الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

موضوع مغلق

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 24-08-2012, 01:18 AM   رقم المشاركة : 61
معلومات العضو
خليف محفوظ
أقلامي
 
الصورة الرمزية خليف محفوظ
 

 

 
إحصائية العضو







خليف محفوظ غير متصل


افتراضي رد: من روائع قصص أقلام "الكراج " -هشام النجار-

من الروائع القصصية التي نشرت مؤخرا في أقلام قصة النادل للقاص عدي بلال

وقد كتب الأستاذ هشام النجار مداخلة قيمة حول القصة .

نص المداخلة :
" لاحِظْ هنا اللعب بالأسماء ؛ فالقاص لم يعْلن من بين أبطال القصة سوى عن اسمين اثنين ، اسم البطل والشخصية الأولى " حسان " وزميله فى المطعم " عاصم " ، هى رسالة أولى ضمن عدة رسائل نستطيع من خلالها نحن اقتراح أسماء لباقى أبطال القصة بناءاً على ما رسمه القاص أمامنا ببراعة من ملامح كل شخصية على حدة ودورها وسلوكها وسيرتها وأسلوبها فى الحياة .
" حسان " كان مثالاً يَحْسُن أن نؤجله بعضَ الشئ لنتحدث عنه باسهاب فدوره مؤجل ونصيبه أيضاً من الدنيا مؤجل ، ولا ندرى متى وكيف يوفيه القدر حقه !
اننى أجد هنا رائحة نجيب محفوظ فى " أولاد حارتنا " فيما يخص فقط جزئية الايحاء بالأسماء والترميز بها عن المعانى ؛ فالاسم هنا وحده يقص حكاية البطل ؛ انه يُحسن كل شئ ويُتقنه ويتفانى فيه الى أبعد الحدود ، لكن بلا مقابل وبلا جزاء ، وبلا نتائج تُذكر على أرض الواقع ، وبدون حدث أو ضربة حظ أو صحْوة ضمير حكومية أو انتفاضة عاطفية أو انسانية تُرضى غرور الطموح ، وتلبى احتياجات انسان عالى الهمة شديد الحماس متوثب العاطفة ، نقى الروح .
انه " حسان " النابغ فى الدراسة والحاصل على الشهادة فى الهندسة بتفوق ، لكنه مجهود وعرق وتعب سنوات معلق على الجدار ، وحسان الذى أحسن وأتقن طوال دراسته أنكرته الدولة وجحدته وبعثرت جهوده وقوضت شخصيته وأعاقتْ مشاريعه ومزقتْ خرائطه وشوهت مستقبله ؛ فبدلاً من أن يُصبح مهندساً يخطط ويدير ويُنظم ويشير بيده فينفذ من تحت يده من الموظفين والعمال ، صارَ نادلاَ يُخطط له ويُشارُ له فينفذ هو !
وهذا ما يستدعى حسْرته الدائمة وسُخطه الذى لا ينتهى كلما وقعتْ عيناه على شهادة الهندسة ولم تكتمل دورة صحوه من النوم بعد ، ليستيقظ ويصحو على واقعه البائس ويفتح عينيه على وضعه المرير .
" حسان " لا يتوقف احسانه وعطاؤه رغم كل شئ ، ففى عمله الذى لا يليق بشخصه ولا مواهبه وامكانياته يتقدم وينبغ وتصبح له رؤيته الخاصة فى الادارة تقترب من حاسته الهندسية ، فكل شئ مرتب ومنظم وكل شئ فى مكانه بحسب توزيع هندسى مُحْكم .
لا تزال فى حسان تلك النظرة المثالية ورواسب ذلك الطموح والقناعة البريئة الصافية العفيفة التى لم تتلوث بعد بالنفعية والميكيافيللية ؛ سيظن أن الدنيا تدخر مقابلاً لعطائه وأنها تنتظر الفرصة السانحة لتمنحه الكثير ، وبمجرد أن لاحت وتجسد أمامه الحلم فى ابنة البرجوازى التى بادلته نظرات الاعجاب ، طارت أحلامه على مستوى احسانه ولم تهبط للمستويات الدنيا ولم " تعتصم " بالحذر من جلافة الماديين وقسوتهم وجفاف مشاعرهم .
هنا ندرك أهمية اختيار الاسم المقابل ؛ فربما لم يكن "عاصم " فى تفوق حسان ولا فى نبوغه ودقته وتفانيه فى العمل ، لكنه عصم نفسه من الوقوع فى شَرَك النفعيين والماديين ، فلا يَبذُل من مجهوده ولا من عطائه ولا من مشاعره الا بمقدار .
كان عاصم على حق تماماً عندما سبق حسان وتفوق عليه فى قراءة مشاعر الفتاة ، وهنا نكتشف عمق الاشكالية بالمقارنة بين سلوك وسيرة عاصم وحسان فى الحياة .
فأحدهما يُعطى بلا حدود وينتظر بلا حدود ، لا يدخر وسعاً ولا جهداً ولا طاقة فى انتظار الرد المثالى النموذجى والمقابل الانسانى الذى يليق بمشاعره واخلاصه ونبوغه وتفوقه واتقانه !
والآخر لا ينظر الى الأمور بهذه المثالية ، انما يرتدى ثياب الواقع ويتأقلم معه ويعايشه ويعطيه بقدر ما يأخذ منه ، ولا يُمنى نفسه بخَبَطات خيالية ووثبات تنتشله من واقع الى واقع آخر تماماً فى لمح البصر ، فمن نادل الى برجوازى ورجل أعمال ، ومن شاب بسيط يطمح فى الارتباط بفتاة على قد حاله ، الى رجل يتوهم اعجاب فتاة برجوازية بخدمته لها ولأبيها فى المطعم أنها قد انشغلت به ووقعت فى غرامه .
بعد أن تتهاوى الأحلام والرُؤى البعيدة المُحلقة فى الخيال على صخرة الواقع المادى والنفعى المرير ، يُجسد القاص المبدع هنا فى مشهد الختام مشهد عدم تأقلم حسان مع هذا الواقع ومفارقته له ببراعة ظاهرة ؛ فهو يخلع ازار النادل فى هدوء وينصرف حتى يبتلعه الظلام .
هل كنا نتوقع غير ذلك كما فى الأفلام ؟
هل كنا ننتظر أن تقع الفتاة الثرية فى غرام الفتى الفقير البسيط الوسيم مفتول العضلات الماهر المخلص المثالى ، وأن يرضى عنه أبوها ويعينه على الفور مديراً لمصانعه أو شركاته ؟
لم تكن هذه بالطبع رسالة القصة ، فلسنا أمام فيلم سينمائى ينزع الجماهير عن واقعهم ويقذف بهم حيارى فى دنيا الخيال والأوهام .
القصة تقول تخففوا من المثالية واجتهدوا فى فهم الواقع وقراءته ، لا من خلال مرايا حسان التى كان يرقب فيها نظرات الفتاة وابتساماتها وانفعالاتها ، انما من خلال معرفة عاصم ونفوذه لأعماق هؤلاء وقراءته لضمائرهم وقسوة وبرودة مشاعرهم .
القفلة ركزت على مشهد البطل وهو يفارق الواقع الذى لم يستطع التأقلم معه .
ولم تلتقط الكاميرا هنا مشهد عاصم وهو لا يزال متواصلاً مستمراً متأقلماً برداء النادل .
ربما تأففاً منه ومن واقعه الذى رضى به ويستسلم له ، فليظل نادلاً على الدوام .
وربما تكريماً لحسان الذى خرج من هذه الدنيا بقسوتها وماديتها ووضاعة وحقارة ساكنيها ... الى حيث لا ندرى .
لا ندرى بالفعل ، لكنا فى قلق عليه مع تلك الاشارة " يبتلعه الظلام " .
وربما تكريساً للأمر الواقع ؛ فمن رضى به وعايشه ظل كما هو نادلاً ، ومن تمرد فنهايته مفتوحة ، وربما كان له لقاء آخر وشأن آخر مع الفتاة ووالدها ، اذا فكرنا بالحس السينمائى ."

هشام النجار







 
قديم 24-08-2012, 01:20 AM   رقم المشاركة : 62
معلومات العضو
خليف محفوظ
أقلامي
 
الصورة الرمزية خليف محفوظ
 

 

 
إحصائية العضو







خليف محفوظ غير متصل


افتراضي رد: من روائع قصص أقلام "الكراج " -هشام النجار-

النادل



عدي بلال


( يالله يا إمي هلا بتتاخر على شغلك ، صارت الدنيا مسا ، عملتلك قهوة ، وحطيتلك اياها جنبك ، انتا ناسي يا إمي إنك نادل محترف .. مش هيك بيحكي لك المدير تبعكم ؟ قوم يا إمي الله يرضى عليك )

يستل رأسه من تحت الوسادة في كسل ٍ ، ويسترق النظر في تثاقل ٍ إلى الساعة المعلقة على حائط غرفته ،ويبتسم في سخرية ٍ حين يتعثر بصره في حسرة ٍ ببرواز ٍ لشهادة هندسة ٍ ، تشير إلى أنه أنهى دراسته بتفوق ٍقبل سنواتٍ خمس .

يجلس على طرف السرير ، ويشعل سيجارته ، ويحك رأسه في فوضوية ٍ ، ويتمتم بعباراتٍ ساخطةٍ على الدنيا بأسرها .

الساعة تقترب من السادسة ، وحافلة الموظفين تنتظره منذ دقائق ٍ عشر ، فيقبل رأس أمه ، ودعواتها تلاحقه كعادتها كل مساء ..

يغلق باب الحافلة لحظة وصوله المطعم ، ويحث الخطا إلى الداخل – كعادته - في همة ٍ وعزيمة .

بيد أن يد ( عاصم ) – زميله في العمل – تخطّفته لحظة ولوجه المطعم ، واتخذا من جانب المطعم مكاناً قصيا ً ..

( كمان شوي راح يجي واحد مهم ، ومعه بنته ، هيك حكى المدير ، وبده اياك انتا تشرف عليهم ..الله يعينك، مهو الحق عليك ، يعني سرعتك ودقتك السبب .. خد على راسك )

يتجه إلى صالة المطعم ، ويعيد فحص ترتيبها بعينيه ، ويتأكد من نظافة المرايا المنتشرة بطريقة هندسية في زوايا الصالة ، ويعاجله المدير بابتسامة الثقة في خبرته بالتعامل مع الشخصيات الهامة .


رجل ٌ تتجسد فيه البرجوازية ، وبدلته الرمادية ورأسه الخالي من الشعر إلاّ قليلاً ، يتأبط فتاة عشرينية ، زادها فستانها الأرجواني وانسدال شعرها على كتفيها جمالا ً وأناقة ً ، يستقبلهما المدير بترحاب ٍ مبالغٍ فيه على الباب ، ويرمق ( حسان ) أن تقدم إلى هنا ، ففعل .

طاولة ٌ مستديرةٌ ، وشمعة قد توسطتها ، وعازفٌ للبيانو وقف وانحنى في لباقة ٍ لهما ، وبحركة ٍ تنم عن خبرة ٍ ، سحب ( حسان ) الكرسي للعشرينية ..
- تفضلي .
ليعيد الكرة نفسها مع البرجوازي ، ويقدم لهما قائمة المطعم ، ويرجع للخلف خطوات ٍ ثلاث .

النظر إلى عينيها يحتاج إلى شجاعة محارب ٍ خاض غمار حرب ٍ دونما استعداد ، وأحلام اليقظة التي ما انفكت والدته تعاتبه عليها ، تطفو إلى عينيه ووجهها الملائكي ..

يتهامسان ، يبتسمان ، يقهقهان ، ولا يدري عن الأمر سبباً ، ويتقدم إلى الطاولة مرة ً أخرى في لباقة ٍ وإنصات .

- عصير فريش – و أشار إليها بيده في تحبب ٍ – و بيرة باردة لي ، ومشاوي .. بسرعة لو سمحت .
- حاضر
ثم إنه تناول من يده قائمة الطعام ِ دون أن ينبتّ ببنت شفة ، واكتفى بابتسامته المعهودة ..

الوقوف في هذه الزاوية يتيح للنادلين مراقبة الجميع من خلال المرايا دون أن يلاحظهم أحد ، وهو لا يزال يراقب حركاتها من خلال هذه المرايا ، و ( عاصم ) منهمك ٌ في تحضير الطلبات ..

( شو رأيك تنسى اللي بتفكر فيه يا حسان ، ياعمي هدول ناس ما بيعرفوا بإن اللي زينا عايشين .. أصحى )

لم يبالي بكلامه وتناول الطلب من يده ، وتقدم نحو الطاولة بهدوء ٍ ، ثم إنه وبحركاتٍ استعراضية ٍ ، فرش الطلبات على الطاولةِ ، فابتسمت لمهارته ، وبادلها الابتسامة ..
- شكرا ً
- عفواً ..

يرجع إلى زاويته ، ويجهل سر تعلقه بابتسامتها ، ويشعر للحظات ٍ بأنها تبحث بعينيها عنه ، أو هكذا خُيلَ إليه .

( يا عمي والله ما راح يصير شي ، صدقني .. بالكتير راح يعطيك أبوها بقشيش منيح )

يصر في نفسه أن يتجرأ للمرة الاولى في حياته ، ويراقب حركاتها من بعيدٍ في افتتانٍ جلي ، وعقارب الساعة تجري دون أن يجد طريقة ً لمحادثتها ..

يشير بيده لـ ( حسان ) ، فيومئ ُ برأسه ويضع الفاتورة في حافظة ٍ جلدية ٍ أنيقة ، ويتقدم نحوهما ، والأفكار في رأسه تتسابق ..

- تفضل يا سيدي
يتناول البرجوازي الحافظة ويدس بداخلها فئة نقودٍ ذات صفرين يسبقها خمسة .

- بدك شي تاني بابا ؟

تكتفي بابتسامة ٍ ، وترفع رأسها إلى النادل ِ ، وتطلب منه ورقة ً وقلم .
يتناول الحافظة ، ويسرع إلى ( عاصم ٍ )

- بدي ورقة وقلم بسرعة ، صدقني غير تعطيني رقمها ، متاكد شفت بعيونها حكي كتير .. بسرعة يا رجل

- امسك .. خليك بوهمك
- خليك بحالك انتا

ولمـّا همـّا بالإنصراف ، رافق مدير المطعم ِ هذا البرجوازي ، ينشد لديه الرضا عن المكان والطعام .. وبجوار الطاولة يقف ، ويمد له يدها بما طلبت ..

- تفضلي
- شكراً .. شو اسمك انتا ؟
- حسان

يبتعد عن الطاولة قليلاً ويتظاهر بالانشغال بأدوات الطاولة ، تاركاً إياها تدون ملاحظة ً أو رقما ً ، ليس يدري.

يشير لها والدها بيده ، فتحمل حقيبتها وتدس الورقة بداخلها ، وتضع القلم على الطاولة وتمضي ..ونظرات ( عاصم ) تراقبه في المرآة ِ في حسرة ٍ عليه ، وهو ينحسر ، ويرتب أدوات الطعام على الطاولة دونما تركيز .

تتأبط يد والدها ، وتُسر إلى والدها ببضع كلمات ٍ ، فيسبقها إلى الخارج ِ ، ويتركها تحادث مدير الصالة في ود ورضا ..

( يا حسان .. تعال لو سمحت ، الأنسة بدها اياك .. ) وينصرف المدير في أدب ..

يشعر بأن السماء استجابت لدعواته أخيراً ، ويتقدم نحوها في ابتسام ٍ ، وعيناه لا تفارق عينيها أبداً .

( المدير حكى لي عنك إنك ماشاء الله عليك ، احسن واحد هون )

تمد يدها في باطن حقيبتها ، وتخرج ورقة ً نقدية ، تشبه التي رآها في الحافظة الجلدية إلاّ صفراً ، وتدسها في يده .. وتغيب عن العيون في لحظات .



يقلب الورقة النقدية باطنها وظاهرها ، وينظر إلى ( عاصم ) من خلال المرآة ِ ، ويقفل راجعاً نحوه ، ويدسها في يده ، ويخلع إزار النادل في هدوء ٍ .. وينصرف حتى يبتلعه الظلام .

تمت ...








 
قديم 24-08-2012, 05:03 AM   رقم المشاركة : 63
معلومات العضو
عدي بلال
أقلامي
 
الصورة الرمزية عدي بلال
 

 

 
إحصائية العضو







عدي بلال غير متصل


افتراضي رد: من روائع قصص أقلام "النادل" -عدي بلال-

أ . خليف محفوظ ..

ممتنٌ لك على اختيار قصة " النادل " من روائع قصص أقلام ..

أ . هشام النجار ..
ممتنٌ لمداخلتك القيمة ..

سأقوم بالرد على الزملاء هناك ..

شكراً لك أخي الكريم .







التوقيع

لو أن الدهر يعرفُ حق قومٍ
لقبّلَ منهم اليدَ والجبينــا

 
قديم 15-11-2012, 01:33 PM   رقم المشاركة : 64
معلومات العضو
خليف محفوظ
أقلامي
 
الصورة الرمزية خليف محفوظ
 

 

 
إحصائية العضو







خليف محفوظ غير متصل


افتراضي رد: من روائع قصص أقلام "النادل" -عدي بلال-

كردان أم سليمان

عبد المجيد برزاني


إلى روح سليمان ...وإلى الرائعة عتيقة..


.................... ....هل كان على كراستي أن تفلت مني ذلك الصباح الربيعي، وبالذات في تلك النقطة من ساحة الجامعة الفسيحة؟؟ لماذا اختارَ القدرُ كل شيء لأجدني في ذهول أتسلم منه الكراسة وأبادله البسم..؟ ....ما اسمكِ ؟؟...زرقة المحيط في عينيه تجرني لخضمه، أتخبط، أحاول الخلاص عبثا..أتذكر اسمي بصعوبة وأتلعثم به..أتصبب عرقا ..وأنت ؟؟...ردد معه صدى المكان "سليمان"... يتلاطمني الموج في عينيه وأنشد الخلاص بالنظر بعيدا،، دون جدوى ... من أين لعينيك هذا الصخب يا سليمان ؟؟ ...وهذه اللكنة الشرقية ؟؟ ..سأعرف منه في طريق العودة أنه فلسطيني ... يعمل في جريدة ويهيئ رسالته الجامعية ... أنا في سنتي الأولى..وشوكتي يكسرها اليم في عينيه متى تطلعت فيهما...والشمس تعكس ربيعها على شعره الأشقر... ألتمس الجأش من النظر إلى الأرض وزرقة السماء، وأنشد الدفء لفرائصي..يا إلهي !! ...وسليمان يتكلم...يتكلم ويتكلم ويتكلم ...شهر ،،،شهران ، يتكلم في الطريق وفي المقهى...وعلى الشواطئ الخالية.. النوارس تحتفي بحكيه الذي لا قرار له..أستمع.. يتكلم عن هجرة 48 وعن طفولة بعثرتها الأمكنة ...عن الغدر والعذاب والضياع والفقد والموت والغربة، عن غربة المكان، وغربة الروح وغربة القبر... عن قريته هناك وعن أراضي أجداده، عن أمه التي دُفنت حيث اختار الآخرون، عن موتها حسرة على كردانها المدفون خطوتان إلى الشمال تحت الزيتونة الكبيرة قرب منزلهم...لومنحوها كل كنوز الدنيا ما رضيت بغير ذلك الكردان الذي نسيت يوم الرحيل...آآآه يا أمي... لا يضجر من الكلام... كأن الصمت يقتله..الكلام وحده يدين الساسة، ويدين القدر ويدين العالم... كم أحب الاستماع اليه ورأسي على صدره.... هل نمتِ؟؟.. لا، لا أنا أستمعُ..أكمِلْ ...لكنني نمت ...نمت طويلا.... وصحوت وأنا أرملة، أحضن بنتا وولدين. وسليمان الذي أدان الغدر طول حياته، خذلني من زمان وأسلم الروح في ذلك المستشفى...هذا الصباح فاجأتني ابنتي : (ماما، ماما،، إذا مات رئيس أمريكا نروح "عكا" نجيب كردان سِـتّي ؟؟؟ ).







 
قديم 15-11-2012, 01:36 PM   رقم المشاركة : 65
معلومات العضو
خليف محفوظ
أقلامي
 
الصورة الرمزية خليف محفوظ
 

 

 
إحصائية العضو







خليف محفوظ غير متصل


افتراضي رد: من روائع قصص أقلام "النادل" -عدي بلال-

في الرابط التالي قراءات بعض الأساتذة لقصة " كردان أم سليمان "

http://www.aklaam.net/forum/showthread.php?t=54212







 
قديم 29-11-2012, 09:53 AM   رقم المشاركة : 66
معلومات العضو
عدي بلال
أقلامي
 
الصورة الرمزية عدي بلال
 

 

 
إحصائية العضو







عدي بلال غير متصل


افتراضي رد: من روائع قصص أقلام "كردان أم سليمان"-عبد المجيد برزاني-

سراج الشمس


فاطمة أحمد




في عصر من عصور الشمس كانت حكايتي حيث أشعتها تشهد على كل شيء ، على إطلالة الصبح وشعشة الضوء على السنابل الخضر ، وانعكاس بريقها على رمال الشواطئ ، على تغريد البلابل في الحقول المعشوشبة بالأمل اليافع في أن يكون الأرض غداً أجمل ، وكان ذاك الزنجي الصغير فادور ..
يجري بسعادة وراء أرانب ينصب في طريقها فخاخه علها تصيب أحد أرجلها في ركن من أركان المزرعة، يركض هنا وهناك وبالقرب من الشجرة التي بنى الطيرعلي غصنها عشه ، الشجرة فارعة الطول التي تمتد إلى عنان السماء فما استطاع أن يدرك فرعها الأخير ... قلبه يمتلأ فرحة ها هو يصيب عصفوراً بمقلاع وآخر في فخ نثر فيه حبات قمح قليلة اختلسها من كيس المئونة الكبير ، عاد بصيده يسابق الريح والسيد الأبيض يقف عند حافة الحقل يرمقه بنظرة ، نظرة فرح وأمل في أن يكون في الغد عبداً قوياً أقوى من أبيه وحتى أقوى من ذاك الحمار ...
يكبر فادور .. فتبدأ مرارة الواقع تذهب بأحلامه ادراج السراب ، لن يستطيع ان يعدو في مساحات الشمس كما يأمل فأرجله مكبلة بحديد قيده ، قيد ليس له في الواقع المنظور وجود ، قيد ابدي لا مرئي لن يجعله يجري في الغابات بحرية ،، فقد خُتم عليه بختم عبودية
فادور .. خبئ أكياس القمح في ركن دار المئونة ,, نادى سيده ! ويفعل .. اكتظت الدار بالمؤن وما زال السيد يرفع سوطه ليلهب جلود زنوجه الكسالى
خريف وراء آخر يتكرر كل شيء غروب الشمس ، صوت الهزير وتساقط الأوراق وذبول الأمل اليافع في أن يكون الشتاء مدرارا بغيث وعطاء أو أن يأتي الربيع بمراتع نضرة ... كانت سني جذب ..
تضور فادور جوعاً ، لكن ذلك لم يمنعه أن يكبر فكان فتى له عضلات مفتولة وطول فارع يقف كسهم ينحني كقوس يسدد ضربات للأرض ، ترمقه أمه بنظرة فخر واعتزاز وهو يسدد ضربات يشق بها كبد الصخر.. بمحبة تدفع له كأس شاي .. يرتشفه بيد تكاد ترتعش ولم يزل يلهث ، يبادلها ابتسامة فتعانق روحه رضا ، يتذكر سيده يرجع ليضرب الأرض بالفأس بغل كبير..
أعوام والمشهد ذاته يتكرر يضرب الأرض والشمس حوله سراج ترسل شعاع ذهبي اللون يتلالأ على جسده العاري الفَتِي الأسود ،، الأسود كلمة ذات لعنة ، باتت تؤرقه ، وزخم من الأفكار يتوارد على راسه ..
الأسود ، جسدي الأسود جعلني عبداّ فما كان شعري يوماً كسراج الشمس ، ولا كانت عيناي بزرقة البحر ، وما كان خدي يوماً كالتفاح الجبلي المحمر أنا كالليل !! ما به الليل ؟ هل استطاع البشر عيشاً دون سكن الليل وهل كانت ستشرق النجوم أو يتدلل القمر ؟ غفا إذ سرعان ما وثب الليل في حلة جميلة اكتست بعقود النجوم ونسمة باردة تهب فتريح اوصاله من لفح نهار تصبب فيه عرقاً من وهج الأشعة الحارة أخذته الأحلام إلى بلاد الريح ولم يفق من نومه إلا على أول آذان للديك يتلوه صوت أمه : بني بكر للحقل لتنجز ما أمرك سيدك قبل أن تجلس الشمس على مقعدها أواسط عرش السماء ، مضى بحملٍ ثقيل زاد بفقدانه والده مبكراً ، والد لم يورثه غير عضلات مفتولة ولون شديد السواد وعبودية لسادة الدار..
في طريقه للحقل في بيت السيد أمر مريب ؛ وسيد الدار اليوم كئيب ، مات ولده .... لم يتبقى له غير بنات...! البنات أيضاً إماء الرجال وإن كن بيض القشرة ، يسمع صوتهن يولولن فليس لهن حيلة غير البكاء
يُقام المأتم يهرع لخدمة ومؤازرة سيده ، نِعْم العبد المطيع هو ، يرق سيده لحاله إذ يتابع خدمته لما بعد منتصف الليل حيث أوى كلٌ إلى فراشه وعجزهو عن المنام ... لا بأس سيدي هذا شراب دافئ سيسري في عروقك بهناء ويبعث فيك ارتياح فهدوء حتى تقدر على النوم
يشرب السيد القليل منه .. آه فادور بأي شيء أكافئك ؟ اطلب فأنت وحدك من بقيت تسهرعلى راحتي حتى اللحظة ، أخبرني ولا تخش .. آه سيدي لا احتاج غير حريتي ! فادور ... كن حراً وأهلك يوم أموت ..


ما زالت الشمس تبعث أشعتها الذهبية وما زالت السنابل الذهبية المكتنزة تتمايل بنسائم الربيع عاماً بعد عام وفادور لم ينس حلمه .. أن ينال حريته ..أحقاً ينالها وأولاده يوماً ؟ ما كان لسيده أن يعيش أبد الدهر .. لكنه مؤخراً سيء الطباع أصبح أكثر قسوة بعد فاجعة موت ولده ، أحياناً كان ينهال بسوطه على عبيده دونما مبرر.. إنه ينهال على جسده بالضرب اليوم أيضاً يتمالك غضب في نفسه وفي قلبه شيء من غصة ... نعم سأفعل ما تطلبه سيدي
أيها الغبي ، البغال أكثر منكم فهماً وفائدة ، على الأقل تذعن دون عصيان ،، حرقة اضرمت في قلبه فاشتعلت حتى المساء حيث التقى والدته في الكوخ الصغير رمى برأسه على فخدها مررت يدها على رأسه عزيزي
اصبر على سيدك إنه سيدك .. أمي ما عدت أطيق صبراً أو اطيقه .. أنه سيدك .. كيف تجرؤ ؟ قد يذبحك ، قد يشنقك ، قد يصلبك على شجرة القرية أو يرسل بك إلى المقصلة ! وإن يكن يا أمي أكرهه تباً له..
اش اش ولدي اخفض صوتك فلليل آذان ...
تقولها و تربت على كتفيه فتدلكهما ، يرتاح ويغفو وينام ، حين استيقظت الشمس من غفوتها استيقظ ، الراحة فقط في حضن خليله الليل ، يأخذ فأسه يقصد حقله يضرب أرضه ، يتعب يتكئ ملتمساً ظل شجرة

فادور ..... أيها العبد العاق لسيدٍ أغدق عليك بنعمة ! كيف ترتاح وقت العمل؟! ... جاء صوت سيده صاعقة تضربه بقوة ، لا يدري من أي سماء هطلت عليه ؟ لا يدري غير أنها شقت بصرختها سكونه السرمدي
الذي سرح فيه للحظات
هرول لفأسه يضرب صخراً كقلب سيده .. سيده الذي رق قلبه له ذات مرة فانفجر منه فرات عذب ذاك الوعد ، كن حراً وأهلك يوم موتي
لكن متى يموت سيده ..؟

حتى أنه أصبح أكثر حنقاً عليه منذ ذلك العهد ، أتراه ندم الآن
لكن لن يكون في وسعه أن يتراجع عن عهد شهده بهله امام وجهاء القرية في المأتم الكبير

ها هو يأمره ، أن يتم عمله حتى ما بعد غسق الليل عاد وأصوات الصرير والنقيق تصاحبه .. يدخل ؛ القلق باد على محيا والدته .. زوجته تضع مولود جديد ..
صراخ يعلو وضعت الزوجة ولداً .. يتبسم وصراخ في قلبه ... إإلى الكون يأتي زنجي آخر ؟

تابع سيده تمرير سوطه اللاذع على جلده الأسود كلما سنحت له الفرصة كأنما صار يتلذذ بأذيته و تعذيبه !!
حتى عند المساء .. يأمره أن يغسل له شعره ، وأن يغير له هندامه ،، أفف ، رائحته ، خليط من عرق وخمر ، تتصاعد أبخرة نتنة منذ متى لم يكرم جسده بماء وارف ؟ويا لكثرة الجرار ..

يرمق الفتاة الغضة التي تجلب له المناشف بنظرة إذ تناوله إياها برفق ، يرتدي سيده ملابسه ، تناديه الفتاة مرة أخرى ليأخذ العطر .. إنها في الربيع السابع عشر ... كزهرة للتو تتفتح .. يطأطئ ببصره إلى الأرض محاولاً الرحيل لكنها تتشبت ببعض ثوبه واطراف أصابعه يلتفت إليها.. ينظر بعينيه الداكنتي السواد إلى عينيها الفيروزيتين اللتان تقتربان من لون عمق البحر.. تقولان كلاماً بلغة يفهمها .. لكن أين هي منه ؟ وأين هو منها ؟ يتذكر زوجه .. قبل أن يفلت منها يلمحه سيده ، يصيح بغضب لا مثيل له ..
عند الصباح ألهب ظهره بالسياط أمام أقرانه العبيد ثم وألقى به ليتعفن في السرداب منسياً مع المئونة وبعض الفئران
كم كان حانقاً هذه المرة فلأول مرة يختفي عنه سراج الشمس فلا يرى إلا الليل الأسود الطويل .. الليل صار خله حيث اختفى سراج الشمس وساد الظلام
لم يعد يفرق بين الليل والنهار إلا بصوت نعيق البوم عند المساء وصوت صياح الديكة أول الفجر وما زال يشعر بدفء الشمس حين تتوسط السماء .. وإذ تأخذه رعشة البرد فيدرك إنه الهزع الاخير من الليل ، في أحد الايام تذكره سيده ...
عاد إلى كوخه ، امراته تقف في وجوم ,, يخلو الكوخ إلا من الرضيع الصغير وامرأته يريد أن يسأل عن أمه لكن الكلمات تخونه ، تشير إليه بأصبعها .. إنها هناك عند التلة ..
عند قبرها بكى ، حتى إنه لم يودعها .. لم يأويها إلى مرقدها .. لم يقبل جسدها الطاهر العفيف لن يسمع صوتها بعد أبداً .. يذرف دمعة أو دمعات كانت تمسحها وهو صغير بكفيها
وهي تنهاه بحزم : الرجل لا يبكي فادور ..
عاد يسأل عن ولديه الصغيرين .. أين هم ؟ يجدهم في الحقل يلفحهم وهج الشمس .. يا خالق الشمس رأفة بي وبهم فالدنيا أمام عينيّ ظلام ...

ليته ينطلق فوراً فيعبر النهر تاركاً وراءه هذه السهول لكن قيده ما زال يقيده ، لون أسود وشعر أجعد كث ، يأخذ فاساً من ولديه ليضرب الأرض
وترتطم لبنات أفكاره بجدار رأسه ،، ماكرة الحياة تعطينا وكم تأخذ منا !!
حتى شبابه يتسرب من بين أصابع يده وأولاده اليافعين يصبحون عبيداً كما هو ، ينكسر فيهم الشموخ ويتلاشى الإباء .. لن اورثهم غير العبودية ،، يستيقظ مجددا على سباب سيد الدار
وهو يصحب ولديه أيها العبد الحقير من سمح لك أن تصرف الغلمان اليوم ؟ بئساً لك لأصلبنك على مرأى من العبيد
جرت دماء كثيرة في جسده فيما جحضت عيونهم رهبة الموقف ، دماءه تفور وهو يرى أولاده خائفين يتابعون ذله ، يخطف فأسه يشج بها رأس سيده .....

في لحظة ارتوى تراب الحقل بدماء سيده وسط ذهول من رأي
.. أأصاب أم أخطأ ؟
لم ترف منه شعرة ، بل ر إنه يشعر الآن برغم كل المرارة بالراحة لأنه جرع سيده القصاص العادل
الذي حلم به في قبو السرداب .. غداً سيكون للشمس سراج آخر ..
يذهب متجهاً للمقصلة اطراف القرية
وصوت ضجيج ونحيب على المسامع
يذهب متجهاً للمقصلة اطراف القرية ، مقصلة العبيد ، يحدق للسماء ونور الشمس
ويبتسم .. منذ الحظة سيكونون أحراراّ ...







التوقيع

لو أن الدهر يعرفُ حق قومٍ
لقبّلَ منهم اليدَ والجبينــا

 
آخر تعديل خليف محفوظ يوم 20-12-2012 في 10:38 PM.
قديم 29-11-2012, 09:56 AM   رقم المشاركة : 67
معلومات العضو
عدي بلال
أقلامي
 
الصورة الرمزية عدي بلال
 

 

 
إحصائية العضو







عدي بلال غير متصل


افتراضي رد: من روائع قصص أقلام "سراج الشمس"- فاطمة أحمد -

في الرابط التالي قراءات بعض الأساتذة لقصة " سراج الشمس "

http://www.aklaam.net/forum/showthread.php?t=54406







التوقيع

لو أن الدهر يعرفُ حق قومٍ
لقبّلَ منهم اليدَ والجبينــا

 
قديم 19-12-2012, 10:08 AM   رقم المشاركة : 68
معلومات العضو
عدي بلال
أقلامي
 
الصورة الرمزية عدي بلال
 

 

 
إحصائية العضو







عدي بلال غير متصل


افتراضي رد: من روائع قصص أقلام "ثورة الفقر"- جمال الحنصالي -

ثورة الفقر

جمال الحنصالي

... سَخيتْ نفسُه فجأة ودون سابق إنذار عن إتمام العمل، فقد كان جبينه ينفصّد عرقا ورجلاه النحيفتان قد تسلل إليهما التعب وهجّتا عن حمل جسده المنهك. ألقى بالمبْلطِ يمينا و"الطالوش" يسارا ثم قعد الأُرْبعاء في صمت رهيب يتناظر ذاك السور الإسمنتي العظيم الذي يمتد حتى السماء يلامس الغمم ويحبس الأنفاس ويفشل الهمم .. يتساءل مع نفسه اللوامة كيف استطاع تشييده، وكيف سخّر جوارحه ووقته لفعل ذلك؟؟! وهو لم يبرح بالبلدة سوى بضعة شهور..

اسْتدى بيده المرتعشة صوب عروة إبريق الشاي الذي سئم لهاب نار لا تهدئ من تحته، وأنصف كأسا اعتلاها الغبار وامتزجت ببصمات أصابعه المتسخة حتى أصبح الرسم ضبابا يعيق التعرف وتمييز نوع المشروب. تمدّل الرجل ذو الخمسة وخمسين عاما بمنديل مرقّع، هو لا يبغي إخفاء البياض الذي اجتاح شعيرات رأسه الأزعر فقد لفعه الشيب منذ أن كان مراهقا، لكن شدّ رأسه بالمنديل كي يقطع الطريق عن الكريات الدموية التي تجري وتجري على وقع نغمات أعصابه الثائرة والمتوترة فتهتز عروق رأسه اهتزازا مؤلما لا تداويه أقراص الاسبرين ولا قيلولات الصيف الطويلة والشهية

ينظرُ المسكين إلى حالته كيف اتسخت وإلى تفاصيل وجهه كيف انكسرت وإلى يده كيف شُظِفتْ وإلى أحلامه كيف انقصمت وإلى ذكرياته كيف اندثرت.. يبني ويشيد، يكد ويكابد بحس أصيل وعيون واجفة وأجور بائسة بكرة وأصيلا..

في لحظة، أنشأ يفكر مليا في زوجته "ربيعة" وألاده وبناته الثلاثة، يفكر في أكياس الدقيق التي خفّ وزنها وعظُم سعرها وفي حبات الطماطم التي فُقدت في السوق وهاجرت قسرا إلى الديار الأوروبية وفي قطع اللحم.. آه .. ما أدراك ما اللحم! يفكر أيضا في شركة الكهرباء وماذا عساه يجيب السؤولين وقد قطع وعدا لجاره أن يبقيه خارجة اللعبة وألا يورطه في "شبه سرقة لنعمة الكهرباء"، يفكر في دفتر ابنه زكريا والذي صار يدون ملخصات التاريخ على ظهر أوراق الانتخابات المشتتة في الزقاق، ووزرة فاطمة كذلك، فبسببها تُطرد من المؤسسة التعليمية لأنها طويلة وفضفاضة والناظر لا يعجب الأمر كثيرا.
لا تقف رحلة التفكير عند هذا البنّاء فهو يفكر كذلك في وشاح أمه الذي طلبته منه منذ كان البرد قارسا حتى هجم حر الصيف على البلدة... من حسن حظه أنها مريضة بالزهايمر. يفكر في والد أيضا، المناضل الرابض في غرفة قد نسميها خصبا إنعاشا في مستشفى شعاره الإهمال. والده يستريح، أو لنقل كذلك، لكنها استراحة محارب وهب حياته من أجل إعداد جيل جديد من حفظة القرآن الكريم، الآن، يجازى بقنينة أملاح معدنية يربط خيطها الرفيع بين موت الفقيه القادمة وحياته البئيسة وما باليد حيلة.
يفكر أيضا "المعلم علي" في بطاقة تعبئة الهاتف النقال الذي صام شهرين متتابعين وسكت عن الرنين المباح.

هو في حسّة سوء لا يُحسد عليها، استجمع قواه وكف عن التفكير المضني ووقف وقفة فيها الكثير من المعاني وتنعْنع شيء في جوفه فيه كثير من المغازي، خطا بضع خطوات إلى الأمام ويدياه الخشنتان تضم الواحدة الأخرى خلف ظهره المقوس. وقال مع نفسه:

- أسوأ شيء في الوجود أن تبني شيئا لا تعرف عنه شيئا.. تماما كرجل آلي لا يحس ولا يشعر أو دابة تجر عربة وهي لا تدري لماذا وإلى أين سائرة!

لم يتردد في اتخاذ القرار، وقد أرسلت إليه السيالة العصبية أوامر حادة من دماغه المتدمر. حمل الفأس وراح يخرب السور الاسمنتي وكأنه يعيد التاريخ..جار وكثيرا من الغبار وأثنى عائدا إلى كوخه المتواري خلف الفيلات الفاخرة، يجر أذيال هزيمة مفترضة وخسارة يوم عمل شاق، فلن يجازى عن عمله بفلس واحد وهو يعلم كل ذلك.قبل أن يرخي الليل سجوفه و"المعلم علي" مازال يسير والرصيف المتآكل، وفي كل مرة يبسق عجم عنب أسود سواد هواجسه، كان حبيس جيب سرواله الأحمر. ترآى له من بعيد جموعا من الشباب يهتفون:

- الحمد لله لقد هدموا السور الذي يفصل حينا عن الثانوية...
- يحيا النضال وتحيا الثورة..
- لو لم نقدم الطلب لمدير الثانوية لما سمعوا صيحاتنا...

..................................

حاشية :

هجت عن حمله: رفضت وامتنعت غصبا عنها
استدى بيده: مدّ يده بتثاقل
أثنى عائدا: رجع







التوقيع

لو أن الدهر يعرفُ حق قومٍ
لقبّلَ منهم اليدَ والجبينــا

 
قديم 19-12-2012, 10:13 AM   رقم المشاركة : 69
معلومات العضو
عدي بلال
أقلامي
 
الصورة الرمزية عدي بلال
 

 

 
إحصائية العضو







عدي بلال غير متصل


افتراضي رد: من روائع قصص أقلام "ثورة الفقر"- جمال الحنصالي -

القدير جمال الحنصالي ..
ثورة الفقر
قصة قصيرة ..
بدأت السرد بلسان الراوي العليم ، ودخول مباشر للحدث .. هنا

اقتباس:
... سَخيتْ نفسُه فجأة ودون سابق إنذار عن إتمام العمل، فقد كان جبينه ينفصّد عرقا ورجلاه النحيفتان قد تسلل إليهما التعب وهجّتا عن حمل جسده المنهك. ألقى بالمبْلطِ يمينا و"الطالوش" يسارا ثم قعد الأُرْبعاء في صمت رهيب يتناظر ذاك السور الإسمنتي العظيم الذي يمتد حتى السماء يلامس الغمم ويحبس الأنفاس ويفشل الهمم .. يتساءل مع نفسه اللوامة كيف استطاع تشييده، وكيف سخّر جوارحه ووقته لفعل ذلك؟؟! وهو لم يبرح بالبلدة سوى بضعة شهور..

في الفقرة السابقة ..
سخيت نفسه / القى بالمبلط / الطالوش / قعد
هذه الأفعال التي قامت بها الشخصية الرئيسية / الضمير ، جاءت كردة فعل لـ
جبينه يتفصد عرقاً / تسلل إلى رجليه النحيفتين التعب / جسده المنهك ..
جاء بناء السور من قبل هذه الشخصية خلال بضعة شهورٍ ، وذكر ( نفسه اللوامة ) كانت إشارة إلى ما يعتمل في نفس الشخصية / يلامس الغمم / يحبس الأنفاس / يفشل الهمم

اقتباس:
اسْتدى بيده المرتعشة صوب عروة إبريق الشاي الذي سئم لهاب نار لا تهدئ من تحته، وأنصف كأسا اعتلاها الغبار وامتزجت ببصمات أصابعه المتسخة حتى أصبح الرسم ضبابا يعيق التعرف وتمييز نوع المشروب. تمدّل الرجل ذو الخمسة وخمسين عاما بمنديل مرقّع، هو لا يبغي إخفاء البياض الذي اجتاح شعيرات رأسه الأزعر فقد لفعه الشيب منذ أن كان مراهقا، لكن شدّ رأسه بالمنديل كي يقطع الطريق عن الكريات الدموية التي تجري وتجري على وقع نغمات أعصابه الثائرة والمتوترة فتهتز عروق رأسه اهتزازا مؤلما لا تداويه أقراص الاسبرين ولا قيلولات الصيف الطويلة والشهية.

في الفقرة السابقة ..
كان الوصف جميلاً ، دقيقاً ، يحمل في طيات السرد تعريفاً بالشخصية الرئيسية
رجلٌ ذو الخمسة وخمسين / البياض اجتاح شعيرات رأسه / تمدل بمنديل مرقع / عصبه على رأسه ..
ووصف للبيئة المكانية التي يعمل بها ، من خلال السرد
إبريق شاي سئم لهاب النار / كأساً اعتلاها الغبار
وصداعٌ لا ينفع معه أقراص الأسبرين ..
أود أن أشيد هنا بلغة القاص جمال الرائعة ، ومخزون مفرداته التي أغبطه عليها ..
ثم ..

اقتباس:
ينظرُ المسكين إلى حالته كيف اتسخت وإلى تفاصيل وجهه كيف انكسرت وإلى يده كيف شُظِفتْ وإلى أحلامه كيف انقصمت وإلى ذكرياته كيف اندثرت.. يبني ويشيد، يكد ويكابد بحس أصيل وعيون واجفة وأجور بائسة بكرة وأصيلا..

في الفقرة السابقة ..
يظهر التأثر بالنص المقدس / القرآن الكريم من خلال السرد ، والذي يُظهر هيئة هذه الشخصية من جهة ، وإلى انعكاس هذا على نفسية الشخصية التي يتصاعد في داخلها التفكير في عمله ، وجدواه ، ومدى تأثيره عليه وعلى الآخرين ببناء هذا السور ..
فالشخصية الآن في لحظات التأمل ، وهنا نتساءل
بماذا تفكر هذه الشخصية في هذه اللحظة ..؟
وهنا أشيد مرةً أخرى بقوة المفردة عند هذا القاص الرائع .

اقتباس:
في لحظة، أنشأ يفكر مليا في زوجته "ربيعة" وألاده وبناته الثلاثة، يفكر في أكياس الدقيق التي خفّ وزنها وعظُم سعرها وفي حبات الطماطم التي فُقدت في السوق وهاجرت قسرا إلى الديار الأوروبية وفي قطع اللحم.. آه .. ما أدراك ما اللحم! يفكر أيضا في شركة الكهرباء وماذا عساه يجيب السؤولين وقد قطع وعدا لجاره أن يبقيه خارجة اللعبة وألا يورطه في "شبه سرقة لنعمة الكهرباء"، يفكر في دفتر ابنه زكريا والذي صار يدون ملخصات التاريخ على ظهر أوراق الانتخابات المشتتة في الزقاق، ووزرة فاطمة كذلك، فبسببها تُطرد من المؤسسة التعليمية لأنها طويلة وفضفاضة والناظر لا يعجب الأمر كثيرا.
لا تقف رحلة التفكير عند هذا البنّاء فهو يفكر كذلك في وشاح أمه الذي طلبته منه منذ كان البرد قارسا حتى هجم حر الصيف على البلدة... من حسن حظه أنها مريضة بالزهايمر. يفكر في والد أيضا، المناضل الرابض في غرفة قد نسميها خصبا إنعاشا في مستشفى شعاره الإهمال. والده يستريح، أو لنقل كذلك، لكنها استراحة محارب وهب حياته من أجل إعداد جيل جديد من حفظة القرآن الكريم، الآن، يجازى بقنينة أملاح معدنية يربط خيطها الرفيع بين موت الفقيه القادمة وحياته البئيسة وما باليد حيلة.
يفكر أيضا "المعلم علي" في بطاقة تعبئة الهاتف النقال الذي صام شهرين متتابعين وسكت عن الرنين المباح.

في الفقرة السابقة ..
( فلاش باك )
يدخلنا القاص في عقل هذه الشخصية ، ببراعة وسرد جميل ، ويكشف عن شخصيات ثانوية ، لها دور كبير في التأثير على هذه الشخصية ، ويمرر للقارىء مع كل شخصية معلومة ، سواء عنها أو عن الوضع الإقتصادي للبلدة التي يسكنها منذ شهور ثلاثة ، أو الإهمال في جانب من جوانب هذه البلدة ..
والشخصيات هي
الزوجة " ربيعة " / أولاده / بناته / والدته / والده / الجار / المعلم علي
ثم ..
غلاء الأسعار / تصدير خيرات البلدة إلى أوروبا /
اللحم وما أدراك ما اللحم ..
تباً لك على هذه الجملة الموجعة يا جمال ، كأنها حلم صعب المنال ..
الجار والكهرباء / واضطراره إلى سرقة الكهرباء لشدة الحاجة ..
وابنه ( زكريا ) / دفتره وأوراق الإنتخابات التي يستخدمها
وزرة الابنة ( فاطمة ) / والمدير الرافض لها لأنها ربما لجدتها هذه الوزرة ..
والدته / والوشاح الذي لم يأتِ حتى حلول الصيف
من حسن حظه أنها مريضة بالزهايمر حتى تنسى طلبها الوشاح
موجعة يا رجل ..!!
الوالد / وجزاء الإحسان سرير في مشفى مهملة
وراق لي وصفك لعظمة هذا الوالد ..
المعلم ( علي ) / وبطاقة الهاتف والدين له ..
هذه الأفكار لم يسردها القاص لمجرد السرد ، بل إنها تمهيد لردة فعل عنيفة ، فالغريق لا يخشى البلل ..!
وهنا نستائل إلى أين سيقوده هذا التفكير ..؟

اقتباس:
هو في حسّة سوء لا يُحسد عليها، استجمع قواه وكف عن التفكير المضني ووقف وقفة فيها الكثير من المعاني وتنعْنع شيء في جوفه فيه كثير من المغازي، خطى بضع خطوات إلى الأمام ويدياه الخشنتان تضم الواحدة الأخرى خلف ظهره المقوس. وقال مع نفسه:
- أسوأ شيء في الوجود أن تبني شيئا لا تعرف عنه شيئا.. تماما كرجل آلي لا يحس ولا يشعر أو دابة تجر عربة وهي لا تدري لماذا وإلى أين سائرة!

ذروة التأزم ..
راق لي المونولج الداخلي للشخصية ، والذي أوضح فيه القاص عدم معرفة السبب لبناء السور عند هذه الشخصية ، والشاهد في ذلك هو أن القاص كان قد ألقى بمفتاح ( ثلاثة شهور ) في بداية النص ، وهي المدة الزمنية التي مكث فيها في هذه البلدة التي لا ينتمي إليها ، فكل ما كان يهمه هو قوت يومه ، وهذا الجهل الذي أوضحه القاص كان تمهيداً للقفلة الرائعة لاحقاً ..

اقتباس:
لم يتردد في اتخاذ القرار، وقد أرسلت إليه السيالة العصبية أوامر حادة من دماغه المتدمر. حمل الفأس وراح يخرب السور الاسمنتي وكأنه يعيد التاريخ...

جاءت ردة الفعل هنا عنيفة ، ونتيجة طبيعية لكل هذه التفكير والصور في مخيلته عن المحيط الذي يعيش فيه ، والفقر الذي أطبق بفكيه على حياته وأسرته ..
لم يكتفِ القاص هنا بهذه النهاية ، بل أكمل السرد ليحدث الدهشة الماتعة في الخاتمة ..



اقتباس:
ترك خلفه أكوام أتربة وأحجار وكثيرا من الغبار وأثنى عائدا إلى كوخه المتواري خلف الفيلات الفاخرة، يجر أذيال هزيمة مفترضة وخسارة يوم عمل شاق، فلن يجازى عن عمله بفلس واحد وهو يعلم كل ذلك.

في الفقرة السابقة ..
يصور لنا القاص البيئة المكانية التي تسكنها الشخصية
كوخ / خلف فيلات فاخرة
ويصور لنا تبعات قراره – هدم السور – على حياته / الهزيمة / خسارة يوم عمل شاق ..
وهنا أيضاً إضاءة من القاص بأن هذه الشخصية تتقاضى اجرها باليومية ..
( قاتل الله الفقر يا أ. جمال )
لتأتي الخاتمة المدهشة هنا ..



اقتباس:
قبل أن يرخي الليل سجوفه و"المعلم علي" مازال يسير والرصيف المآكل، وفي كل مرة يبسق عجم عنب أسود سواد هواجسه، كان حبيس جيب سرواله الأحمر. ترآى له من بعيد جموعا من الشباب يهتفون:
- الحمد لله لقد هدموا السور الذي يفصل حينا عن الثانوية...
- يحيا النضال وتحيا الثورة..
- لو لم نقدم الطلب لمدير الثانوية لما سمعوا صيحاتنا...



الجمل الحوارية بين الشباب جاءت لتحمل معها الكثير ..
· يهتفون من أجل الثانوية العامة التي تم حرمانهم منها ببناء هذا السور / سبب بناء السور .
· ظن هؤلاء الشباب بأن ثورتهم هي التي أدت إلى البدء بهدم السور ..
· ظنهم أيضاً بأن الطلب من مدير الثانوية هو من أوصل صوتهم لهدم السور .

أما قائد هذه الثورة فهو تلك الشخصية ، وهي ثورة ولكن ... ثورة الفقر .

شكراً لك على هذه الرائعة يا أ. جمال الحنصالي ..
لقد استمتعت بحق وأنا أقرأ ما يخطه قلم قاص يعرف جيداً معنى القصة القصيرة ..

أرفع لك القبعة ..
تقديري لشخصك وقلمك
.






التوقيع

لو أن الدهر يعرفُ حق قومٍ
لقبّلَ منهم اليدَ والجبينــا

 
موضوع مغلق


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 08:46 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط