على الرغم من كون كلا والديَّ فلسطينيين – أمّي من الناصرة و أبي من القدس – إلاّ أنّ أبي كان قد حصل على الجنسية الأمريكية خلال الحرب العالمية الأولى، حين خدم في قوات التدخّل الأمريكية في فرنسا ، كان قد غادر فلسطين، التي كانت آنئذ ولاية عثمانية ، في عام 1911 ، في السادسة عشرة من عمره هرباً من سوقه إلى القتال في بلغاريا، فمضى إلى الولايات المتحدة و درس و عمل هناك بضعة سنوات ثم عاد إلى فلسطين في العام 1919 ليدخل مجال الأعمال مع إبن عمه، و علاوة على ذلك، فإنني مع كنية عربية مثل " سعيد " مرتبطة بصورة لم تكن استثنائية مع اسم بريطاني غير متوقع ( حيث كانت أمي شديد الإعجاب بأمير ويلز في العام 1935 ، سنة و لادتي ) ، كنت تلميذاً شاذاً و مزعجاً طوال سنواتي الأولى : فلسطينياً في مدرسةٍ في مصر مع اسم أول انجليزي وجواز سفر أمريكي ، دون أي هوية محققة مهما تكن ومما زاد الطين بلّة أن العربية لغتي الأصلية و الأنجليزية لغتي المدرسية كانتا مختلطتين على نحو يتعذر فهمه : فلم أعرف أبداً أيّهما كانت لغتي الأولى ، و لم أكن أشعر أنني مرتاح تماماً في أي منهما ، على الرغم من أنني أحلم بكليهما وفي كل مرة أنطق بها بجملة أنجليزية ، أجد نفسي أرددها بالعربية ، و العكس بالعكس .
كل ذلك عبر خيالي في تلك الأشهر التي تلت ما كشفه التشخيص لي من ضرورة التفكير بالأشياء الأخيرة . لكنني فعلت ذلك بطريقة كانت بالنسبة لي طريقة مميزة. فبوصفي مؤلف كتاب عنوانه بدايات وجدت نفسي مشدوداً إلى أيامي الأولى حين كنت صبياً في القدس و القاهرة و ضهور الشوير تلك القرية اللبنانية التي كنت أكرهها لكن أبي كان يأخذنا إليها على مدى سنوات و سنوات كي نقضي أصيافنا هناك. وجدت نفسي و أنا أُحيٍي من جديد ما في سنواتي الأولى من مآزق سردية ، إحساسي بالشك ّ و بكوني خارج المكان و شعوري الدائم بأنني أقف في الركن الخطأ في مكان بدا كأنّه ينزلق مني بعيداً كلما حاولت أن أحدده أو أن أصفه. لِمَ، أتذكر أنني سألت نفسي، لِمَ لَمْ تكن لي خلفية بسيطة ، مصرية تماماً ، أو أي شي آخر ، فلا يكون عليّ أن أواجه تلك الأسئلة اليومية المدقّقة التي تحيل إلى كلماتٍ بدت مفتقرةً إلى أصل ٍ ثابت ؟ و الجانب الأسوأ في حالتي ، و هو الجانب الذي تفاقم مع الزمن ، كان العلاقة الحربية بين الإنجليزية والعربية ، تلك العلاقة التي لم يكن على كونراد أن يهتم لها لأن انتقاله من البولندية إلى الإنجليزية عن طريق الفرنسية كان قد تحقق بأكمله في نطاق أوروبا . أما تعليمي بأكمله فكان متمركزاً على انجلترا، حتى أنني كنت أعرف عن التاريخ والجغرافيا البريطانيين بل والهنديين ( وهما مادتان مطلوبتان ) أكثر بكثير مما أعرفه عن تاريخ العالم العربي وجغرافيته غير أنني في الوقت الذي لُقّنتُ فيه أن أؤمن كما يؤمن فتى مدرسة إنجليزي و أفكّر كما أفكّر دُرِّبتُ أيضاً على أن أفهم أنني غريب آخر غير أوروبي و علّمني من هم أعلى مقاماَ أن أعرف مكانتي و لا أطمح أن أكون بريطانياّ . فالخط الذي يفصل " نا" عنــ " هم " هو خط لغوي وثقافي وعرقي و إثني. - إدوراد سعيد ( تأملات حول المنفى 1 )
#ادوارد_سعيد
#في_ذكرى_رحيله ال 21
إدوارد سعيد (1 تشرين الثاني/ نوفمبر 1935- 25 أيلول/ سبتمبر 2003)