّرِكِ بالرّدِ يُشعِلُ جنوني. كيفَ غِبْتِ الآنَ دَهرًا وتركتِني لكلِّ هذا الجحيم؟!

أفنيتُ زفَراتي وأفنَتْ فؤادي دونَ طائل. أُحْجِمُ عَنْ كُلِّ ما قَدْ يطالُكِ بسوءٍ ولو كانتْ مجرّدُ رسالة، لكنّي أحترُقُ بالأسئلة، أختنقُ بالعباراتِ وبالعبرات، وألفُ بركانٍ في تنهّداتي. أينَ أنتِ الآن؟ ألا أستحقُ منكِ رسالةً ولو عابرة؟ كيفَ تتبخّرُ كلُّ عُهودِكِ كأنْ لم تَكُن؟ في أيّ بحرٍ من الحيرةِ ألقَيْتِني؟ أما يكفيني خوفي عليكِ وارتجافي؟

أحشِدُ كلَّ أسبابِ كُرهي وألقي بها فوقَ لساني، أتهيّؤُ للصّراخِ أكرَهُكِ وأشهقُ نَفَسًا عميقا ثُمّ أصيحُ: بَحِبّــــــــــــــــك.

مَرّةً أخرى...
خانَني لساني.

أترَيْن؟

كُلُّ ما بي ينحازُ إليكِ، غصبًا عنّي لا بإرادتي، سلبَتْني عيناكِ الإرادَةَ منذُ أوّلِ يوم، صارَتْ تفاصيلي كُلُّها مُلكَكِ، وما عسايَ أفعل؟ أنتِ قيدُ عبوديّتي وإنّي لأعبُدُ هذا القيد.

أشتاقُكِ جدًا، حدَّ البكاءِ والارتجافِ كشجرةٍ أنهكَها البَرْد. أريدُ ذلك الصوتَ القادمَ من نصفِ العالمِ الآخر، ذلكَ الحديثَ المتشعِّبَ عن البيتِ والعمَلِ وتَبِعاتِ الحياة، تلكَ السعادةَ السهلةَ الممتنعةَ بشعوري بقُربِكِ. أعيدي لي طَعْمَ الحياةِ إنِ استَطَعتِ، دَعيني أشعر بالطريقِ وأنا ألتمسُ طريقًا توصلُني إليكِ، وامنحيني متعةَ الالتصاقِ بالنافذَةِ لتأمُّلِ الثلجِ وعينايَ سارحةٌ بكِ. كلُّ ما أحتاجُهُ أشياءَ بسيطةً تُشعِرُني أنّني حيّ، أشياءَ لا تكونُ إلاّ بِكِ، وحياةً لا تكتملُ إلا بمشاجراتِنا العنيدةِ وارتدادِنا الراعِشِ خوفًا على الآخر. أينَكِ الآن؟ كيفَ أخبرُكِ ببساطةٍ أنّني ميّتٌ حَيّ؟

غبتِ أنتِ...

ذهَبْتِ وأخَذْتِ مَعَكِ الأيامَ والشّهورَ وفصولَ السنةِ كلَّها.

أعيديها لو سمحتِ.






التوقيع

بيننا من النظرات ما يكفي لطرح السلام...
 
رد مع اقتباس