يبحث عنها في طرقات المدينة وأزقتها ، يحدق في وجوه الناس لعل الأعين تكتحل برؤيتها ، كل مكان دخلته أصبح مقدساً، يحج إليه ويمارس في زواياه طقوس الانتظار، عشق كل الوجوه التي تشبه وجهها، عشق النجوم التي طالما رأى بريقها يعانق خضرة عينيها.
قرأ كلماتها وقصصها حفظ أشعارها، طرب على أنغام صوتها حفر في القلب اسمها ونقش على الأجفان صورتها أصبح يراها في قهوته وفي كتبه وفي أزهاره وفي أحلامه وفي كل شيء جميل.
وذات صباح نظر إلى صورتها المغروسة بجانبه وأخذ يحدثها بحلم غريب جرت أحداثه في مدينة ولدت منسية يحكمها الظلم وتسود فيها البندقية ويستجدى سكانها البسمة من سيد مكفوف الفؤاد، بدم الأبرياء تخضبت يداه ، وبدموع الثكالى تبللت قدماه.
ففي يوم من أيام مدينتنا المنسية شاهد السيد فتاة رائعة الجمال حبتها الطبيعة من جمالها فالشعر من خيوط الشمس استمد لونه وبريقه والوجنات حديقة أزهار برية والشفاه بتلات وردة جورية والعيون جداول ماء حفتها سنابل قمح ذهبية، فهي للجمال آية ولكل خاطب هدف وغاية.
فترجل السيد وسار نحوها ، وكالعادة أخذ يراودها بكلمات ينساب الخبث والمكر من بين حروفها، و تنبعث رائحة الترغيب الممزوج بالوعيد والترهيب من ثناياها.
فالجواهر والمرجان والحرير والفراش الوثير وكل ما عرضه وجربه من مفاتيح لم تكن لتلائم قلبها أو تجذب انتباهها، فكلامه كان يتحطم ويتساقط ميتا كالذباب تحت قدميها، فجوارحها أضحت عيوناً ترقب الطريق، ترقب بشوق قدوم فارسها.
وبينما السيد مسترسل في ترغيبه وترهيبه إذا بفارس امتزجت نبضات قلبه بصوت حوافر جواده يشق دربه مسرعاً ما بين أشجار اللوز والزيتون، يسابق بحصانه الزمن ويقهر القمم، اقترب من المكان ، وهوى كالنسر يحتضنها ومن بين أنياب الخوف وبراثن السيد ليخلصها، وبعد أن تم له ما أراد، انطلق بها ليختفي طيفه ويتلاشى في غابة مسحورة يموت فيها كل قبيح و يفنى في عدلها كل ظالم.
وما هي إلا أيام معدودة حتى خلع أهل المدينة خوفهم وتركوا للسيد أشجانهم ولحقوا بالفارس وعروسه، وبهذا انتهى أخر فصل من فصول قصة كانت قبل هذا الحلم منسية وسجلاتها مطوية.
وبعد أن انتهى من سرد حلمه حدق بصورتها للحظات وسألها ألتلك الغابة وجود؟؟ ومضى تاركاً وراءه الصورة المتخمة بالصمت ، ليهيم على وجهه من جديد في شوارع المدينة.