لوحشة اللّيل أسرار و طلاسم وخيول الشوق تسابقني ، يمتطيها الحنين
و أنا الفارس الحالم لحمل السيف ، و أيام الصبا كانت أكبر من حراب الخشب ، و أبي كان يحب ان أنشد أشعار العرب ، كان دائما يقول : يا ولدي أصلنا ليس من فارس و لا من اليمن ، و لا خيلنا من نجد و لا من عدن ، أصلا إن كان فخرا كان إبراهيميا حنيفيا ،كان أبي يحب الألوان يصنعها ، كانت هداياه غير اللعب ، يقول : لون الحياة بياض ، و الإحمرار للشفق ، و لون الذهب للشمس ، وما أغوى الناس إلا الذهب ، كان يحب مجالستي جدالي ، واضحا يكره الخطب ، ما أضل القوم ، ما اضل العشيرة غير الخطب ، قد كان الملأ ...و غيرهم كان دمى و لعب ، يشد و ثاق لساني يحملق فيّ ، يباعد الذهن الصغير ، يغرس فكرة العفة ، يمسح على رأسي ، يتنهد ، في الصدر أجيج ، زفيرنار تستعر،
يا ولدي يقول أبي : للغة العارفين صدى ، كلامهم جنة ، يغنيك عن الناس و عن التعب ، يؤويك من الوحش و الردى ، من الهول و الغول ، ومن قذف الكلام ، ومن شهيق الغضب، قلت با أبتي : لا أغضب للقوم ، و لا على القوم ، و لا للملأ ، كلام الله في الصدر شفاء ، و ليس لي بيت في الأرض يأويني إلا ذا الإيمان بربي و بمحد سيد البشر ، مالي يا أبتي و للعرب ، إن العارفين هم إنتمائي وما إنتمائي غير لدين الله ، يعرف أبي أني فهمت ذا الكلام ولست بالولد ، يربت على كتفي ، إن الحنان يركب ها هنا، يوصيني بالقول، قل : لست ممن باع العبادة بالدرهم أو اللعب ، لست الفخور بالنسب و بالعرب ، إنما نسبي لمن هدى كل العرب ..
لوحشة الليل أسرار و طلاسم ، و أنا على مشارف الحب أذكر صوت أبي ، و أذكر ما كان من الوعظ، ومن فساد القوم ، هكذا أرتسم الحنين في النفس وجعا ، ترتطم الذكرى بالصبا و الكبر، و الأب صار كبيرا ، و الصبي صار رجل ، و لا زلت لم أحادث ابنا لم يكن بعد ، و لا زلت ابحث عن صورة إمرأة لا تكن من تغلب و لا من بلاد اليمن و لكن قريشية النسب ، ذاك ما يجعل الليل اكثر وحشة ، أسرار
و طلاسم . كتبت سنة 1999