الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 23-10-2008, 09:18 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
ربيع عبد الرحمن
طاقم الإشراف
 
الصورة الرمزية ربيع عبد الرحمن
 

 

 
إحصائية العضو







ربيع عبد الرحمن غير متصل


افتراضي آخر الشياطين ..!!

آخر الشياطين
قصة : ربيع عقب الباب

كشهاب مجنح اندفع صوب السماء ، يبخ شظاياه فى كل اتجاه ، تلك الشظايا المتلاحقة – فى كثافة – التى كانت تذوب وتختفى بمجرد انفصالها عنه ، مثيرة شعورا ما بالتورط وربما الحزن ، وفى لمح البصر كانت عصافير تجد فى إثره ، وتلاحقه كأنها دخلت معه فى سباق .. فتعبره مزقزقة .. بعيدا إلى رحاب علوية مخلفة صاروخ " شعبان " يترنح هابطا ، ونحن نتابعه شغوفين ، وأقدامنا تهتز مضطربة ، راصدين سقوطه المنتظر على سطح دارنا العالى .
كان آخر مامع شعبان من صواريخ ، بعد إلحاحى المتكرر أشعله ، وبرمية متقنة من ساعده طوح به عاليا ، وكل انتباهى مركز حول سطحنا المزدحم بالحطب و القش ، شأن الأسطح المتاخمة ، فهوى على سطحنا ، لكن الله كان هناك فرصده ، وأحبط نار الشيطان قبل انهياره كطائر جريح ، وفوت عليه ألاعيبه ، ولم يحدث شىء إلى الآن .. منبهرا تنهدت :" أما لو كان حرق السطح .. كنت ....".
ارتبكت لا أعرف لم .. واحتوت رجفة خوف جسدى ، وناقما وجدتنى أحاصر وجه شعبان ، سرعان مانظرت بعيدا متابعا الأثر – مرة أخرى – الذى سوف يحدثه الصاروخ ، وبعدطول انتظار انفرط خوفى ، وتهالك بعيدا .. بعيدا ، وبلا روح نرتمى نابشين أظافرنا فى فجوات أحجار البازلت – حديثة العهد – والتى تركتها البلدية دون رعاية – تعانى من الفوضى و الإهمال .
متوعدا تفرست فى وجه شعبان ، وخطوت ميمما شطر الباب ، هاهى ذى عمتى على تنادى ، وقبل عبورى عتبة الدار دوى صوت قوى ، أرعد بدنى ، جفلت دائرا حول نفسى كممسوس :" يا أبا السيد .. ياحاج عبده .. حريق .. حريق ".
عبر صوته أفئدة الدور المتلاصقة ككيان واحد ، ولمسافة طويلة كان يمتد ، تتعانق أحمال الحطب والقش و انخفاض دور كامل كان يتخلل هذا البحر الوسيع ، ومع ذلك لا تحس مطلقا أن ثمة قطعا فى التحامات القش و الحطب .. حكت جدتى عن عمتى بسيمة :" كانت تنط عابرة هذه الأسطح .. رغم انخفاض بعضها هاربة بـ " مقروطة " أبيك حين يداهمنا جنود البوليس ". وفى الليالى الأشد حلكة كانت تعود بفخذين ملتهبين ؛ فالحاجة " نجية " جارتنا تتعمد وضع بلاليص الجبن لتعتق فوق سطحها الملاصق لسطح دارنا ؛ فهى امرأة شريرة ، أبدا لا تتمنى لنا الخير ، وكثيرا ما رأتها جدتى تلاحق بهائمنا ومواشينا بنظراتها الحاسدة من خلف بابها .
انتفضت الدور بناسها ، وعلت الأصوات .. والنداءات ، ودوى صراخ نساء الحى مفتتا جسدى الصغير ، فدورت مسحورا ، وأنا أبكى ، أبحث عن شعبان الذى انشقت عنه الأرض ، ولم أعثر له على أثر .. عالية توهجت ألسنة اللهب ، وهى تزغرد حمراء فى فرح ، مسودة وجه السماء ، مظللة الدور بغمامة كثيفة .. راحت تتسع رويدا .. رويدا .. بينما الرجال من كل جهة يقبلون مهرولين ، وأنا أتابعهم ، وفى حمية يهاجمون النار بعبوات المياه .. بالعصى الغليظة مثل ناف الساقية ، وعروق تشبه عروق خشب سقف حجرتنا .. على كتل القش المتوهجة يشنون حملاتهم ، وأنا أرتجف مبتعدا . والنسوة بهمة عجيبة ، وبينهن أمى ، تصنعن خطا من البراميل عبر طلمبة البلدية العمومية .. الحى يكاد يفتت دارنا ، يبركها كجمل عجوز .. أسمع للسطح دويا مرعبا ، وللسلالم المتآكلة أنينا كالبكاء .
مجددا سعيت ملاحقا شعبان ، محاولا العثور عليه .. بعيدا .. بعدما قذفت بى أجسام الكبار القوية ، وأغرقت ملابسى مياه الإطفاء تكومت بعيدا .. بحيث أرى كل مايحدث .
كان الشيطان الذى أفزع الجميع مايزال فى عنفوانه ، قويا شريرا ، يرسل لهبا قويا ، ودخانا أسود محولا صفحة مابعد العصر الطرية إلى سماء حبلى بالغيوم .
كان شعبان الوحيد فى أصحابى الذى يشترى له أبوه البمب و الحبش و الصوارخ ، يطلقها فتتصدر أصواتا وأشكالا جميلة ، وتكون لها رائحة الأحجار حين نطرق عليها ، تتناثر ذرات النار هنا وهناك – فى وهج – فنخبىء وجوهنا ، ونتداخل فى بعضنا البعض كأن عفريتا على وشك الخروج منها . كانت جدتى دائما ماتحذرنى من اللعب بالشياطين – كما كانت تطلق عليها – وترفض رفضا باتا – لا رجعة فيه – التهاون فى هذا الأمر .. المرة الوحيدة التى استطعت فيها شراء البمب ، وأدت إلى صدور أوامر جدتى – بعدم إعطائى أية قروش – كدت أفقد فيها أخى إحدى عينيه ؛ لولا ستر الله .
كانت أصوات لطمات الأيدى على مطارح الخبيز تدوى فى أسماعنا ؛ فاليوم أجعل شعبان يندم على رفضه إعطائى صاروخا ، لن أعطيه قطعة من رغيف السكر الذى يقطر سمنا فواحا ، لن أعطيه ، سوف أغزو الدار الآن لأحضر الرغيف ، الذى صنعته لى عمتى وفدية رغم برمها بى .. واحمرار وجهها مثل نار الفرن ، حين طلبت من أمى واحدا .. وأنا مندفع غازيا عليهن المكان فرحا ؛ فـ" شعبان " لقاء قطعة يتركنى أطلق صاروخا . صرخت عمتى فى وجهى ، وزجرتنى قائلة :" الفرن حامى .. بعد قليل .. امش العب الآن ".ووجهها يفرز عرقا غزيرا ، وثمة دموع تتساقط من عينيها . خبت تلك الفرحة ، وباكيا درت على عقبى ، محتضنا جدار دارنا ، أشعر بخيبة أمل منداة كبكاء يمامة ، وبين لحظة وأخرى أطل متابعا شعبان ..وأنا مثقل بالإهانة أتوارى . حين ابتلعت حزنى تقدمت متضائلا ، وبعد قليل كنت أحاول إثناءه عن إشعال آخر صواريخه . ضاحكا منى كان يسخر بتلذذ . الآن أذيقه طعم البكاء كما بكيت .
مزق صراخ جدتى متاهتى ، فوثبت واقفا ، وتحركت متابعا مايدور . كانت النار أشد ضرارة .. والرجال منهوكى القوى يحاصرونها .. وأمى تهرول مبتلة الثياب و الرأس ، وقد التزقت ثيابها بجسدها النحيل .. بكيت .. فقد كانت عينا أمى حمراوين ، والدموع تتساقط منهما دون صوت ، بينما صوت جدتى المميز يجلجل – دون انقطاع – وقد علقت بملابسها قطع العجين البيضاء .. ترى أكان صاروخ شعبان ؟ لكننى تابعته فمافعل شيئا .. أم أنه الخبيز ، ونار الفرن التى كانت تزغرد فى عيدان الحطب .. وتحول وجه عمتى إلى لون النحاس الأحمر ؟ إن صاروخ شعبان صغير لا يقدر على إحداث هذا الحريق الشنيع .. إنه الفرن .. الخبيز .
فى العام الماضى كنا فى الغيط القريب من الطريق ، كنا فى العطلة الصيفية ، فجأة تغير لون السماء ، فهللت فى وجه عمى :" المغرب سوف يؤذن لها .. هيا بنا ياعمى .. آن وقت الرواح ".
تاه عمى فى صفحة السماء ، وحائرا لف حول نفسه . احتجبت السحب البيضاء ، التى كانت منذ قليل ترسم جمالا وأرانب وقططا ورجالا ، وحلت عتمة ورائحة خانقة ، ثم سمعت نواقيس تدق من بعيد ، كانت تعلو رويدا.. رويدا ، وتمرق السيارات متدافعة على الطريق ، عاليها رجال يلبسون خواذت واقية ، كان أحدهم يدق الجرس الكبير الذى كان أكبر من جرس مدرستنا .. وتوالت السيارات كثيرة – دون انقطاع – رحنا نتابع مسارها . أشار عمى :" هذه حريق فى الجابرية ". ولم أدروقتها من هذه ، غير أن السيارات ظلت فى تدفقها ، وكتلة شنعاء تعلو ذوائب الشجر ، وتكسو السماء بالغيم ، وعندما مر أحد الرجال صاح متأثرا :" بلد بكاملها احترقت ياشيخ محمد .. والبلد الثانية تشتعل .. الحمام .......". وراح متأسيا يحكى عن الأبراج المنتشرة فى البلدة تلك ، والرسائل النارية التى كان يطيرها فى سرعة وحذق من سطح إلى آخر كجسر جوى ، ثم مد هذا الجسر الزاجل إلى القرية المجاورة ، واختتم الرجل كلامه :" هذه مصيبة .. كارثة .. لا حول و لا قوة إلا بالله ".
كان اللهب يخبو ، والرجال فى سباق .. سباق بالفعل ، وكانت الحاجة نجية على سطحها الواطىء تصرخ ، وتنتفض مذعورة ، ومحاولا تخويفها ومنعها من الصراخ أطل عليها أحد الرجال الأقوياء ، وشاغلها بإلقاء بعض عيدان الحطب المحترق ، فتنعق كغراب ، وتحط على العيدان ، وبجنون كانت تحاول إعادتها إلى السطح العالى .
والحمام يشاغلنى . ماذا لو فعل أفاعيله ؟ لقد أتى على قريتين ، قدمهما لأحضان اللهب المدمرة ، ودفع حياته ثمنا باهظا على رسائله المميتة ، أبكى الأولاد ، ودفعهم إلى النوم فى العراء ، فريسة الندى و الطل ، وأسكن الناس خياما . كيف طاوعته نفسه ؟ كان صاحب البشارة وغصن الزيتون ، يتغنى ببكمته فيقول :" وحدوا ربكم .. كوكو .. كو .. كو .. وحدوا ربكم " . ولكنه دفع الحكومة إلى بناء دور جديدة ، دور جميلة ، دور أجمل من دارنا تلك .. ماذا لو أكلت النار دارنا ؟ هل تصبح لنا دار جديدة ، لا تكون قريبة فيها البهائم والدواب من حجرة نومنا .. و لا يكون الفرن والزريبة ودورة المياة فى ظلام دائم ، تسكنها العفاريت ليلا و نهارا .. ليس فى الحى إلا أبراج قليلة .. هاهى ذى بعيدة .. إنها فى الشوارع الخلفية .. لماذا لا يكون عندنا حمام ؟ لكن هذه الدور سوف تحترق .. دار أم حليمة التى تتركنى أدير لها دولاب الغزل ، ودار أبى حسن الإسكافى الطيب الذى يحكى لنا حواديته بحانوته ، ودار الحاجة نجية التى أسطو على بلاليص جبنها القديمة .
راحت عيناى تبحران عبر الدور ، باحثا عن شعبان ، أشعل النار ، ومضى ، والنار تأكل دارنا ، ستحترق العشة التى أحبها ، وكثيرا مالعبت فيها ، ولذت بها ، فتوارينى حين أهرب من أبى و أعمامى القساة . كنت أجد فيها مايفرح جدتى ، فرحا أزعق و أدبدب إذا ماوقعت عيناى على بيضة أو بيضتين ، أنطلق إلى جدتى مفعما ، أعطيها البيض الذى تقلبه فرحة بين أصابعها . لا .. لا يجب أن تحترق دارنا .. الدار الجديدة لن تكون بها عشة مثل عشتى .
من حولى التف رفاق الحارة ، ما إن أحطت بوقوفهم بكيت ، وسائلا عن شعبان حدقت فى وجوههم ، قالوا :" شعبان اختفى .. و لا ندرى أين هو .. اختفى العفريت ".
آه .. هرب بعيدا بعدما فعل فعلته ، الجبان . سددت نظرات قاسية تجاه دارهم ، وكراهية عنيفة تنتابنى ، وتدفعنى إلى مهاجمة المكان بالحجارة . كانت أشباح الرجال تنسحب مغادرة دارنا بينما دخان متناثر ، مازال ينبعث من هنا وهناك ، بعد قليل خبا ، ورنين قوى يقترب ، ويدوى من بعيد ، إنها نفس الأصوات التى سمعتها فى العام الماضى ، الرنات تقترب ، وتعلو ، وترتفع أصوات مرددة :" المطافىء جاءت .. المطافىء ".
اكتظ الشارع بالأولاد .. والرجال .. والنساء ، ومطيحا فى الناس كان أحد جنود حملة الإطفاء يمسك بحزام عريض ، يسرعون مبتعدين ، ثم يتحركون مقتربين . وجدتى تصرخ مولولة :" هذا موت وخراب ديار .. ياخرابى " . أبى رجال الإطفاء إلا مد خراطيمهم ، وغزو الدار . راحت أمى و نساء أعمامى يصطنعن سدا أمام الجنود ؛ فالعجين كالميت – كما سمعتهن – و لا يصح كشف عورته أمام غريب ، كما أنهم سوف يفتكون بدارنا ، ويسقطون سقفها ، ونبيت فى الشارع .. فاضت المياه ، حولت الشارع إلى بركة ، وانسحبوا بعدما سجلوا محضرا بالواقعة . كتب هذا كبيرهم فى دفتره .. ذاكرا أن سبب الحريق هو الخبيز .
صحت مرتجفا :" لا .. الولد شعبان هو الذى رمى الصاروخ مشتعلا على السطح ".
لكن الكبير اكتفى ، ولم يعرنى أدنى اهتمام ، فطفقت أعيد :" الولد شعبان .............." . انتهرنى عمى بقسوة :" اسكت .. ولا تتدخل فيما لا يعنيك ". حزنت ، وأسرعت مختبئا .
حينما احتوتنا حجرة النوم قلت لأمى :" الولد شعبان هو الذى ألقى بالصاروخ مشتعلا على السطح ".
قالت فى أسى ، ودون اهتمام :" إياك أن تقول هذا ثانية .. الحكومة قالت الخبيز .. والحكومة تعرف أكثر منا .. إياك ". ثم أردفت ، ودون اهتمام أيضا :" عمتك كانت على غير العادة هذا النهار .. جعلت الفرن كأنه الشيطان .. منها لله ".
فى الصباح رأيت دارنا ، ومافعله بها الحريق ، ورجال المطافىء . كانت مثل الأرض القريبة من البلدة ، ويطلقون عليها مستنقعات ، ومرة أخرى العفشة . حملنى على كتفه أبى نازلا بى السلم ، ورغم الحرص المتوخى إلا أن قدميه كانتا تسوخان فى الوحل ، فيتئد محجما .. ملتقطا أنفاسه المبهورة ، ثم يعاود النزول ، ونصبح فى مستنقع صحن الدار .
بحت لأبى بما كان من أمر شعبان ، وصاروخه . وبوجه ناقم حزين زعق ، ولطمنى . تألمت منسحبا إلى حيث كانت جدتى تعد أوعية اللبن حانية طيبت وجعى ، لكنها قالت مثلما قال أبى :" هيا إلى مدرستك .. هيا امش حالا ".
كمنت بجوار المدرسة ، باحثا عن بائع الصواريخ ، المطرود مثل بائعة المأكولات المكشوف ، فما كانت الناظرة لتسمح للبائعين بالوقوف أمام المدرسة ، لكنهم كانوا هنا دائما ، وعندما كشفت موقعه ، سعيت إليه مبتهجا ، وأشتريت واحدا ، وبسرعة كنت أخبئه فى مريلتى ، وأنا أتلفت هنا وهناك ، وعدوت مسرعا أسابق الريح ، ودار شعبان بسطحها العالى تستحوذ على تفكيرى .
بلهفة طوحت بالحقيبة فى صحن دارنا ، وواصلت السير ، لا بد أن يدفع شعبان ثمن ما نالنا ، ومانالنى أنا من تنكيل و سخرية ، عرجت نحو دارهم ، فإذا به مطروحا على الأرض يصرخ بفزع ، وبقع من دمه تلون ثيابه ، ورفاق الحى يكيلون له الضربات ، ويمرغون وجهه فى التراب ، أحسست بشفقة وعطف عليه ، ووجدتنى أندفع محاولا إبعاد الرفاق عنه ، فما استطعت .. احتضنته .. وأنا أزيحهم عنه .. كنت أعرف أنهم يصرعونه لأجلى ، لكننى لم أقصد ضربه . باكيا ردد :" هو كان قصدى .. والله ماكان قصدى .. والله لم أقصد ".
كانت دموعه كثيرة .. وساخنة ، بينما غصة تزاحم أنفاسى ، تحسست جيبى ، سحبت الصاروخ ، ورحت أمزقه ، أدمر عبوته البارودية ، وإحساس بالأسف يدفع الدموع فى عينى . تصالحنا .. بعدها تألق ، وراح يحكى الحكاية – وهو يزيل دموعه ودمه المتجمد بكمه – التى رآها بالأمس فى دار السينما ، وقد تعلقت عيناى بعيدا ، بالصاروخ الصاعد كشهاب مجنح نحو السماء ، يبخ شظاياه - فى كل اتجاه – والتى كانت تذوب و تختفى بمجرد انفصالها عنه ، مثيرة شعورا ما بالتورط وربما الحزن ، وفى لمح البصر كانت عصافير تجد فى إثره .. وتلاحقه كأنها دخلت فى سباق معه .






 
رد مع اقتباس
قديم 23-10-2008, 09:29 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
بوفاتح سبقاق
أقلامي
 
الصورة الرمزية بوفاتح سبقاق
 

 

 
إحصائية العضو







بوفاتح سبقاق غير متصل


افتراضي رد: آخر الشياطين ..!!

الفاضل ربيع
دوما أخي تسافر بنا الى رحاب الإبداع
تحياتي







 
رد مع اقتباس
قديم 24-10-2008, 11:20 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
دريسي مولاي عبد الرحمان
أقلامي
 
الصورة الرمزية دريسي مولاي عبد الرحمان
 

 

 
إحصائية العضو







دريسي مولاي عبد الرحمان غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى دريسي مولاي عبد الرحمان إرسال رسالة عبر Yahoo إلى دريسي مولاي عبد الرحمان

افتراضي رد: آخر الشياطين ..!!

الجميل ربيع...المتالق دوما..
استمتعت هنا استاذي الفاضل بهذه القصة الشيطانة...واعتذر على هذا الوصف لان لي مبرراتي..واتمنى ان تكون مناسبة...
لان لغتها تختلف عن القصص الاخرى..ربما كتبت في سياق معين..عائدا بها الى عهد الطفولة..اكتشفت فيها اسرة ربيع التي ربت بين احضانها شيطانا مبدعا..شيطانا اقرب الى شغاف القلب..بنبرته الرهيفة الحانية..الحزينة والمتالقة..تضاربات لكمياء حياتية خلقت الفرادة والتميز..
ثانيا وهذا مجرد حدس ان هذه القصة نالت جائزة...
ثالثا لان ومضات من احداث تمازجت لتخلق بؤرة حدث رئيسي هو الحريق..وربيع الصغير يشاكس ببطولة برئية ليبرر ما وقع...لكن نيرانا اضطرمت في دواخله لتصبح في النهاية عناقا رفاقيا جميلا...
قصتك استاذي ذكرتني برواية محمد ديب =الحريق=...استمتعت بها كثيرا..وها انا اكتشف انك تملك مشروعا ابداعيا..ارى فيه التزاما مرده الى خبرة قرائية فظيع..رصانة ادبية..وتالق ابداعي..ورزانة انسان بسيط...
انطلقت مع الصاروخ وهو يبخ ويبش..واسقطني باحتراق في اخر السطور لقصتك...
حبي وتقديري...







 
رد مع اقتباس
قديم 28-10-2008, 10:04 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
أكرم حسن
أقلامي
 
إحصائية العضو







أكرم حسن غير متصل


إرسال رسالة عبر Yahoo إلى أكرم حسن

افتراضي رد: آخر الشياطين ..!!

أستاذي
أسعد الله مساءك.. اشتقت لك.
عندما لم أجد الإشارة الدالة على وجود مشاركة على هذا العمل استغربت الأمر.. لأنني متأكد أنني أول من عبر هنا ونصب خيمته في تلك القرية الجميلة.. وركضت مع الصبيان ورافقت الحريق من البداية..وشممت رائحة الخبيز ورافقت الحمام الذي أرسل تلك الرسائل النارية.. وحزنت على الدار التي ترنحت تحت وطأة الحريق .. ذاك الحريق الذي أشعله.. الخبيز كما أصر الكبار!! والصاروخ كما يصر الراوي.. الذي بادر للبحث عن مشعل النار لينتقم منه.. لكن قلبه الكبير ورحمته جعلته يفعل العكس ويبادر لإنقاذه من ضاربيه..الصبية..
لذا تعجبت!! وأرجعت الأمر إلى خطأ ما حصل .. مني أو من الموقع .. لا أدري..
تعود من جديد لتأخذني إلى ذاك الريف الذي ازددت حباً وعشقاً له.. لأنه أنبت لنا أديب من طرازك..
رائعة أخرى تصاف إلى روائعك ربيع.. فهنيئاً لك .. ولنا بك
دمت بألف خير صديقي







 
رد مع اقتباس
قديم 28-10-2008, 11:39 PM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
محمد عبد الحكيم كليب
أقلامي
 
إحصائية العضو







محمد عبد الحكيم كليب غير متصل


افتراضي رد: آخر الشياطين ..!!

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ربيع عبد الرحمن مشاهدة المشاركة
آخر الشياطين
قصة : ربيع عقب الباب

كشهاب مجنح اندفع صوب السماء ، يبخ شظاياه فى كل اتجاه ، تلك الشظايا المتلاحقة – فى كثافة – التى كانت تذوب وتختفى بمجرد انفصالها عنه ، مثيرة شعورا ما بالتورط وربما الحزن ، وفى لمح البصر كانت عصافير تجد فى إثره ، وتلاحقه كأنها دخلت معه فى سباق .. فتعبره مزقزقة .. بعيدا إلى رحاب علوية مخلفة صاروخ " شعبان " يترنح هابطا ، ونحن نتابعه شغوفين ، وأقدامنا تهتز مضطربة ، راصدين سقوطه المنتظر على سطح دارنا العالى .
كان آخر مامع شعبان من صواريخ ، بعد إلحاحى المتكرر أشعله ، وبرمية متقنة من ساعده طوح به عاليا ، وكل انتباهى مركز حول سطحنا المزدحم بالحطب و القش ، شأن الأسطح المتاخمة ، فهوى على سطحنا ، لكن الله كان هناك فرصده ، وأحبط نار الشيطان قبل انهياره كطائر جريح ، وفوت عليه ألاعيبه ، ولم يحدث شىء إلى الآن .. منبهرا تنهدت :" أما لو كان حرق السطح .. كنت ....".
ارتبكت لا أعرف لم .. واحتوت رجفة خوف جسدى ، وناقما وجدتنى أحاصر وجه شعبان ، سرعان مانظرت بعيدا متابعا الأثر – مرة أخرى – الذى سوف يحدثه الصاروخ ، وبعدطول انتظار انفرط خوفى ، وتهالك بعيدا .. بعيدا ، وبلا روح نرتمى نابشين أظافرنا فى فجوات أحجار البازلت – حديثة العهد – والتى تركتها البلدية دون رعاية – تعانى من الفوضى و الإهمال .
متوعدا تفرست فى وجه شعبان ، وخطوت ميمما شطر الباب ، هاهى ذى عمتى على تنادى ، وقبل عبورى عتبة الدار دوى صوت قوى ، أرعد بدنى ، جفلت دائرا حول نفسى كممسوس :" يا أبا السيد .. ياحاج عبده .. حريق .. حريق ".
عبر صوته أفئدة الدور المتلاصقة ككيان واحد ، ولمسافة طويلة كان يمتد ، تتعانق أحمال الحطب والقش و انخفاض دور كامل كان يتخلل هذا البحر الوسيع ، ومع ذلك لا تحس مطلقا أن ثمة قطعا فى التحامات القش و الحطب .. حكت جدتى عن عمتى بسيمة :" كانت تنط عابرة هذه الأسطح .. رغم انخفاض بعضها هاربة بـ " مقروطة " أبيك حين يداهمنا جنود البوليس ". وفى الليالى الأشد حلكة كانت تعود بفخذين ملتهبين ؛ فالحاجة " نجية " جارتنا تتعمد وضع بلاليص الجبن لتعتق فوق سطحها الملاصق لسطح دارنا ؛ فهى امرأة شريرة ، أبدا لا تتمنى لنا الخير ، وكثيرا ما رأتها جدتى تلاحق بهائمنا ومواشينا بنظراتها الحاسدة من خلف بابها .
انتفضت الدور بناسها ، وعلت الأصوات .. والنداءات ، ودوى صراخ نساء الحى مفتتا جسدى الصغير ، فدورت مسحورا ، وأنا أبكى ، أبحث عن شعبان الذى انشقت عنه الأرض ، ولم أعثر له على أثر .. عالية توهجت ألسنة اللهب ، وهى تزغرد حمراء فى فرح ، مسودة وجه السماء ، مظللة الدور بغمامة كثيفة .. راحت تتسع رويدا .. رويدا .. بينما الرجال من كل جهة يقبلون مهرولين ، وأنا أتابعهم ، وفى حمية يهاجمون النار بعبوات المياه .. بالعصى الغليظة مثل ناف الساقية ، وعروق تشبه عروق خشب سقف حجرتنا .. على كتل القش المتوهجة يشنون حملاتهم ، وأنا أرتجف مبتعدا . والنسوة بهمة عجيبة ، وبينهن أمى ، تصنعن خطا من البراميل عبر طلمبة البلدية العمومية .. الحى يكاد يفتت دارنا ، يبركها كجمل عجوز .. أسمع للسطح دويا مرعبا ، وللسلالم المتآكلة أنينا كالبكاء .
مجددا سعيت ملاحقا شعبان ، محاولا العثور عليه .. بعيدا .. بعدما قذفت بى أجسام الكبار القوية ، وأغرقت ملابسى مياه الإطفاء تكومت بعيدا .. بحيث أرى كل مايحدث .
كان الشيطان الذى أفزع الجميع مايزال فى عنفوانه ، قويا شريرا ، يرسل لهبا قويا ، ودخانا أسود محولا صفحة مابعد العصر الطرية إلى سماء حبلى بالغيوم .
كان شعبان الوحيد فى أصحابى الذى يشترى له أبوه البمب و الحبش و الصوارخ ، يطلقها فتتصدر أصواتا وأشكالا جميلة ، وتكون لها رائحة الأحجار حين نطرق عليها ، تتناثر ذرات النار هنا وهناك – فى وهج – فنخبىء وجوهنا ، ونتداخل فى بعضنا البعض كأن عفريتا على وشك الخروج منها . كانت جدتى دائما ماتحذرنى من اللعب بالشياطين – كما كانت تطلق عليها – وترفض رفضا باتا – لا رجعة فيه – التهاون فى هذا الأمر .. المرة الوحيدة التى استطعت فيها شراء البمب ، وأدت إلى صدور أوامر جدتى – بعدم إعطائى أية قروش – كدت أفقد فيها أخى إحدى عينيه ؛ لولا ستر الله .
كانت أصوات لطمات الأيدى على مطارح الخبيز تدوى فى أسماعنا ؛ فاليوم أجعل شعبان يندم على رفضه إعطائى صاروخا ، لن أعطيه قطعة من رغيف السكر الذى يقطر سمنا فواحا ، لن أعطيه ، سوف أغزو الدار الآن لأحضر الرغيف ، الذى صنعته لى عمتى وفدية رغم برمها بى .. واحمرار وجهها مثل نار الفرن ، حين طلبت من أمى واحدا .. وأنا مندفع غازيا عليهن المكان فرحا ؛ فـ" شعبان " لقاء قطعة يتركنى أطلق صاروخا . صرخت عمتى فى وجهى ، وزجرتنى قائلة :" الفرن حامى .. بعد قليل .. امش العب الآن ".ووجهها يفرز عرقا غزيرا ، وثمة دموع تتساقط من عينيها . خبت تلك الفرحة ، وباكيا درت على عقبى ، محتضنا جدار دارنا ، أشعر بخيبة أمل منداة كبكاء يمامة ، وبين لحظة وأخرى أطل متابعا شعبان ..وأنا مثقل بالإهانة أتوارى . حين ابتلعت حزنى تقدمت متضائلا ، وبعد قليل كنت أحاول إثناءه عن إشعال آخر صواريخه . ضاحكا منى كان يسخر بتلذذ . الآن أذيقه طعم البكاء كما بكيت .
مزق صراخ جدتى متاهتى ، فوثبت واقفا ، وتحركت متابعا مايدور . كانت النار أشد ضرارة .. والرجال منهوكى القوى يحاصرونها .. وأمى تهرول مبتلة الثياب و الرأس ، وقد التزقت ثيابها بجسدها النحيل .. بكيت .. فقد كانت عينا أمى حمراوين ، والدموع تتساقط منهما دون صوت ، بينما صوت جدتى المميز يجلجل – دون انقطاع – وقد علقت بملابسها قطع العجين البيضاء .. ترى أكان صاروخ شعبان ؟ لكننى تابعته فمافعل شيئا .. أم أنه الخبيز ، ونار الفرن التى كانت تزغرد فى عيدان الحطب .. وتحول وجه عمتى إلى لون النحاس الأحمر ؟ إن صاروخ شعبان صغير لا يقدر على إحداث هذا الحريق الشنيع .. إنه الفرن .. الخبيز .
فى العام الماضى كنا فى الغيط القريب من الطريق ، كنا فى العطلة الصيفية ، فجأة تغير لون السماء ، فهللت فى وجه عمى :" المغرب سوف يؤذن لها .. هيا بنا ياعمى .. آن وقت الرواح ".
تاه عمى فى صفحة السماء ، وحائرا لف حول نفسه . احتجبت السحب البيضاء ، التى كانت منذ قليل ترسم جمالا وأرانب وقططا ورجالا ، وحلت عتمة ورائحة خانقة ، ثم سمعت نواقيس تدق من بعيد ، كانت تعلو رويدا.. رويدا ، وتمرق السيارات متدافعة على الطريق ، عاليها رجال يلبسون خواذت واقية ، كان أحدهم يدق الجرس الكبير الذى كان أكبر من جرس مدرستنا .. وتوالت السيارات كثيرة – دون انقطاع – رحنا نتابع مسارها . أشار عمى :" هذه حريق فى الجابرية ". ولم أدروقتها من هذه ، غير أن السيارات ظلت فى تدفقها ، وكتلة شنعاء تعلو ذوائب الشجر ، وتكسو السماء بالغيم ، وعندما مر أحد الرجال صاح متأثرا :" بلد بكاملها احترقت ياشيخ محمد .. والبلد الثانية تشتعل .. الحمام .......". وراح متأسيا يحكى عن الأبراج المنتشرة فى البلدة تلك ، والرسائل النارية التى كان يطيرها فى سرعة وحذق من سطح إلى آخر كجسر جوى ، ثم مد هذا الجسر الزاجل إلى القرية المجاورة ، واختتم الرجل كلامه :" هذه مصيبة .. كارثة .. لا حول و لا قوة إلا بالله ".
كان اللهب يخبو ، والرجال فى سباق .. سباق بالفعل ، وكانت الحاجة نجية على سطحها الواطىء تصرخ ، وتنتفض مذعورة ، ومحاولا تخويفها ومنعها من الصراخ أطل عليها أحد الرجال الأقوياء ، وشاغلها بإلقاء بعض عيدان الحطب المحترق ، فتنعق كغراب ، وتحط على العيدان ، وبجنون كانت تحاول إعادتها إلى السطح العالى .
والحمام يشاغلنى . ماذا لو فعل أفاعيله ؟ لقد أتى على قريتين ، قدمهما لأحضان اللهب المدمرة ، ودفع حياته ثمنا باهظا على رسائله المميتة ، أبكى الأولاد ، ودفعهم إلى النوم فى العراء ، فريسة الندى و الطل ، وأسكن الناس خياما . كيف طاوعته نفسه ؟ كان صاحب البشارة وغصن الزيتون ، يتغنى ببكمته فيقول :" وحدوا ربكم .. كوكو .. كو .. كو .. وحدوا ربكم " . ولكنه دفع الحكومة إلى بناء دور جديدة ، دور جميلة ، دور أجمل من دارنا تلك .. ماذا لو أكلت النار دارنا ؟ هل تصبح لنا دار جديدة ، لا تكون قريبة فيها البهائم والدواب من حجرة نومنا .. و لا يكون الفرن والزريبة ودورة المياة فى ظلام دائم ، تسكنها العفاريت ليلا و نهارا .. ليس فى الحى إلا أبراج قليلة .. هاهى ذى بعيدة .. إنها فى الشوارع الخلفية .. لماذا لا يكون عندنا حمام ؟ لكن هذه الدور سوف تحترق .. دار أم حليمة التى تتركنى أدير لها دولاب الغزل ، ودار أبى حسن الإسكافى الطيب الذى يحكى لنا حواديته بحانوته ، ودار الحاجة نجية التى أسطو على بلاليص جبنها القديمة .
راحت عيناى تبحران عبر الدور ، باحثا عن شعبان ، أشعل النار ، ومضى ، والنار تأكل دارنا ، ستحترق العشة التى أحبها ، وكثيرا مالعبت فيها ، ولذت بها ، فتوارينى حين أهرب من أبى و أعمامى القساة . كنت أجد فيها مايفرح جدتى ، فرحا أزعق و أدبدب إذا ماوقعت عيناى على بيضة أو بيضتين ، أنطلق إلى جدتى مفعما ، أعطيها البيض الذى تقلبه فرحة بين أصابعها . لا .. لا يجب أن تحترق دارنا .. الدار الجديدة لن تكون بها عشة مثل عشتى .
من حولى التف رفاق الحارة ، ما إن أحطت بوقوفهم بكيت ، وسائلا عن شعبان حدقت فى وجوههم ، قالوا :" شعبان اختفى .. و لا ندرى أين هو .. اختفى العفريت ".
آه .. هرب بعيدا بعدما فعل فعلته ، الجبان . سددت نظرات قاسية تجاه دارهم ، وكراهية عنيفة تنتابنى ، وتدفعنى إلى مهاجمة المكان بالحجارة . كانت أشباح الرجال تنسحب مغادرة دارنا بينما دخان متناثر ، مازال ينبعث من هنا وهناك ، بعد قليل خبا ، ورنين قوى يقترب ، ويدوى من بعيد ، إنها نفس الأصوات التى سمعتها فى العام الماضى ، الرنات تقترب ، وتعلو ، وترتفع أصوات مرددة :" المطافىء جاءت .. المطافىء ".
اكتظ الشارع بالأولاد .. والرجال .. والنساء ، ومطيحا فى الناس كان أحد جنود حملة الإطفاء يمسك بحزام عريض ، يسرعون مبتعدين ، ثم يتحركون مقتربين . وجدتى تصرخ مولولة :" هذا موت وخراب ديار .. ياخرابى " . أبى رجال الإطفاء إلا مد خراطيمهم ، وغزو الدار . راحت أمى و نساء أعمامى يصطنعن سدا أمام الجنود ؛ فالعجين كالميت – كما سمعتهن – و لا يصح كشف عورته أمام غريب ، كما أنهم سوف يفتكون بدارنا ، ويسقطون سقفها ، ونبيت فى الشارع .. فاضت المياه ، حولت الشارع إلى بركة ، وانسحبوا بعدما سجلوا محضرا بالواقعة . كتب هذا كبيرهم فى دفتره .. ذاكرا أن سبب الحريق هو الخبيز .
صحت مرتجفا :" لا .. الولد شعبان هو الذى رمى الصاروخ مشتعلا على السطح ".
لكن الكبير اكتفى ، ولم يعرنى أدنى اهتمام ، فطفقت أعيد :" الولد شعبان .............." . انتهرنى عمى بقسوة :" اسكت .. ولا تتدخل فيما لا يعنيك ". حزنت ، وأسرعت مختبئا .
حينما احتوتنا حجرة النوم قلت لأمى :" الولد شعبان هو الذى ألقى بالصاروخ مشتعلا على السطح ".
قالت فى أسى ، ودون اهتمام :" إياك أن تقول هذا ثانية .. الحكومة قالت الخبيز .. والحكومة تعرف أكثر منا .. إياك ". ثم أردفت ، ودون اهتمام أيضا :" عمتك كانت على غير العادة هذا النهار .. جعلت الفرن كأنه الشيطان .. منها لله ".
فى الصباح رأيت دارنا ، ومافعله بها الحريق ، ورجال المطافىء . كانت مثل الأرض القريبة من البلدة ، ويطلقون عليها مستنقعات ، ومرة أخرى العفشة . حملنى على كتفه أبى نازلا بى السلم ، ورغم الحرص المتوخى إلا أن قدميه كانتا تسوخان فى الوحل ، فيتئد محجما .. ملتقطا أنفاسه المبهورة ، ثم يعاود النزول ، ونصبح فى مستنقع صحن الدار .
بحت لأبى بما كان من أمر شعبان ، وصاروخه . وبوجه ناقم حزين زعق ، ولطمنى . تألمت منسحبا إلى حيث كانت جدتى تعد أوعية اللبن حانية طيبت وجعى ، لكنها قالت مثلما قال أبى :" هيا إلى مدرستك .. هيا امش حالا ".
كمنت بجوار المدرسة ، باحثا عن بائع الصواريخ ، المطرود مثل بائعة المأكولات المكشوف ، فما كانت الناظرة لتسمح للبائعين بالوقوف أمام المدرسة ، لكنهم كانوا هنا دائما ، وعندما كشفت موقعه ، سعيت إليه مبتهجا ، وأشتريت واحدا ، وبسرعة كنت أخبئه فى مريلتى ، وأنا أتلفت هنا وهناك ، وعدوت مسرعا أسابق الريح ، ودار شعبان بسطحها العالى تستحوذ على تفكيرى .
بلهفة طوحت بالحقيبة فى صحن دارنا ، وواصلت السير ، لا بد أن يدفع شعبان ثمن ما نالنا ، ومانالنى أنا من تنكيل و سخرية ، عرجت نحو دارهم ، فإذا به مطروحا على الأرض يصرخ بفزع ، وبقع من دمه تلون ثيابه ، ورفاق الحى يكيلون له الضربات ، ويمرغون وجهه فى التراب ، أحسست بشفقة وعطف عليه ، ووجدتنى أندفع محاولا إبعاد الرفاق عنه ، فما استطعت .. احتضنته .. وأنا أزيحهم عنه .. كنت أعرف أنهم يصرعونه لأجلى ، لكننى لم أقصد ضربه . باكيا ردد :" هو كان قصدى .. والله ماكان قصدى .. والله لم أقصد ".
كانت دموعه كثيرة .. وساخنة ، بينما غصة تزاحم أنفاسى ، تحسست جيبى ، سحبت الصاروخ ، ورحت أمزقه ، أدمر عبوته البارودية ، وإحساس بالأسف يدفع الدموع فى عينى . تصالحنا .. بعدها تألق ، وراح يحكى الحكاية – وهو يزيل دموعه ودمه المتجمد بكمه – التى رآها بالأمس فى دار السينما ، وقد تعلقت عيناى بعيدا ، بالصاروخ الصاعد كشهاب مجنح نحو السماء ، يبخ شظاياه - فى كل اتجاه – والتى كانت تذوب و تختفى بمجرد انفصالها عنه ، مثيرة شعورا ما بالتورط وربما الحزن ، وفى لمح البصر كانت عصافير تجد فى إثره .. وتلاحقه كأنها دخلت فى سباق معه .
الأستاذ ربيع
وكأنك أخي العزيز ترسم لوحة للقرية بريشة فنان قدير .
وهنا في هذه اللوحة التي تتجسد أمام مخيلتي أتذكر القرية ، وأشتم رائحة دخان الأفران حين الخبيز أو عمل الفطير المشلتت . وكم عشقت هذه الرائحة حين زيارتي للقرية ، كنت أشتم هذه الرائحة المحببة لديّ حين وصولي لزمام القرية . هذا كان في الزمن الجميل ، أما الآن فمعظم أهالينا في القرى صاروا يشترون الخبز من الأفران كما في المدن . ليت قرانا المصرية تعود لما كانت عليه في الزمن الجميل اخي ربيع . ففي قلبة غصة مما أراه من تحولات كبيرة في القرى المصرية ، مما جعلها صارت كالمدن .
في الزمن الماضي كانت القرية تمد المدينة بكل ما تحتاجه .أما اليوم فالقرية أصبحت عبئاً على المدينة . شكراً لك أخي على تلك الصورة التي شدتني وعايشتها للحظات .






 
رد مع اقتباس
قديم 29-10-2008, 11:39 PM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
ربيع عبد الرحمن
طاقم الإشراف
 
الصورة الرمزية ربيع عبد الرحمن
 

 

 
إحصائية العضو







ربيع عبد الرحمن غير متصل


افتراضي رد: آخر الشياطين ..!!

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بوفاتح سبقاق مشاهدة المشاركة
الفاضل ربيع
دوما أخي تسافر بنا الى رحاب الإبداع
تحياتي
بوفاتح الجميل .. أنت هنا .. مع أول ترسيمة حب .. وبصمة مرور .. أشكرك كثيرا .. و أشكر عملى أن أتى بك إلى حدود قريتى المعشوقة !!!
محبتك فيض صديقى .. وهى من تقرأ
دمت أخى مبدعا رائعا
ربيع عبد الرحمن






 
رد مع اقتباس
قديم 29-10-2008, 11:44 PM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
ربيع عبد الرحمن
طاقم الإشراف
 
الصورة الرمزية ربيع عبد الرحمن
 

 

 
إحصائية العضو







ربيع عبد الرحمن غير متصل


افتراضي رد: آخر الشياطين ..!!

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة دريسي مولاي عبد الرحمان مشاهدة المشاركة
الجميل ربيع...المتالق دوما..
استمتعت هنا استاذي الفاضل بهذه القصة الشيطانة...واعتذر على هذا الوصف لان لي مبرراتي..واتمنى ان تكون مناسبة...
لان لغتها تختلف عن القصص الاخرى..ربما كتبت في سياق معين..عائدا بها الى عهد الطفولة..اكتشفت فيها اسرة ربيع التي ربت بين احضانها شيطانا مبدعا..شيطانا اقرب الى شغاف القلب..بنبرته الرهيفة الحانية..الحزينة والمتالقة..تضاربات لكمياء حياتية خلقت الفرادة والتميز..
ثانيا وهذا مجرد حدس ان هذه القصة نالت جائزة...
ثالثا لان ومضات من احداث تمازجت لتخلق بؤرة حدث رئيسي هو الحريق..وربيع الصغير يشاكس ببطولة برئية ليبرر ما وقع...لكن نيرانا اضطرمت في دواخله لتصبح في النهاية عناقا رفاقيا جميلا...
قصتك استاذي ذكرتني برواية محمد ديب =الحريق=...استمتعت بها كثيرا..وها انا اكتشف انك تملك مشروعا ابداعيا..ارى فيه التزاما مرده الى خبرة قرائية فظيع..رصانة ادبية..وتالق ابداعي..ورزانة انسان بسيط...
انطلقت مع الصاروخ وهو يبخ ويبش..واسقطني باحتراق في اخر السطور لقصتك...
حبي وتقديري...
هل تصورت ما تت به هذه .. هل تتصور ؟!!!
كانت فيضا هى و مثيلاتها ( جموح - لم تعد لى رغبة فيه ) كتبت للطفل .. سردية و سيناريو .. و نشرت فى معظم مجلات الأطفال .. وهى منذ شهرين كانت قصة العدد لمجلة الكويت !!!!
ياله هذا الديب .. و ثلاثيته .. التى قرأتها مع قرأتى جسر على نهر درينا
شكرا لك صديقى .. تمنيت أن أكتبها ثانية .. لأخذ أصدقائى .. وهناك .. نكون جماعة .. أمام بائع المفرقعات .. لنتخلص منه نهائيا .. و لكن الطفل .. يظل هو هو !!!!
تحياتى
ربيع عبد الرحمن






 
رد مع اقتباس
قديم 29-10-2008, 11:49 PM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
ربيع عبد الرحمن
طاقم الإشراف
 
الصورة الرمزية ربيع عبد الرحمن
 

 

 
إحصائية العضو







ربيع عبد الرحمن غير متصل


افتراضي رد: آخر الشياطين ..!!

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أكرم حسن مشاهدة المشاركة
أستاذي
أسعد الله مساءك.. اشتقت لك.
عندما لم أجد الإشارة الدالة على وجود مشاركة على هذا العمل استغربت الأمر.. لأنني متأكد أنني أول من عبر هنا ونصب خيمته في تلك القرية الجميلة.. وركضت مع الصبيان ورافقت الحريق من البداية..وشممت رائحة الخبيز ورافقت الحمام الذي أرسل تلك الرسائل النارية.. وحزنت على الدار التي ترنحت تحت وطأة الحريق .. ذاك الحريق الذي أشعله.. الخبيز كما أصر الكبار!! والصاروخ كما يصر الراوي.. الذي بادر للبحث عن مشعل النار لينتقم منه.. لكن قلبه الكبير ورحمته جعلته يفعل العكس ويبادر لإنقاذه من ضاربيه..الصبية..
لذا تعجبت!! وأرجعت الأمر إلى خطأ ما حصل .. مني أو من الموقع .. لا أدري..
تعود من جديد لتأخذني إلى ذاك الريف الذي ازددت حباً وعشقاً له.. لأنه أنبت لنا أديب من طرازك..
رائعة أخرى تصاف إلى روائعك ربيع.. فهنيئاً لك .. ولنا بك
دمت بألف خير صديقي
كانت هذه الحكايا مدخلى نحو الكتابة للطفل .. و التى شكلت جانبا مهما فى كتاباتى الأدبية .. بداية بها .. و غيرها .. ثم وصولا إلى الروايات المسلسلة .ز و السيناريو .. نعم أعطتنى الكثير .. لذى هى أثيرة لدى .. بيننا غرام كبير .. رغم وجود بعض التفاصيل التى قد تضايق البعض .. و يتهمونها بها .. لكن لا يضير .. !!!
أحببت مداخلتك من يومها كثيرا .. وحديثك الممتع الذى يكشف عن نبالة قلما أجدها !!!
كن دائما جميلا كما أنت
ربيع عبد الرحمن






 
رد مع اقتباس
قديم 29-10-2008, 11:57 PM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
ربيع عبد الرحمن
طاقم الإشراف
 
الصورة الرمزية ربيع عبد الرحمن
 

 

 
إحصائية العضو







ربيع عبد الرحمن غير متصل


افتراضي رد: آخر الشياطين ..!!

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد عبد الحكيم كليب مشاهدة المشاركة
الأستاذ ربيع
وكأنك أخي العزيز ترسم لوحة للقرية بريشة فنان قدير .
وهنا في هذه اللوحة التي تتجسد أمام مخيلتي أتذكر القرية ، وأشتم رائحة دخان الأفران حين الخبيز أو عمل الفطير المشلتت . وكم عشقت هذه الرائحة حين زيارتي للقرية ، كنت أشتم هذه الرائحة المحببة لديّ حين وصولي لزمام القرية . هذا كان في الزمن الجميل ، أما الآن فمعظم أهالينا في القرى صاروا يشترون الخبز من الأفران كما في المدن . ليت قرانا المصرية تعود لما كانت عليه في الزمن الجميل اخي ربيع . ففي قلبة غصة مما أراه من تحولات كبيرة في القرى المصرية ، مما جعلها صارت كالمدن .
في الزمن الماضي كانت القرية تمد المدينة بكل ما تحتاجه .أما اليوم فالقرية أصبحت عبئاً على المدينة . شكراً لك أخي على تلك الصورة التي شدتني وعايشتها للحظات .
محمد كليب المبدع القادم .. نعم .. عندك كل الحق فيما ذهبت إليه .. كم يؤلمنى وجود مخبز فى القرية .. وحوله الصرخات تتعالى .. و ربما العراك و السباب .. كم هو مؤلم .. ولكن هذه أحوالنا .. وهذه بلادنا
لا أدرى .. و لكن ليس إلى الأفضل صديقى .. من نار الخبيز كانت أسراب الحمام تشعل ثلاثة قرى .. نعم .. رأيت .. و شاهدت بنفسى .. فهل وجود مخبز نصف آلى أو آلى أفضل .. ناهيك عن ضروريات ما عادت موجودة .. و لكن يظل ريفنا بخضرته و نضارته .. و روحه التى تكون فى الأعم الفطرة هى حلاوة ما تحمل !!!
شكرا لك صديقى قرأتك .. ورأيك
دائما جميل أنت محمد
ربيع عبد الرحمن






 
رد مع اقتباس
قديم 30-10-2008, 12:01 AM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
مجدي السماك
أقلامي
 
الصورة الرمزية مجدي السماك
 

 

 
إحصائية العضو







مجدي السماك غير متصل


افتراضي رد: آخر الشياطين ..!!

المبدع ربيع عبد الرحمن..تحياتي
وانا اقرأ كنت من حين لآخر اهتف دون ارادة: الله الله الله..على هذا الجمال وهذا التمكن في نقل تفاصيل القرية الى هذه الصفحة متحولة الى فيلم سينمائي رأيته بكل حركاته وشخصياته ومؤثراته الصوتية.. تبقى الطفولة براءة في نهاية المطاف..والاجمل هو انتقاء كلماتك القريبة من المشاعر..الموحية بدلالة ملتصقة بالواقع والحياة..رائع رائع رائع.
مودتي







 
رد مع اقتباس
قديم 30-10-2008, 12:27 AM   رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
ربيع عبد الرحمن
طاقم الإشراف
 
الصورة الرمزية ربيع عبد الرحمن
 

 

 
إحصائية العضو







ربيع عبد الرحمن غير متصل


افتراضي رد: آخر الشياطين ..!!

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مجدي السماك مشاهدة المشاركة
المبدع ربيع عبد الرحمن..تحياتي
وانا اقرأ كنت من حين لآخر اهتف دون ارادة: الله الله الله..على هذا الجمال وهذا التمكن في نقل تفاصيل القرية الى هذه الصفحة متحولة الى فيلم سينمائي رأيته بكل حركاته وشخصياته ومؤثراته الصوتية.. تبقى الطفولة براءة في نهاية المطاف..والاجمل هو انتقاء كلماتك القريبة من المشاعر..الموحية بدلالة ملتصقة بالواقع والحياة..رائع رائع رائع.
مودتي
قل هى تحية حب .. من مبدع إنسان .. مهموم بقضايا أمته و مصيرها .. يكتب الإنسان المكبل الرافض .. وهو معه فى خندقه .. لا يبتعد عنه .. و لا تغيب عنه بسمة الأمل .. و شوقه إلى
الخلاص .. ليلة بعد ليلة و نهارا بعد نهار .. !!!!
شكرا لك عزيزى .. أنا الليلة أحس أنى أتفجر أملا .. أطير .. أحلق .. بكم هنا فى الأقلام
محبتى أخى و صديقى






 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 03:46 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط