الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-06-2010, 07:59 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
خالد الطيبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية خالد الطيبي
 

 

 
إحصائية العضو







خالد الطيبي غير متصل


افتراضي إعادة صياغة

الأقلاميون الأكارم
كنت قد وضعت قصة بعنوان ( السارق معذور ) بأسلوب الخبر .
نزولا عند رغبة أستاذنا القدير ( خليف محفوظ ) أعدت صياغتها بأسلوب السرد القصصي .

.
.
.
.
.
.
.


بسم الله الرحمن الرحيم

سرقة بالإقناع والتراضي



أبو سامي , رجلٌ نَحت في وجهه مِعولان , معول السنين , ومعول ابنه سامي . أرهقه السعي وراء إرضاء مُدراء المدارس الاعدادية , وترقيع خُروقات ابنه الأخلاقية , وحِياكة أعذار ليكون مقبولا ومرحَّبا بِه في فصوله التعليميّة .
سامي ولدٌ ذكي جدا , رغم تنقّله الدائم بين مدراس القرى والمُدُن , إلا أنّه حافظ على تفوّقه التعليمي , وكان دائمَ التحصيل للدرجات المتقدّمة .
ذات مَساء , جَلَس أبو سامي إلى بعض أصدقائه في المقهى القريب من بيته , إذ كان يسكُن وسط سوقٍ تِجاري , ومنزله المُتواضِعِ يعلو بقالته الصغيرة , استأجرهما بعد وفاة زوجته أم سامي , وانتقاله مع ابنه الوحيد من القرية إلى المدينة . جلس وهموم الدنيا كلها تجثم فوق رأسه وكتفيه النحيلين . بدا شاحب الوجه , غائر العينين , مقطب الحاجبين , والأخاديد شقت طريقها في وجنتيه الرقيقتين , فاضحة تُخمة الدّهر الذي طالما أكل عليهما وشرب . يمُجُ سيجارته الملفوفة بالتّبغ الرخيص , وينفث الدخان في سقف المقهى المُنخفض , وكأن بينه وبين السقف ثأرٌ مُبيّت . سرح مع مشاكل ولده , وأحشاؤه تتقطّع حسرة وكمدا عليه . أمّه تركته رضيعا , فحُرم من حنانها , وحضنها الدافيء , ورعاية يديها الخبيرتين , وحِمايتها له من تسلّط أطفال الجيران الأكبر سنا واستقوائهم عليه . لقد تنقّل بين بيتي الجدّة والعمّة أثناء عمل والده , وإن لم تحضرا , فالجارة أم إسماعيل تأخذه ليلعب مع ولدها أحيانا , وأحيانا أخرى يضطر أبو سامي لإبقاءه معه في بقالته. شهق شهقة متقطعة عميقة , ثُمّ أرسلها زفرة عالية , تكاد تنطق بالآه التي حطّمت أسوار حلمه , وحصون صبره , وقلعة صموده أمام المُلمّات . مسكينٌ ولدي , ارتفع صوته الغارِقِ بالحُزن ليُسمِعُ من حَولَه , سائلا المُواساة , طالِبا النّصيحة , ثُمّ أردف , والجميعُ يُنصِتُ إليه بِاهتمام , قائلا : إنّهُ يشعُرُ بالغُربة بين زُمَلائه , الأطفال ينظُرونَ إليه وكأنّه جاء من عالمٍ آخر , هبط عليهم من كوكب غير الأرض , رُبّما اختلط عليهم الأمر , كونه ولدٌ في مثل سنهم , وعقلُه يُوازي عقل رجل , من حِدّة مكره ودهائه . حيثُ كان يستولي على ألعابهم بإرادتهم , بعيدا عن رغبتهم . لديه أساليب , أشعر أحيانا بأنّها شيطانيّة , فيها شيء من المُقامَرَة , لكنّه دائما ما يُكون الرّابح . فهو مثلا , يَأتي إلى الأولاد , حامِلا قِطعة نُقودٍ صغيرة , يُغريهم بِها , ويُعطيهم فُرصة امتلاكها من خِلال مُسابقة ما , لا أعرف من أين يخترعها , وشرطه دائما : على الخاسر أن يُعطيه لُعبة من ألعابه , هو يختارُها . عادة , الأطفال لا تُغريهم الألعاب التي بين أيديهم مهما غلا ثمنُها , ولكن الألعاب التي تُبهرهم , هي تلك الألعاب التي مع الأولاد الآخرين , مهما كانت تافهة , وليس لها أي قيمة مادية , لهذا يُقامرون على خَسارتها غير آبهين . كيف لسامي الصغير أن يُدرك هذه الطَبيعة في الأطفال , ليستغلّها بهذا الأسلوب الماكر ؟ لا , والأدهى من ذلك , أنّه يعلم بأنّ الطفل بعد خسارة لُعبته , تعملُ لديه غريزة الدفاع عن مُمتلكاته , ليَعود ويُطالب بها ثانية , فيُساومه على قطعة حلوى , أو أي شيء آخر يستفيد منه , ويستهلكه دون رجعة . أو يُبادل ألعاب الأطفال بعضها ببعض , ويُنقّلُها بين أيديهم , وفي كُلّ تنقيل أو تبديل يجني نصيبه من أشياء تنفعه .
قام رجُلٌ عن الطاولة المُجاورة , حاملا كُرسيّه وفنجان قهوته , وجلس قريبا من أبي سامي ليسمع قصّته . كان الرجل طويلا , وسمينا , يتقدّمه كرشٌ يُنبيء عن الوَجاهة والمال , ليس كباقي الكُروش . رأسُه ضخم , ووجهه كل ما فيه كبير , أنفه يُشبه قرطوس بائع البليلة أبو ماهر , عيناه جاحظتان مثل المجدوه بسبب نظاراته البصرية السميكة , أذناه انفرشتا كأذني الفيل على جانبي رأسه , ويبدو خمسينيّا من ناحية العمر , أي من جيل أبي سامي , تحدّث بصوت جهوري ثخين دافيء , وواثق : أبو سامي , ألم تنتبه إليّ ؟ نظر إليه أبو سامي باستغراب خجول , وقال , وقد احمرّ وجهه حياء : السّحنَة ليست غريبة عني , ولكن .. صمت قليلا وهُو يُقلب تقاسيم الوجه في ذاكرته , فراح يُصغّر الأنف تارة , والأذن تارة أخرى , يُرقّق الشّفاه , ويزيح التجاعيد من أسفل العينين , ويُعيد ذبذبات الصوت إلى أرشيف الأصوات الشابّة , حتى كوّن صورة زميل قديم له في الدراسة , فانفرجت أسارير وجهه , ودوت منه صرخة : أنت وِليم ؟ وِليم ابنُ العمّة روز ؟ نعم .. إنّه أنت . كادت الدمعة تنط من عين أبي سامي , فرحا وترحيبا وتهليلا بوِليم الذي لم يره مُنذ الثانويّة العامّة , إذ أنّ وليم انقطعت أخباره بعد سفره وأمّه إلى الولايات المتحدة الأمريكية عند خاله ليُكمل دراسته . فقام الرجلان , وتعانقا , ثُمّ عادا للجلوس .

يتبع مباشرة






 
رد مع اقتباس
قديم 09-06-2010, 08:04 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
خالد الطيبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية خالد الطيبي
 

 

 
إحصائية العضو







خالد الطيبي غير متصل


افتراضي رد: إعادة صياغة

.
.
أين كنت طوال هذه السنين يا رجل ؟ سأل أبو سامي صاحبه . فقال : درست في جامعة كاليفورنيا , وحصلت على شهادة البكالوريوس في آداب اللغة الانجليزية , ثُمّ تخرجت فيها بعد إتمام رسالة الماجستير في الإدارة التربويّة . اكتفيت بذلك وعمِلتُ سكرتيرا لمدير إحدى المدارس هُناك , تُوُفّيت أمّي , فبقيت بعدها ستة أعوام , جمعت بعض المال , وعُدتُ إلى هُنا , اقتنيت بيتا , وعملت كمدرس في مدرسة المطران بُطرس الثانويّة , ثُمّ تزوجت من زميلة لي . وهأنا الآن أعمل مُديرا في نفس المدرسة . وأنت , ماذا عنك ؟ رجع أبو سامي لينكفيء على ذاته , ثُمّ رفع بصره , يُقلِبه في وجوه الحاضرين , تعلو وجهه ابتسامة حارقة , فيها استنكارٌ للحال , ثمّ توجّه بسؤالٍ لصاحبه : هل تعرف جَبّور ؟ أنا مِثل جبور , كما دخلتُ هذه الدُنيا سأخرج منها . لا مال , ولا جاه , ولا سلطان . أنهيتُ دراستي الثانويّة , لأجدني مسؤولا عن أمي المريضة , وأختي الأصغر مني , ورثت عن أبي دكانا صغيرا وتعيسا , استطعت من خلاله ايصال أختي إلى بيت الزوجيّة , بقيت بعدها بضع سنوات , حتى تمكنت من ادخار مهر لأتزوج , فرحتي لم تتجاوز العامين , حتى ماتت عني زوجتي تاركة لي طفلا رضيعا , يَدخُل بعد قليل في صيفه الرابع عشر , لم أرتضي له زوجة أب , فحرمت نفسي من مُتعة الدنيا لأجله . قاطعه صديقه وليم قائلا , لا تقل شيئا , لقد استمعت إلى قصّة ابنك , وأنا أرى أنّه ولد جيّد , سآخذه عندي في المدرسة , وسأجعل منه طالبا خلوقا ومجتهدا , فهو إن كان كما قلت عنه , ذكيّا , فسيستمع إلى نُصحي , وسأكون حازما معه , وأعامله كأحد أولادي , وأكثر . باختصار , اسمح لي أن أتبناه طوال فترة الدراسة الثانويّة , وسأسلّمك إياه جاهزا للجامعة . اتفقنا ؟ اتفقنا , قال أبو سامي , وهو غير مُصدّق لما سَمعه : بهذه البساطة ؟ هل يُمكن أن تحلّ مُشكلة ولدي بكل هذه البساطة ؟ فأجابه وليم : نعم , إن ما مرّ به ولدك من اليُتم , والحِرمان من حنان الأم , وعزوة الاخوان والأعمام والأقارب , يجعله لا يثق بأحد , فيركن إلى ذكائه ليصنع لنفسه درعا دفاعيّا , ويبتكر طُرقا مُتعدّدة للانتقام من المجتمع المُحيط , لأنه يشعر بأن الناس هم السبب في آلامه . ومُراقبته لك في دُكانك جعلته يتعلم نفسيات البشر , وكيف يُمكنه التعامل معهم بطريقة ماديّة , وتجاريّة بحته , أي أنّك خلقت عنده دون أن تدري لُغة المصالح , خُذ وهات , كلّ شيء له مُقابل . فتهيّأ منذ صغره ليعتمد على نفسه , لرُبّما تجده هو من يُرتب فراشه , ويغسل ملابسة , ويُراجع دروسه دون اللجوء إلى مُراقبتك . فهزّ أبو سامي رأسه بالمُوافقة , وهو مذهول من كلام صديقه , فسأله بشغف : كيف عرفت هذا عن ولدي , وأنت لم تعش معنا , حتى أنّنا لم نلتقِ منذ ما يقرب من ثلاثين عاما ؟! فأجابه وليم : هل نسيت يا صديقي بهذه السرعة ؟ ألم أقل لك أنني تخصّصت بالتربية ؟ وأنني أعمل مديرا لمدرسة المُطران ؟ هذا من اختصاصي كمُربٍّ يا رجُل .
في بداية الفصل الدراسي الأوّل , التحق سامي بمدرسة المطران الثانويّة , مدرسة تساير الأنظمة الغربيّة الحديثة , فيها من الوسائل التعليميّة الايضاحيّة ما يفتقر إليها الكثير من نظيراتها في تلك المدينة . حتى أنّها لم تُغفل الأخصّائيين الاجتماعيين للوُقوف على المشاكل التي قد تُواجه الطلاب , سواء كانت نفسيّة , أو معوقات في التقدّم الأكاديمي من خلال التلقي السليم , والتحفيز على المُثابرة والاجتهاد . الرسوم المدرسيّة لا يستطيع الايفاء بدفعها سوى الطبقتين المتوسطة والغنيّة , لهذا تُعتبر من أرقى المدارس تنظيما وترتيبا , وفيها أكفأ المعلمين والمعلّمات , والطُلاب أبناء ذوات بحق . لكنّ الأولاد هم الأولاد , لا تنتهي مشاكلهم , ويحتاجون إلى مراقبة وضبط دائمين . أبو سامي كان مُستعدا لدفع كل دخله اليومي على تعليم ابنه .
أحسّ سامي بالمسؤوليّة , واتخذ قراره بالبُعد عن المشاكل , حتى لا يذهب عمل أبيه سُدا . كما أنّه لا يُريد إحراج المدير , صديقِ والده , أمام هيأته التدريسية , التي أوصاها بالاعتناء به , ومُتابعته في كل شؤونه , وبذل قصارى الجهود لمساعدته .
مرّ الشهرُ الأول والثاني , وحان وقت الاختبار الفصلي الأول , وسيرة سامي من أفضل السّير . معلموه شهدوا له بالأخلاق الحميدة . كما أن سلوكه الجيدة مع زُملائه , جعلتهم يُحبونه , ويتقربون إليه . استطاع خلال شهرين أن يُعطي انطباعا رائعا , وارتياحا مُذهلا عند الجميع , حتى أصبح المثل الأعلى لأقرانه من الطُلاب . كان ولدا مُرتّبا في كُل شيء , خلوقا , وهادئا . انتهت الامتحانات , ونجح سامي بتفوّق غير معهود عند زُملائه , قاربت علاماته كلّها أن تكون كاملة , لم تفصلها عن العلامات العُظمى سوى أعشار قليلة . أصبح سامي الآن , محطّ إعجاب مُعلميه , وعُنوان فخر للمدير وِليم . الكُلُّ مُتعاطِفٌ معه , ومع قصّة يُتمه المُبكّر . لتُصبِحَ مُعاداة سامي شيئا مُستحيلا , وأمرا غير مقبول على الاطلاق . هو المُصدّق دائما حتى وإن كذب , وهو المؤمّن على كُلّ شيء , حتى وإن خان . كُلّ طالب من زُملائه يُظهر محبّته له , ولو كان كارها . كُلّ واحد منهم يُحاول تدليله ولو كان غيّورا , الكلّ يُحاول إرضاءه , ولو نفاقا .

يتبع مباشرة







 
رد مع اقتباس
قديم 09-06-2010, 08:06 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
خالد الطيبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية خالد الطيبي
 

 

 
إحصائية العضو







خالد الطيبي غير متصل


افتراضي رد: إعادة صياغة

.
.
التحوّل الدرامي في الأفلام العربية القديمة , للأطباع والأمزجة في آخر القصص , ليس له علاقة بهذا التحوّل في سلوك سامي . فصورة الرجل المهزوز التي لعبها الممثل والمسرحي الراحل ( يوسف بيك وهبة ) أمام الممثلة ( ميمي شكيب ) في فلم ( البحث عن فضيحة ) , ثُمّ بقدرة قادر , ودون أي مقدمات , يتحول إلى رجل ( حمش ) يضرب زوجته ويُهددها بالطلاق إذا ما غيّرت من أسلوبها . ثُمّ يا سُبحان الله , تتغيّر ( ميمي شكيب ) رأسا على عقب , لتُصبح زوجة طائعة , تسمع كلام ( سي السيد ) , وتقبل زواج ابنتها من مُوظف بسيط , بل وتقاتل من أجله , ليس لهذا التصرف ما يؤيده على أرض الواقع .
سامي لم يتحرّر من عُقدته الأزليّة , كان ناقما على كُلّ من حوله , ليست السُمعة الطيّبة , والنجاح المدرسي أقصى طموحاته , إنّما يُريد أن يُثبت أنّه الأفضل في كُلّ شيء , وأنّه أقدر حتى من مُعلّميه ومُديرهم . إنّه يُريد امتلاك كُلّ أسباب القُوّة على الأرض , وفي السّماء إن استطاع . فجاء وقتُ العمل , ليُطلق بالون اختبار حقيقي لهذه القدرات , وإن كان ما وصل إليه حتى الآن يُعتبر نصرا عظيما في حدّ ذاته , لكنّه يطلب المزيد , فاتخذ قرارا لا رجعة فيه , ما دام الفصل الأوّل من خِطّته سار على أحسن ما يُرام , فلا بُدّ من الانتقال إلى الجزء الثاني منها .
كان لسامي زميلا اسمُهُ أحمد . وهو ولد طيّب , لكنّه عنيد , أبوه فلاحٌ من قرية مُجاورة , ولديه قطعة أرض واسعة , يزرعها بالخضروات والفواكه , ولديه أيضا أشجار مُثمرة , وهو غني جدا , استأجر لابنه أحمد غُرفة في أحد خانات المدينة , وأوصى أحد أقربائه ليتفقده بين الحين والآخر , وكان يزوره كل شهر لينظر أحواله , ويُمدّه بالمال الكافي مدة شهر قادم . هذا التصرف جعل أحمد يُصاحب أصدقاء المنفعة , يُصاحبونه لماله وليس لأنه فُلان , صديقهم الذي يُحبهم ويُحبونه . لذلك كان مُهملا في دروسه , دائم اللعب , والسهر حتى وقت متأخّرة خارج الخان . ويتوكأ أحيانا على أصدقاء السوء في حلّ واجباته البيبتية , وكل هذا بحساب . أغرى هذا الوضع زميله سامي , فبدأ يتقرّبُ منه , ويُساعده في فهم ما أغلق عليه من دروس , وراح يُراقبه عن كثب . ذات يوم , في إحدى الفُسح في ساحة المدرسة , طلب سامي من صديقه أحمد أن يُعيره دينارا , فأخرج أحمد من جيبه عشرة دنانير , وقال : ليس معي سوى عشرة دنانير , قطعة واحدة , فخطفها سامي من يده , وقال : هذا جيّد , لقد أعدتُ نُقودي . استغرب أحمد من تصرف زميله سامي , وظنّ أنّه يُمازحه , لكنّ سامي راح يبتعد عنه , وبدا جادا فيما يفعل . لحق به أحمد , وطلب منه إعادة النقود , فأبا سامي ومضى في طريقه . بدأ القلق يتسلل إلى أحمد , فعاد وطلب النقود بنبرة أعلى وأشد . سامي لم يأبه لكل هذه المُحاولات , مما حدا بأحمد إلى مُهاجمة سامي , ومُحاولة استرجاع نُقوده بالقُوّة . فاشتبك الاثنان في مُشاجرة تجاوزت اللسان إلى التلاكُم بالأيدي , والرفس بالأرجل , فاجتمع الأولاد حولهما , حتى عمّت الفوضى في الساحة . انتبه المُربي المُناوب للأمر , فركض إلى الموقع ليفك الاشتباك , ويجُرّ الاثنان إلى غُرفة المُدير . نظر المُدير إلى سامي نظرة الأب الحاني , وسأله بلُطف : ما الأمر يا بُنيّ ؟ - ما شاء الله , هل سيحكم هذا المُدير لي ويُنصفني بإرجاع حقي ؟! سأل نفسه أحمد , وهو يكاد لا يُصدّق ما تراه عيناه . ثُمّ بادر بالحديث دون استئذان : يا أستاذ , سامي خطف نقودي من يدي أمام كُل الطلاب , كلهم سيشهدون على ذلك , سامي لص وكذاب . - اخرس , صرخ المُدير بأحمد , إياك أن أسمعك تقول هذا عن زميلك مرة ثانية , نحن كلنا نعلم كم هو صادق , كما أنني لم آذن لك لتتكلم . فسكت أحمد , ليتوجه المُدير إلى سامي مرة ثانية : ها سامي , هل لديك ما تشرحه لنا ؟ طأطأ سامي رأسه , والدّموع تنهمر من عينيه , وحشرج بصوته المخنوق قائلا : نعم , أعترف أنني خطفت النقود من يد سامي أمام الجميع , ولكنّ هذه نُقودي . فسأله المُدير : كيف يا بُني ؟ وضّح أكثر . راح سامي يمسح دموعه بطرف كمه , وبعد أن عاد الهدوء إلى نفسه , قال : أنت تعلم أستاذي أن أحمد يسكن في الخان , وأنّه كسول في المدرسة , وأبوه يُدلّله كثيرا , ويُعطيه مصروفه الشهري . هزّ المدير رأسه , وأومأ له بالمُتابعة , فاستطرد سامي : طلب مني أحمد مُساعدته في دروسه , فقلت له أنني لا أستطيع فعل ذلك دون مُقابل , فعرض عليّ دينارا على كُلّ درس خصوصي , فلمّا أكملت العشرة دروس , وجئت أطالبه بالدفع , رفض , وقال بأنه لن يدفع لي فلسا واحدا , فاضطررت إلى أخذ النقود بهذه الطريقة السيئة , لكنها نقودي , ومن حقي . فاستشاط أحمد غضبا , وانفجر بالبُكاء وهو يصرخ ويقول : هذا الولد يكذب يا أستاذ , والله العظيم يكذب , أنا لم أتفق معه على أي شيء , أقسم لكم أنّه ألّف هذه القصّة من خياله . تأثّر المُدير لهذا المشهد الغريب , واحتار في أمر الاثنين , حتى أنّه أعاد إلى ذاكرته القصص التي رواها له أبو سامي عن خُبث ابنه في خداع الأولاد , وأخذ ألعابهم , أيكون سامي قد عاد إلى عادته القديمة ؟ لا لا .. أحمد أيضا ولد مُهمل , ومُدلّل . قام المُدير عن كُرسيه , وأعطى الأمر للطالبين للعودة إلى الصف , حتى يبحث الأمر مع المُربين . فجلس إلى أساتذة سامي وأحمد يستشيرهم في هذه الحكاية العجيبة . فقال أحدهم : نحن نعرف سامي جيدا , إنّه ولد مهذب ونشيط , ولم نعهده كاذبا , ويبدو من نبرة كلامه أنّه مظلوم . فقام آخر وقال : أعتقد أننا كلنا متعاطفون مع سامي , أمّا أحمد , رغم أن أبوه غنيّا , لكنه مُهمل في دروسه , ولا يُصاحب إلا أبناء الفلاحين أمثاله , إنّه من بيئة متخلّفة . فتقدّم ثالث باقتراح : لماذا لا نستدعي أصحاب أحمد , لنعلم إن كان سامي يزوره ويُعطيه دروسا خصوصيّة أم لا ؟ وافق المُدير على هذا الرأي , وبعد التحقيق وجدوا أن أصحاب أحمد يؤكدون مُساعدة سامي لأحمد في دروسه . فلمّا واجهوا أحمد بالأمر , أنكره جملة وتفصيلا , وتوعّد سامي بالضرب , واسترجاع نُقوده بالقوّة , حتى لو اضطُرّ إلى إغراء الأولاد بالمال , فسيُحرّضهم عليه ليضربوه , وقال : لن أتنازل عن فلس واحد من حقي . خاف المُدير أن تُفلت الأمور من يده , فخارج أسوار المدرسة , ليس لسامي أي حماية , وقد يُنفّذ أحمد وعيده . فحاول إرضاء الطرفين , طلب من أحمد أن يتنازل عن بعض الدنانير , فرفض , وأصرّ على أن ترجع العشرة دنانير كاملة إليه . فحاول إقناع سامي ليتنازل عن المال , لكن سامي أظهر حُزنه وضعفه , وراح يبكي بحُرقة أمام المُعلّمين , وهو يُقسم بأنّ المال ماله , وأنّه في أمس الحاجة إليه ليشتري بعض المواد الضروريّة لحصّة التطبيق العملي في العلوم . الأمر الذي لم يستطع معه المدير الضغط أكثر على سامي . ثُمّ ماذا سيقول لصديقه لو فعل ؟ بعد انتهاء الدوام , اضطر المُدير إلى مُرافقة سامي حتى البيت , خوفا عليه من أحمد وأصدقائه . وقضى الليل بطوله وهو يُفكر في حلٍ لهذه المُشكلة , ولكن دون جدوى .

يتبع مُباشرة







 
رد مع اقتباس
قديم 09-06-2010, 08:07 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
خالد الطيبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية خالد الطيبي
 

 

 
إحصائية العضو







خالد الطيبي غير متصل


افتراضي رد: إعادة صياغة

.
عند السادسة صباحا , نهض أبو سامي من فراشه , متوجها كعادته إلى غُرفة سامي : هيّا بُني , استيقظ . لكنّ سامي لم يردّ عليه . فدخل الغُرفة , ليجد فراش سامي مُرتّب , وهو غير موجود . أين ذهب هذا الولد ؟ فتوجّه إلى الحمّام , لم يجده أيضا , ثُمّ بحث في المطبخ وهو يُنادي : سامي أين أنت يا ولد ؟ ما من أحد . التفت إلى طاولة السفرة , فوجد سامي قد ترك ورقة عليها , مكتوب فيها : صباح الخير أبي , لقد خرجت باكرا اليوم , عندي حصّة نشاط قبل دوام المدرسة , أراك مساء .
أما أحمد , فكان يُخطط لينتقم من سامي , إذ طلب من صديقيه حُسام وفؤاد انتظاره أمام المدرسة ليقطعوا الطريق أمام سامي . فاستيقظ أبكر من عادته , وخرج مسرعا من الخان , ليجد سامي يقف أمامه مُباشرة , مُبتسما , وكأن شيئا لم يحدث بينهما . نظر إليه أحمد نظرة حاقدة , وقال بحدّة : ألا تُريد أن تُعيد إليّ نُقودي ؟ ردّ عليه سامي بهدوء , وبرود شديدين : بلى , ولكن بشرط . ما شرطك ؟ سأله أحمد . قال : أن تقف أمام الطلاب جميعا وتعتذر عن اتهامك لي بالسرقة . فرفض أحمد بشدّة هذا الاقتراح . فقال له سامي : طاوعني ولا تكن عنيدا . عموما دعنا نتحدّث بطريقة متحضّرة , وأنا سأعطيك نقودك في النّهاية , ولكن يجب عليك أن تساعدني أنت أيضا , حتى لا يُشاع بين الطلاب أنّني لص . فكّر أحمد قليلا , ورأى أن يُسايره . فمشى الاثنان إلى المدرسة , وهُما يتناقشان بهدوء , وسامي يلف ذراعه حول عُنق أحمد بود , حتى وصلا . دخل سامي ساحة المدرسة بأمان , وكُلّ الطلاب مستغربون من هذا الوضع , وظنوا أنهما تصالحا . استأذن سامي من أحمد بكل أدب واحترام على مسمع زملائهما ليصعد إلى غرفة المُدير , علّه يصل معه إلى حلٍّ يُرضي الطرفين . بدى سامي ودودا جدا , وبريئا جدا , ومطواعا إلى أقصى درجة . فِعلا , سامي ولد خلوق ومُهذّب , هكذا رآه زملاؤه , ومن المؤكّد أيضا , أنّهم أخذوا فكرة سيئة عن أحمد . المناخ العام للمدرسة , يسير لصالح سامي حتى الآن . فماذا يُخطط يا ترى ؟
قرع جرس المدرسة , ليصطف الطُلاب في طابور الصباح , القصير في الأمام , والطويل في الخلف , أحمد يبحث عن سامي في الطابور , لكنه لم يجده . لعب الطُلاب التمارين السُويدية , ثُمّ نشيد العلم , والراية تصعد ببُطء للأعلى . أحمد قلق , وسامي لم يظهر بعد . صافرة من البوق تُعلن بدء التحرّك , كُل طابور يتوجه إلى صفّه بانتظام . دخل أحمد الصف , ليجد سامي قد سبق الجميع , وجلس في مقعده . ركض إليه أحمد ليستعلم منه الأخبار : ها , ماذا فعلت مع المُدير ؟ التفت إليه سامي بوجه سمح وقال : لقد توصلنا إلى حلٍ مُناسب , ستعرفه في الفُسحة , اطمئن , وضعْ قدميك في ماء بارد , كل شيء سيكون على أحسن ما يُرام . ما كادت الحصّة الأولى تبدأ , حتى وقف في الباب نائبُ المُدير , يستأذن المُدرّس . - قيام . قام الطُلاب احتراما للنائب . - جلوس . جلسوا جميعا . نادى النائب على الطالب حُسام , موجود ؟ - نعم أستاذ . - تعال معي . - الطالب فؤاد موجود ؟ - نعم موجود . - تعال أنت أيضا . ثُمّ توجّه معهما إلى غرفة المُدير . وأحمد لا يعرف ماذا يحصل , فحسام وفؤاد من أعز أصدقائه . لم تمض ربع ساعة , حتى عاد الاثنان , سار كل واحد منهم إلى مقعده بعد استئذان المُدرّس , وجلسا بهدوء , دون أن يظهر عليهما أي توتر , أو إشارة غير اعتيادية . كانا مُبتسمين كالعادة .
بعدَ انتهاء الحصّة الأولى , تعوّد الطلاب على تحضير كتاب الحصّة الثانية , والكشكول مع دفتر الواجب , أو كل ما يتعلّق بالحصّة التالية , بهدوء , وبِدون همس . فمن أراد أن يتكلّم , عليه أن يطلب الاذن من العريف , وهو أحد الزملاء المعروفين بحسن السيرة والسلوك , يختاره مربي الصف , ليقف أمام الطلاب يُراقبهم خمسة دقائق , التي تفصل بين حصّة وأخرى , وكلّ من يُحدث شغبا , ما عليه إلا أن يُسجل اسمه على اللوح . تفاجأ الطُلاب بفؤاد , يتقدم نحو اللوح , مُعلنا عن نفسه العريف لهذا اليوم . ومن المعروف أن فؤاد , وصديقه حسام , مُشاغبان من الدرجة الأولى . أراد أحمد أن يتكلّم , فمنعه فؤاد فورا , وطلب منه الصمت . استغرب أحمد من تصرف صديقه , ما الذي يحدث ؟ قال في نفسه , ولكنه لاذ بالصمت وأذعن . تابع أحمد الحصص الثلاث الأولى وهو شارد الذهن , يُفكّر في الأحداث الغريبة التي مرت به منذ الصباح الباكر , لحظة خروجه من الخان , ولغاية الفُسحة الأولى , ما إن قرع الجرس مُعلنا انتهاء الحصّة الثالثة , والخروج إلى الفُسحة , حتى توجّه فورا إلى سامي , ليجد صديقيه فؤاد وحُسام يقفان فوق رأسه , ويطلبان منه عدم الحديث إلى سامي مُطلقا , واقتاداه إلى الخارج , ومِن ثَمّ أدخلاه إلى غُرفة الباحثة الاجتماعية . لم يكن هُناك أحد , وكأنّ الأمر مُدبّرٌ له . نظر أحمد في ريبة إلى صديقيه , لكنّ فؤاد بادر بالحديث قائلا : اسمع يا أحمد , نحن أصدقاء منذ فترة طويلة , أكلنا وشربنا مع بعضنا البعض , قمنا بعمل أشياء قبيحة , وذهبنا إلى أماكن مشبوهة من وراء أهلنا , تصرفنا كأولاد الشوارع , واتهمنا أبرياء بأعمالنا القذرة , مثل تنفيس دواليب السيارات , وكسر بلور المدرسة , وتحطيم زجاج سيارة الأستاذ عُمر مُربي الصف . المُدير على علم بكل هذه الأمور , كيف عرف , لا تسألني , لكنه واجهني أنا وحُسام بكُلّ هذه الأعمال , وسامحنا بشرط واحد , أن نُقنعك بالتنازل عن نصف المبلغ لسامي , وإلا .... وإلا ماذا يا فؤاد ؟ سأل أحمد . – وإلا سنتركك وحدك , ولن نعود أصدقاء بعد اليوم . عاد أحمد ليؤكد لأصحابه أن النقود كلها له , وليس من حق سامي شيء منها . فجاء حُسام , ووضع كفه على كتف أحمد , وتحدّث معه بأسلوب لطيف : اسمعني جيدا يا صديقي , وافهم , سامي ولدٌ مدعوم من الهيئتين , الادارية والتدريسية , وهو محبوب من قبل كل الطلاب , ومعروف عنه الصدق والنزاهة , نحن لا نستطيع أن نقف في وجه هؤلاء جميعا . لكنّ أحمد كان عنيدا جدا , وأصرّ على موقفه الرافض للتنازل , ولو عن فلس واحد من نقوده . فأجابه رفيقاه : أنت وشأنك , لقد نصحناك , فرفضت النصيحة . نحن قُمنا بواجبنا وزيادة , ثُمّ تركاه وذهبا في حال سبيلهما . فانطلق أحمد غاضبا يبحث عن سامي , فتقدّم إليه ليضربه , لكنه فوجيء بمجموعة كبيرة من الطُلاب يُحيطون به , ومن ضمنهم فؤاد وحُسام , وهددوه إن لمس شعرة من سامي فلا يلومَنّ إلا نفسه . فأصبح أحمد منبوذا من الجميع , لا أحد يُكلّمه , لا أحد يُشاركه طعامه , لا أحد يقترب منه , الجميع ينظر إليه باحتقار وازدراء , حتى المُدرسين , عاملوه بقسوة طوال الوقت . مضى على هذا الحال أسبوع , حتى كاد أحمد أن يُفارق المدرسة . ولكن ماذا سيقول لوالده ؟ وماذا سيفعل لو ترك المدرسة ؟ من المؤكد أن أبوه سيحرمه من المصروف , وسيُرغمه على العمل في مزرعته كعامل سخرة . فقرّر أن يتفاوض مع سامي , على الأقل , لو استرجع نصف ماله أفضل من ضياعه كله , ناهيك عن المقاطعة التي فرضها عليه زملاؤه ومدرسوه . فجاء أصدقاءَه القُدماء فؤاد وحُسام , وطلب منهم التوسط عند سامي للقبول باقتراحه . ففرح الصديقان بهذا القرار , وتوجها فورا إلى سامي , وعرضا عليه المشروع . فوافق بشرط : أن يتنازل سامي فقط عن ثلث المبلغ , وأن يأتي أحمد في اليوم التالي , ويقف أمام الطُلاب والمعلمين والمُدير , حتى المراسل والفراش , في طابور الصباح , وأن يعتذر أحمد أمام الجميع , ويُعلن أن سامي ليس لصا , وأنّ نصيبه من المبلغ سبعة دنانير .
لم يعد أمام أحمد من خيار , سوى الامتثال لمطالب سامي , فوقف أمام الجميع في اليوم التالي , واعتذر لسامي على رؤوس الأشهاد , واعترف له بثُلُثي المبلغ .
عندها , انتفش ريش سامي , وتهللت أسارير وجهه , ووقف أمام الجميع مُعلنا : أنا سامحت أخي وزميلي أحمد من كل قلبي , رغم أنه كذب على الجميع , اتهمني بالسرقة , وادعى أن النقود له طوال أسبوع , ها هو يعترف أمامكم جميعا بأنّها لي . أريد أن أحكمكم , وأحكم ضمائركم , فأنا أثق بكم , وسأنفذ قراركم مهما كان . هل يحق لأحمد أن يُطالب بالثلاثة دنانير , وقد كان يدعي كذبا طوال الفترة السابقة بأن الدنانير العشرة كلها له ؟ هل أنا مُجبر لإعطائه نُقودي ؟
.
.

؟

انتهى

تحياتي







 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 03:45 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط