لمَ؟
يومها كنت ُ أغط في نوم ٍ عميق، استيقظتُ كالممسوس على صوت صراخ متواصل من جرس بوابة منزلي.!
استغربت من الأمر...!
وعلى عجالة...، ارتشفت من طاسة الذاكرة بعضا من فقاعات الهواء الباردة، فعادة لا يتذكرني أحد، ولا أجد المتعة في تبادل خيبات الصداقة!؛
قلتُ في نفسي.:
قد يكون عابر سبيل، أو أي انسان قد التبس عليه المنزل!، حاولت العودة لما قبل الصراخ، لكن الصمت الذي كنت ملتحفه كان قد غادر من شرفة النافذة!
نهضت من فراشي أرتجف، متجها ًبخطواتٍ بطيئةٍ نحو خاصرة المنزل...!
كنت أشعر لحظتها بأني أسير بخطوات ثقيلة للوراء، أردد بصوت كسول متعب:
ها أنا قادم... انتظر قليلا ً!
لكن الغريب بأن الطارق المجهول لم يقل شيئا، وبكل هدوء استمر في استفزاز صبر الحاضر.!
فتحت ببطء بوابة المستقبل وأنا غارق في حيرة التثاؤب، نظرت أمامي وكانت المفاجأة!
تجمدت كأداة استفهام تبحث عن نقطة الرحمة، كرسمة الصرخة وهي تتجرع ألوان الدهشة، كنت قد ابتلعت آخر موجة من صوتي! حتى أنني نسيت بأن أغلق أفواه اللحظة الجائعة!
كانت أول كلمات محمصة تخرج ناضجة من طابون الوقت:
أنت ِ.!، كيف!، وما... مجنونة!
وأنت غارقة في طحين الضحك أمام ملامح وجهي الجائع والمبعثر!
فأجبتني بثقة خبازة ماهرة:
مفاجأة!، أليس كذالك...
هل ستترك وردة ابتسامتي تجف تحت أشعة انتظار حارقة؟
ألنْ تَدعني أدخل واحة ظلك!
فأجبتك وأنا كلي دهشة.:
معذرة منك سيدتي، تفضلي...
ذهبتُ لأعد لنا فنجان الألم، كنت أقلب اللامحتمل فوق نار الأشواق، وأنا سارح في منطق جنونك.!
كان الأنين صاخبا، كنتِ أنت ِجالسةً على ذاك الكرسي العتيق والممزق. سارحة ً في بحرٍ من الأفكار...!، سألتك لحظتها.:
هل تشعرين بالبرد.، ما رأيك بأن أشعل المدفئة.؟
كان جوابك اللذيذ:. كلا ،
واندفعتِ نحوي كسحابةٍ ماطرة:
أريد فقط أن أغفو بغزارة فوق صدرك!
وحينها... دخلتِ في فصول من تَنْهِيدة شتاء طويل!
لم أقاطعك وتركتك للنهاية... حتى فاضت كل السدود، كان صدري غارقا ً في محيط عواصفك وعندها رجوتك... بأن يا قلبي أقلعي...
وسألتك بتوتر.:
ما الأمر. ما بك ِ!
رفعتِ رأسك ونظرتِ في عيَني قلبي.
أريد وعدا منه بأن لا تبتعد عني أبدًا.
أدركت لحظتها. بأن الأمر جلل! وبأن النزيف سيطول!، لكنه ورغم ذلك عاهدك وكان الوعد.!
وقلت لك ِ:
لا قوة في الكون يمكنها أن تبعدني عنك وطلبت منك الجلوس وشرح الأمر.!
كنت أستمع لك وأراقب كل تفاصيلك وأنت منهمكة بغضب في شرح الأمر، اتأمل كيف بأن هذا الوجه الطفولي الملائكي يمتلك كل هذا الكم من الجنون والقسوة.!
كنت أنظر برهبة وإجلال لثقة الحب في سماء عينيك!؛
تلك اللمعة التي تجعلك تدرك جيدا كيف بأنه يجعلنا في أحلك أوقات ضعفنا أقوياء لا نقهر!، جعلتني ينابيع كلماتك لحظتها بأن أعود لنفسي من جديد؛
فهمت لحظتها بأن هدف الشجرة ليس الثمرة فقط، بل هو بتجربة النمو والمقدرة على الوصول...، مجابهة الرياح للنهاية والعودة دوما لبذرة البداية؛
ومرَّ الحب...
وبقيت أنا وذاك الكرسي الممزق وثمرة ما زالت تنتظر...، لم تذبل، لم تسقط على أرض النسيان... رغم كل الجفاف، رغم أن الشجرة كانت قد غادرت ثمارها وتربتها!
فما زالت منذ ذاك اليوم ناضجة تقطر عسل صوتك...!؛
تردد في وجه الزمن وكلما ألتفت إليها سؤالا واحدا لا يتغير، لا يتبدل:
لمَ؟، لم َ؟!
فأحتضنها بصمت وأنا...
غارق في محيط من ذكريات وحيدة...
يقتلها العطش والجوع!