كأمراة عجوز تحيك بأناملها المتعبة خيوط ليل سرمدي, عدمى النجوم, بوهيمي الانسدال.. كان يتطلع بشبق الى زوج من الأشعة القمرية تداعب باستحياء, لوحة سيريالية ملقاة بعبثية على سطح المكتب.
جهالته بمبدع تلك اللوحة لم تقف أمامه عائقا حينما قرر شرائها , خاصة وان بائعها قد طالبه بثمن بخس, انما تتابع غريب للألوان المنبثقة من اللوحة, قد أسرت اليه بسر, أبى بعدها أن تفارقه, فاقتادتها معه الى مسكنه, ليسكن اليها ليلا, محاولا فك طلاسم ذاك السر.
كان يوما مثل باقي الأيام الروتينية, التى ينشق فيها عن مكتبه المعدني الحكومي حال رؤيته زملائه بالغرفة يتحللون من ارتباطهم الوظيفي كطفل يتحلل من مدرسته. وحشود سائرة باتجاه اللاتجاه تقودها خطواتهم جميعا في ترابط أحمق لا يحمل ثمة دلالة مشتركة, وقف يتنفس الصعداء, فرأها ملقاة بجوار بائع متجول يتدبر احتياجات اسرته, فسأله عن ثمنها, فأجابه بثمن بخس وابتسامة بائع مصطنعة, فتقبله بقبول حسن.
بعد الانتهاء الروتيني من جدول الاعمال البيتي المجهول المنشأ, اختلا باللوحة بليل بكلثومية الخيام, وبمداعبة الأشعة القمرية لها, انبثقت من تلك اللوحة ألوان تجمعت مشكلة كلمات مبعثرة, قام بارتشاف قهوته وبدأ في قراءة سر اللوحة.
ككاتب ضاعت من بين أنامله مفردات اللغة وأسهب في السرد حتى أخل, بدأ الراسم يحكى عشقه بابنة الخالة التى تكبره بخمسة سنوات, وشبقه الذي أرداه مهالك القوم, فما بين جهرية مصافحة قبلية, وسرية ملمس عشقية, وتلصص للرؤية , حتى تعانق العالمين, وتشابك الألسنة, ومعانقة شفتان, ولأن العشق محرم في قبيلة بنى عدنان فقد أتفق الفريقان على نفي العشيقان لأخريان. وظل الراسم يتيه في الأرض يتلمس واديه المفارق, يلوك في كل ليلة قصائد النفى الموجع.
ذكرى تطارده الحينة والحينة,
تحيا بنغم أليم أو بمشهد يكتب على فضاء الكتروني محاك بأرقام يفترض أن يختلف تتابعها لتروى لنا دمعة فارقت مقلتى بشري عضوى,
فلما أعياه التيه, ومر عقد الدهر يرديه قتيلا, فأبى الا ان يحمل حكايته فضاء أبيض بكر ينتهكها بألوان خدع البشر بها أنفسهم ليعلنوا بسرية ما لا يجوز البوح به , فيعلن التحدى على قاتليه, فيعلن أمامهم بما يكدر صفوهم دون أن يفهموه.
لملم القمر أشعته المبعثرة من فضائه المظلم, فأزال بابتسامة عَبرة زارت مقلتيه باستعداء, وضع الحكاية في درج مكتبه, وذهب ليلقي بجسده على سطح الموت ليستقيظ متشحا بالنسيان ليستطيع أن يحيا روتينه القاتم