في قلبي أرى الله، وأعِدّ لي مهجعا أبديا يُرضيه، لذلك أحرص على غسلِ أقدامي بالثلجِ تجنّب النار، فلم أعدْ أحبّها ولا أحبّ كستناءها اللذيذة منذ رأيتها تأكل وطني وتحرق قلب مواطنيه. أصرخ في قلبي: يا اللــــــــــــــه!
وأجري مع الريح قبلَ ارتداد صداي.
اليومَ تمطِرُ يا أبي، هذا شتاءٌ دافئ حلّت به لعنات الصحراء، سيذوب معظم الثلج ثمّ تهبّ ريح باردة فتحيله جليدا زلقا كقلوب حكام الشرق. أمسِ رأيتُ يا أبي طفلا ينام على الطوى لأكثر مِن أسبوع، طفلٌ أظنّه في السابعة تخيّلته ابني ورحت أغرقُ في النحيب، كامرأة ثكلى كنت أنشج، كنت أعدّ عظامه وأشهقُ، طفلٌ أخفّ من لتر حليب في اليدّ، وتساءلت: كيف ينامُ من يحاصرونه؟ بأيّ خشوع يسجدون؟ أيضيء الله قلوبهم بمصابيح الفلوروسانت؟ يا إلهي كم أنت واحدٌ أحدٌ فردٌ صمدٌ وكم جعلوا منك آلهة لكل فئة إلها يوافقها. طفلٌ جائع يا أبي جعلني أكره الطعام، تمنيتُ لو كنت ريحا أسوق نفسي إليه لأخطفه من أيدي القتلة والجوع.
على طاولة العشاء جلستُ فقالَ محمّد أنا لا أحبّ صينية البطاطا فجنّ جنوني، كدت أقلب المائدة وصحت دون وعي كُلْ أيّها السافل كُلْ، كُل قَبل أنْ أقطع رأسك، هذا بيتٌ لا تنبحُ الكلابُ فيه، تأكلُ ما تُعطى وتحمدُ الله، احمدِ اللهَ أيها الكلب.
كنتُ أشعر بالخجل وأنا أزدرد اللقمة.
يا لخزيي..
يا لعاري..
كيف آكل؟!
أنا بخير يا أبي، تماما مثلك، تماما مثل أمي، أكتمُ وأحمدُ اللهَ، وأتقطّع بين شوارع الشرقِ الأوسخِ وأجمعُ أشلائي في جادات مونتريال، تملأ أنفي رائحة الندى في صباحات مرج ابن عامر وأكتمُ وأحمدُ اللهَ..
لكنّها الكتابة… تفضحُني يا أبي.