|
|
|
|||||||
| منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا.. |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||
|
وأشرقت أنوار الربع الخالي قصة قصيرة وبعد شدة وعنت سكنت الأجواء وهمد الكون من صلصلة الرجوم الناسفة، ودوي الرعود المزمجرة المنسابة من مؤخرات الطائرات وفوهات الدبابات. كانا بدورهما يدبان في خطى متثاقلة، خائري القوة كسائح غريب زاغ عن سربه فانتهى إلى مفازة نفد فيها القوت وغاضت المياه في جوفها. انقلب المكان إلى شبه لوحة ليس في رحابها سوى الموت يركن للراحة بعدما ظل يخبط كالعشواء. بدا ركام العمارات وأطلالها المنهكة عند ناصية الشارع الطويل كالكائنات الشبحية المزعجة. كان ثمة بضع نخيلات لم يبق فيها غير جذوع تفحمت.. وتناثرت هنا وهناك هياكل سيارات وانبطحت شاحنات ودبابات بعد أن قضت حرقا.. ونصب القائد الفولاذي يهوي وتتلاشى أوصاله بعد انصهار حاد. جابا الشارع في حذر إلى عمارة هناك، تداعى شقها ودخل الثاني في حالة احتضار، وآثرا أن يربضا عند قدمها خلودا لقسط من راحة ريثما يخف جسمهما المرهق من فرط سعي مجهد فرضته ديمومة جائرة. وضعا سلاحهما جانبا واندمج كل منهما في أسر عالمه الخاص.. ما خطر للسيد كارمن على بال أن يجد نفسه يوما منفصلا كرها عن الأحضان الدافئة في مونتريال، مرميا بالمظلة في طي هذه الربوع الموحشة.. آه يا ليوم الفراق ذلك!.. أمه العليلة وأخته اليافعة الوحيدة، دون غيرهما، من استأثرتا بكامل خاطره واستبد طيفهما بهواجسه وسائر جوارحه. استعاد بعض وعيه، فاستوقف زميله الذي راح يدخن في شراهة ويشكو من حين لآخر فراغ بطنه، وجعل يسائله في همس ساخر بعد أن أطلق في الهواء زفرة تحكي عن ألم دفين: ـ كيف تلفي نفسك في هذا الربع الخالي يا نطالي؟!.. افتح عينيك عن آخرهما وتملى في ما حولك.. أليست هذه هي الجنة التي بها وعدنا.. اسمع لزغاريد النساء، وأرهف السمع لدعاء الشيوخ يمجد خطوة النصر والظفر يا نطالي! انظر إلى الصبايا كيف جللت فرحة نزولنا صفائح وجوههن الوهاجة؟!.. وكيف عانقننا بباقات الفل والياسمين.. اسمع لهتافهن.. يا مرحى، يا مرحى بالفجر يبسط غلالته الشفافة.. ويا هلا بنسائم الهواء تتدفق فتملأ الرئات الجافة.. أجل يا نطالي، الكل في عيونهم توق إلى حقائبنا الممتلئة عن آخرها بالهواء العذب النقي!.. إن الحقائب المحمولة على ظهور قوافل الدواب الحديدية مقطع مغر من سامفونية الطيور الجارحة .. آه ، ما أقصى أفئدة الذوات المشحونة بالصوان والجرانيت يا زميلي!.. ضحك على الذقون في واضحة النهار! خرج نطالي عن صمته، بعد أن دعك ثمالة السيجارة بمقدمة حدائه العسكري ونطق بلهجة متراخية: ـ أشعر بألم في بطني يا كارمن.. أحسست بجوع فظيع ينهش أمعائي.. اختزلت نظرات كارمن كل معاني الخزي والرثاء، وظل على هذه الحال يتفرس في وجه وشحته البشاعة والبلادة، في جمجمة محشوة بالأماني الخادعة. لم يأبه نطالي لهذه الأشعة الحارقة المنسابة من عيني كارمن، وأنى له ذلك وهو يعرف أنه وجليسه على طرفي نقيض؟ لذلك غير من لهجته المستهينة واستطرد كمن أفاق بعد إغفاء... ـ يؤلمني أن أراك متضجرا ممعنا في الشكوى إلى منتهى الحدود يا أخي.. هلا عدت إلى صوابك وطردت عنك ذيول اليأس التي أجهزت على نفسك، حتى تبدت لك الجنة ربعا خاليا ومفازة موحشة؟ تشبث بحبل الأمل يا صاحبي.. غدا أو بعد غد يهدأ الوضع وينبلج الفجر مشعا الربع الخالي بأنواره ونسائمه الندية.. وأنت الذي جئت من أقاصي الأرض برتبة كابرال، من أدراك بأن تعود غدا برتبة أرقى فينظر إليك بإعجاب وإكبار ويردد الناس والمعارف: عاد اليونان كارمن من المعركة غانما.. فما رأيك، أو لازلت غاضبا؟ ـ فيم يجدي الغضب؟.. لو كان الغضب قادرا على أن يمنحني جناحين لما ترددت في التحليق عاليا.. وعاد نطالي إلى سالف أحلامه السرابية، من دون أن يذري بأنه موجود الآن في مكان افترع كبرياؤه، وزمن احترق ربيعه: ـ البس رداء التفاؤل واستيقن بأنك ستحلق غدا على متن الطائرة وتجوب الشوارع بالسيارة الفارهة.. البنزين تحت قدميك وجمال دجلة ونسائم الفرات طوع يمينك.. لم يزد كارمن عن قوله متذمرا: ـ يا من زاغ عن دائرة الوعي وارتمى في أحضان المجاهل المريبة.. يا مغرورا بلسان من ينظر إلى واقع الناس بعيون رمداء! ـ يا حبيبي كارمن، خفف من جنوح لسانك..احذر أن تجاهر بهذا الكلام حتى لا تتعرض لضربة شمسية تباغتك بها عيون الصقور التي لا تنام... آي، آي... ـ ما ذا أصابك، نطالي؟ ـ الجوع.. الجوع.. ـ انصرف إلى واحدة من هذه الدور المشرعة الأبواب عسى أن تعثر على ضالتك.. ـ هل يسعفني الحظ فأضع يدي على أرنب حية مذعورة عالقة بين الأنقاض؟ ـ وما حاجتك لأرنب حية مذعورة؟ وتمادى نطالي يهدر بما تمليه عليه نواياه الملوثة، مصطنعا أنات متقطعة، مادا في ذات الوقت أنامله أسفل بطنه تعبث في حركات شاذة.. ـ جوع آخر خبيث حارق، لا يرحم يا كارمن..آي.. آي.. فطن كارمن للنوايا الشريرة واكتفى بأن نبس: ـ جرب حظك، أما أنا فقد أنهكني الإرهاق في الظاهر والباطن، أرغب في أن أخلد لنوم عميق.. سألج باب هذه العمارة عسى أن أجد مضجعا آمنا ولو بين أنقاضها.. وانساب نطالي كالكلب الجائع هائما في دنيا الظلام، وسعى كارمن في تخطي الحجارة والأتربة، وتمكن من تجاوز الأنقاض، فألفى نفسه على أبواب غرفة لم يطلها النسف والتدمير. تقدم نحو الباب المشرع في خطى وئيدة حذرة كمن يمشي على سطح غرفة مهترئ.. يمد عنقه ذات اليمين وذات الشمال خيفة وتوجسا. أثاره، قبل أن يدلف، سرير راكن في الوجهة المقابلة.. اشرأب بعنقه مندهشا وتبث بصره على جسد ممدد لا يبدو منه غير الوجه يحفه شعر بني ناعم. مد قدمه اليمنى إلى الأمام معتمدا بيده على لوحة الباب المائلة، فتداعى فجأة جزء من السقف ليجد كارمن نفسه عالقا بين العمد الخشبية كفأر وقع في المصيدة. وعلى الرغم من الألم الذي يكابده ، فقد شعر في هذا الخضم بوحشة مرعبة، وطاوعته نفسه أن يصيح طلبا للغوث بيد أن لسانه المنعقد خذله.. ومن يسمعه حتى ولو أفلح في تمرير رسالته؟ ندى السامرائي دخلت في غيبوبة حادة منذ تسرب إلى أذنيها دوي النار الذي قصف البيت ووارى الأحبة تحت الثرى في غير ميعاد. وخفت نوبتها وتلاشت إغماءتها فاندمجت في نوم عميق بدأ هادئا وانتهى مزعجا من سطوة الكوابيس.. وانتابها الرعب على حين غرة فأسلمت ساقيها للريح.. كلما أدارت رأسها إلى الوراء توالت دقات قلبها.. أطبقت على رأسها بساعديها حماية له من فوهة البندقية التي أشهرها القائد الفولاذي قبل انصهاره، وسددها صوب ظهرها. ما فتئت تصارع الحياة في عدو خارق، ولكن خيبتها باتت قاسية مريرة، وأصبح حالها كمن استجار من الرمضاء بالنار.. أفاعي منتصبة تزغرد عند نقطة الوصول!.. زمت أذنيها براحتيها وصاحت ملء عقيرتها صيحة منكرة انتشلتها من رحلتها الأبدية وأمست في وضع من استفاق بعد غفلة أو أبصر بعد عمى.. واستوت على حافة السرير تنظر إليه في صمت وعيناها المنزعجتان تشعان دهشا واستغرابا.. وآتت صيحة الصبية أكلها؛ إذ فكت عقدة لسانه وخفت وطأة آلامه، وكأن هذا الوجه الصبوح قد شفى بنوره الوهاج كلوم نفسه وندوب جسمه، ومنحه بعض الأنس والدعة.. حرر يده من تحت لوحة خشبية عتيدة وجعل يلوح ناحيتها ويهتف في ما يشبه الهمس: ـ هبي يا طفلة، مدي لي يديك وأسعفيني ما استطعت إلى ذلك سبيلا.. أنا أخوك! قامت من على السرير فخطت نحوه منزعجة في صمت مريب، وتفرست في وجهه فنبست قبل أن تمد إليه يدها: ـ لا، أنت لست أخي نوفل.. نوفل قضى تحت الأنقاض.. من تكون أيها الغريب؟ ما الذي جاء بك إلى دارنا؟ ـ فكي قيودي أولا قبل أن يذوب جسمي وينطفئ مصباح حياتي.. وخلصته بعد لأي من عقاله، فنهض وشد براحتها امتنانا وهتف: ـ أنت داليا.. أجل، أختي الوحيدة.. ـ لا، أبدا لست بأختك.. أنا ندى السامرائي.. ـ أعرف، صغيرتي.. وسوف تعرفين.. هيا بنا لنغادر المكان.. وأمسك بيدها فانقادت له وشرعا في اجتياز امتحان الأنقاض، ولسان حاله يردد.. لن نتخلى عن بعضنا لن أتركك لقمة سائغة للجياع الهائمين في حمى الغير.. وسألته ندى ببراءتها المألوفة: ـ إلى أين يا هذا؟ ألا تهاب اللصوص وصعاليك الليل؟ إنهم كالفطر منتشرون في كل مكان.. ـ لا تخافي شيئا، صغيرتي.. سوف أحاربهم سرا وعلانية.. ـ كيف تكون محاربا بلا سلاح؟ ـ سلاحي مدفون في خبايا نفسي، لا تهابي شيئا.. وتذكر سلاحه الذي كان قد تركه سهوا خارج العمارة. أمسك بيد ندى وهرع في إثره لا يلوي على شيء.. يا للغرابة! وكأن البندقيتين أقبرتا تحت الثرى، أو تمكنت منهما يد الجن!.. حقا انمحى أثرهما.. تلقفتهما الأيادي الثائرة أو وطاويط الليل الهائمة.. جازا منعطفا مفضيا إلى الشارع الطويل، ولكن لأمر ما وقف مذهولا وقد أثاره منظر ذو بال.. يا لسخرية الأقدار!.. انظري، ندى، هذه جثة لرجل يدعى نطالي.. سقط كالذبابة صريع سلاحه.. قصية تادلة في 30 ـ 11 ـ 2005 محمد غالمي |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 2 | |||
|
عزيزي محمد ، في البدء شكرا لك على توضيحك لقصبة تادلة . وبخصوص هذا النص القصصي فقد تملكته الروعة من كل جانب، وفيه مشاهد عديدة : السراب ، الحقيقة ، البشاعة ، الجمال الذي يتمثل ببنية ندى الذاهبة في غيبوبتها ..قد يبدو الربع خاليا موحشا للغرباء ،لكنه مؤنسا بأنفاس أهله حتى وإن يصارعون الموت.. |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 3 | |||
|
أخي الكريم محمود، أحييك وأشد على يديك لاهتمامك بقراءة ما أكتب في هذا المنتدى الرائع. وبخصوص استفساراتك أقول إن وجه الشبه في الصورة البلاغية هو الأهم، ذلك أن حال الجنديين التائهين، والموجودين قسرا في مكان غريب عن بيئتهما يشبه حال السائح الجانح عن مجموعته؛ فوضعية هذا الأخير ونفسيته المهتزة والمضطربة هي نفس وضعية الجنديين. |
|||
|
![]() |
|
|