نسخة معدلة عن النص الأصلي و الشكر موصول لأستاذي الكبير أبو أسعد
التقط الصبية الحجارة المتناثرة على جنبات الأرض التي حولتها شمس الظهيرة إلى حجارة لافحة حارقة,فقد كانت عبارة عن حجارة من فائض بناية حديثة الولادة في الحي, سكنها ثري من أبناء الوسط, و لا أدل على حداتثها تلك سوى رائحة الطلاء المنبعثة من واجهتها الخارجية و ماء الجير الذي يسيل اسفل العتبة, و تلك الضحكات التي تصدر عن الصباغين التي ما فتئت تتردد في جنباتها و كأنه زلزال يصم الآذان. ترى صبية الحي يتسابقون إلى التقاط الحجارة المحتمية بالظل, دون تلك التي اشتعلت لهيبا من فرط الحر و هم يجرون خلف (؟)ذلك الذي كان أشعت الرأس متسخ الملابس,أسمر السحنة ضخم الجثة,عيناه زائغتان تسبحان في سديم من الضياع الأسود الداكن,و لا تكادان تسقطان على شيء مجسم,يجري و هو يرتعب فرقا من القذائف التي تتعقب أنحاء كثيرة من جسده و كانها وابل من الأمطار الجارفة التي أسالت ينابيعا دموية متفرقة في رأسه و ملأت جسمه كدمات بألوان الطيف الجميل, تلك الخطوط النصف الدائرية الملونة التي عادة مايحب الأطفال رؤيتها بعد كل هطول للمطر,لم يكن يملك حينها سوى الصراخ, الصراخ المبحوح, ولا شيء غيره,ظل يجري بخطى مبعثرة تثير الشفقة, ولحسن حظه أسعفه الهجير التنصل من ملاحقتهم , بحثوا عنه كثيرا فلم يجدوه,أمعنوا في البحث, ولما انطفأت لديهم بارقة أمل العثور عليه انصرفوا عنه إلى مشاكسة صاحب دكان بيع الحبوب المقلية.
إنزوى(؟)تحت جدار ينازعه ذلك الخط الظليل المنبعث منه, لكن الحائط ضن به عليه فأكل ظله عن آخره نكاية به و كأنه صبي من فلول الصبية المهزومين, و رغم ذلك أسند ظهره له رغم حدة الحصى المسنون المتبث عليه بالأسفلت الأخضر, غير آبه بلظى أشعة الشمس التي تصب هي أيضا جام غضبها على بشرته الغليظة,جلس هناك يستجمع أنفاسه التي تناثرت مع ذرات نقيع المعركة الدامية,و شيئا فشيئا عادت لتعزف على وقعها المعتاد,حينها فقط أحس بجوع شديد يعتصر أمعاءه فرمى عن عاتقه كيسه المحمول,فجعل يفتش فيه عن شيء ضائع يأكله,فلم تعثر يداه إلا على قارورات زجاجية و بضعة أسلاك نحاسية و بعض الوريقات المذيلة بتواقيع جامعية,لم يصدق الكيس فأفرغه عن آخره و قلب داخله خارجا, ثم فتش جيوبه فلم يجدها ملآنة إلا بنقود اختلط فيها البياض بالأصفر,مسح بعينيه الواسعتين المكان المحيط, ولما وقع نظره على صندوق للنفايات هرول نحوه بخطى تفتقد التناسق,يتمايل مترنحا من سكر الضياع نحو الجانب الأيمن من جتثه الفيلية,وقف على الصندوق الأخضر فوجد بداخله قططا جائعة مثله تحاول عبثا فتح الأكياس اللدنة بمخالبها الوردية الفاتحة,و بينما هي منهمكة تراود طرائدها الجامدة المتمنعة,هوت عليها يد غليظة متشققة بشقوق تملأها أوحال المطر الجافة حتى غدت إناءا فخاريا مزخرفا,هوت عليها مبددة حلمها في الحصول على وجبة دسمة قل العثور عليها في مثل هذا الفصل اللاسع.فانطلقت تعدوا متحصنة بسور بناية مهجورة.
فتش(؟)في الصندوق الذي تنبعث منه رائحة الجثث المتفسخة المقززة المنفرة,كمن يفتش عن دقائق الأشياء في ساحة جريمة خطيرة, يفتح كيسا تلو كيس, إلى أن وجد ضالته في كيسين, الأول منهما محمل ببقايا كسكس مسقي بالخضروات السبع,و الكيس الثاني مليء بخبز مبلول بالإدام الأصفر ,كمثل ذلك الذي يصنع عادة في الأعراس,حمل غنيمته وعاد بنفس وقع خطواته الثقيلة ليجلس قرب رفيقه الكيس, هذا الذي استحال لونه من بياض ناصع إلى سواد قاتم,يقلد في ذلك بشرته التي استحالت هي أيضا من صفرة فاقعة إلى سمرة خفيفة ما تلبث أن تتحول إلى سديم قاتم,فتوالي حرارة يونيو, وصقيع ديسمبر كفيل بفعل ذلك.
مزق(؟)الكيسين و أفرغ أحشائيهما على كيسه الفارغ فابتدأت مأدبته الشهية دون أن يكلف نفسه عناء دعوة القطط التي تدور حوله كتلك الضباع التي تتلوى حول السباع التي تحتضن طرائدها السمينة, لكنه لم يكن يملك منع رائحة الدسم أن تتناهى إلى أنوفها الحمراء الفاتحة, أشبع نهم جوعه و قام يتمطط من الشبع يفرغ ما تبقى من طعامه أرضا و يجمع أغراضه التمينة دون أن ينسى و لو سلكا حقيرا.
إتجه(؟)نحو بوابة السوق الكبيرة يجر قدمه اليمنى و العرق يتصبب منه حتى أنه بل لحيته المسبلة,و كأنها دموع تسيل من نبع ماء ثلجي بارد.
ينعطف(؟) يمينا, ثم يسارا, ثم رأسا نحو البوابة,ليقف في آخر المطاف أمام(؟) تلك التي كان اللعاب يسيل من فمها المفتوح و كأنها تمثال سويسري نحتت على وجهه نافورة ماء مهراقة,لا تكاد تحرك رموش مقلتيها الغائرتين في جمجمة مصفحة,يظنها الغادي و الرائح تمثالا منسيا من فيلم تاريخي مصور,ومع مرور السنين تناسوا وجودها فأمست جزءا لا يتجزأ عن الأشياء المحيطة بالسوق,وبذلك أصبحت جسما يتعايش فيه الموت مع الحياة,و الوجود مع العدم.
وقف(؟)أمامها ثم ابتسم ابتسامة عريضة و الدماء ما زالت تنزف من رأسه حامية,فأدخل يده في جيبيه فبثرهما عن ساقيه ثم وضعهما في حجرها و مضى مبتعدا متواريا, ضائعا, بعيدا عن زحمة الأجساد