لم تكن وليسلي التي تختزن أمجادها الشهيرة في حرم جامعتها العريقة، سوى ماسة ضائعة في أرجاء جزيرة الأحلام المترامية الأطراف. فلو قدر لكائن بشري أن يمتطي جناح الطير محلقا في الأعالي، لانبهر من هذه الأبراج الشاهقة، والناطحات السامقة كأنها النواطير قائمة في تماه. والجسور الحبلى بأسراب متراصة من الآليات تنساب في نظام جيئة وذهابا. كل هذه الرموز الناطقة تحفها أسرار قامت عليها هذه المادية الصارخة والحياة الآلية المزعجة. ومهما تكن حدة وعي ذلك المحلق المستطلع، يبق قاصرا عن إدراك الخبايا الحساسة التي أرست عمد هذه المدنية المنتفضة كخلايا النحل، وعاجزا عن تحديد هوية جنود الخفاء الرابضين في الأقبية والسراديب، العالقين في قعور المغارات والكهوف. كل شيء يضيع حقا في هذه المتاهة. حتى السعادة التي يبحث عنها ذلك الإنسان ذو الباع الطويل في نسج سرادق الأسرار، تبقى سرابا يموج في أكناف جزيرة الأحلام العجائبية، وتضيع هي الأخرى كما الإبرة، في صحراء من الرمال. وكم يلزم من التيه والضرب في بطون الرمال ليدرك المرء ضالته المنشودة في خضم هذا العالم الجموح. وفي قلب الجزيرة، بين أحضان تلك الرموز، جثم قفص ذهبي يراقب سائر ضيعات الجزيرة الأم، ويساهم في ضخ دماء الحياة ومعالجتها، ما دام يستمد طاقته من تفاعل الصراع المستديم بين أقبية ومتاهات يمين الجزيرة ويسارها. ولئن انحجبت معالم الماسة الخضراء وسط هذه المدنية التي تكتنفها الوديان والبراري والجبال والصحاري، فإن الوميض الذي نور العقول يبقى مصدره هذه الياقوتة المشتعلة التي دأبت أن تكون قبسا يهتدي بنوره كل من تمسح بأعتابها؛ من فتيات حججن من كل حدب وصوب، رائدهن الأساس أن يصنعن لوجودهن رداء المناعة الواقي من كل السهام الجانحة، كما صنعته من قبل أجيال استضاءت وأضاءت، فغذت بثمارها مستودعات صناعة القرار.
كانت الجامعة في قلب الماسة شبه حالمة في شفافيتها وسكونها، بين ظلال الأشجار الباسقة، ومساحاتها الخضراء الممتدة في كل الأنحاء. في مثل هذا الوقت، بعيد كل أصيل، يفتر دبيب الأقدام إلا من بعض المقيمات بالحي. منهن من آثرن المشي مثنى وثلاث بين ممرات الساحات المعشوشبة، وأخريات يتبادلن الرأي في مستجدات الحياة ومتاعب التحصيل اليومية. وأولئك انغمسن في بحر من الصبابة الخادعة والهيام المزيف. أما تلك فآثرت أن تنعزل في خضم طقوسها الخاصة، وأسندت ظهرها إلى جدار البناية. بدت وكأنها تتأمل في ما حولها، فتراها تسرح ببصرها بنظرات ساهمة لا يبرحها الانزعاج، وكأنها تقوم بمسح بانورامي للفضاء الذي يلف الجامعة، فتستعيد في ذات الوقت أطياف الأيام الخوالي. كانت حركاتها وسكناتها تشي بعدم ارتياحها، وإن تعددت منابع حيرتها ! ربما اهتزت نفسيتها من وطأة الهم، فغادرت المكان وسارت بين ممرات العشب. وهاهي تستجيب للبستانية التي ما فتئت تلوح. توجهت صوبها وبادلتها التحية كالعادة، ثم أسمعتها ما جد من سمفونية الأسى المعهود الذي ما فتئ يطوق عنق صغيرتها. وضعت آلة السقي جانبا، وراحت تحدثها، ومن حين لآخر تخطف النظر إلى ما حولها حذرا وحيطة. قالت في لهجة يطبعها الأسى:
ـ لقد استفحلت المأساة واحتدت البلوى يا آنسة غزال.. لشد ما غدا مصاب نيكول يؤرقني ! لم أعد قادرة على التحمل وقد تعدى الأمر حدود العقاب الجسدي والإذلال النفسي.. نيكول يتربص بها وحشان ! عجزت عن صد حماقة الشيطان وابنه المريض..أجل يا ابنتي لقد قصرت يداي عن درء العار الذي يتهدد نيكول بالذبح.
استوعبت غزال بقلب حسير ونفس متصدعة من التداعيات المؤلمة، ما يتهدد نيكول في عرضها، ما دامت مطوقة في معزل آل طومي بثعابين في أنيابها العطب. ولتهدئ من روع المرأة وتدعها وشأنها، وعدتها باستشارة ديمي في الموضوع لأنها تملك سلاحا أشد فتكا، إذا أفلحت نيكول في استعماله يكون ضربة تشخد رؤوس الأفاعي في قعر جحورها. في هذه الأثناء رمق بوضي الكلبة مينوش تركض من بعيد تجاه مولاتها، فأطلق أكارعه صوبها ليعاركها...
ردت المرأة متحمسة وكأن خاطرها أخذ يجبر :
ـ لا أشك في أي سلاح يخرج من بيتك وبيت ديمي يا غزال.. أتوسل إلى الرب أن يحميك من كل سلاح غادر.
قالت غزال متأسفة، وهي تحاول أن تتخلص من قفزات بوضي الذي استوفى الأرب من مينوش، وراق له أن يتمسح بتلابيب تنورتها:
ـ سوف نعمل على إحضار نيكول خفية إلى الغرفة، وهناك ستتمرن على تقنيات تشغيل السلاح. وقبل أن تهم غزال بالانصراف بدا لها أن عيني المرأة تختزنان هما آخر، وأن في جعبتها الكثير وعلى لسانها المزيد. لذلك استدرجتها بلباقة واهتمام بالغين للبوح بما ينغص الحياة ويكدر صفو العيش، وجعلت جيكو تحدث بنبرات متقطعة وقد لاح من عينيها المنزعجتين غم وحسرة بالغان: "لقد احترت في أمر تامبكتو يا ابنتي.. فمنذ تغير برنامج عمله ازدادت أحواله سوءا.. أصبح منطويا على نفسه بلا حدود.. لا يكلم أحدا". أصغت غزال للمرأة باهتمام، ثم سألتها عن طبيعة العمل، فأفرغت من جوفها عبئا ثقيلا ظل يروع ذاتها ويثير غثيانها: "والله يا غزال، كلما هممت بسؤاله لوح بيده في غضب وخاطبني بلهجة وعيد حادة: لا داعي للسؤال فلن تعرفي من الحقيقة شيئا، ما دامت شريعة آل طومي تقتص بلا هوادة، و لا ترحم من يخل بقوانينها، وبالأحرى إذا تعلق الأمر بسر مهني كالذي ترغبين في معرفة كنهه!.. ولا تحديد لأوقات العمل، وإن كان النشاط يحتد غالبا في الهزيع الأخير من الليل.. الزمن مرهون برنات الهاتف يا ابنتي!". وبعين فاحصة ونظرات ثاقبة تشي ببعد الرؤية، استوعبت غزال، لفطنتها، ما وراء الكلمات، فرفعت هامتها توجسا كأنما تبغي التأكد من خلو المكان من عين الرقيب، فنبست بصوت مهموس: سوف أنصرف الآن يا جيكو، واصلي أشغالك وخذي الحذر، إلى اللقاء... وفي خطوات وئيدة ولت غزال نحو جدار البناية تلوك في صمت هما جديدا، وعيناها على البستانية تشغل آلة السقي، وعلى مقربة منها يعدو الكلب بوضي وينط مرحا في فترة استجمامه هذه. الكلب طائش رغم حداثة سنه، ولا يصح لجيكو أن تغفل عنه حتى لا يتعرض لأذى فتكون العواقب وخيمة. حولت بصرها عن المرأة وارتحلت تجوب عالمها المحير. أمسكت برأسها وصاحت صيحة ضاعت في عرض جوانحها " كيف تجرأتم على اغتصاب الحياة من رجل شهم في واضحة النهار؟!..كيف طاب لكم ـ معشر زبانية الموت ـ إحالة العرس مأتما؟!.. وكأنما تضحك من سخرية الأقدار عادت تتساءل: أ إلى هذا الحد أكل الغل قلوبكم، وأعمى بصائركم؟!..
اعتادت أن تتلقى مثل هذا القصف حتى ترسب في نفسها، وأضحى جزءا من حياتها. ولكنها كانت تبادر إلى انتزاع الرصاص وتضميد الجراح، يساعدها في ذلك شبح خفي يدعى نزار، ولا ينطق إلا من وراء ستار. لقد رجعت بها الذكرى إلى أولى الطلقات، وكان الجو في قاعة الأكل الزجاجية حينئذ مطبوعا، على الدوام، بحميمة نادرة جمعت صديقات قل أن يجود الزمان بأمثالهن. وحدث أن دخلت فتاة سمراء شبه نحيفة، تضفي عليها ابتسامتها طابع العنفوان والتحفز. حيت زميلاتها، والتمرد المشوب بالغضب يطفح على سحنتها البنية، واستفسرت مستنكرة : ألم تسمعن بجديد الأنباء المشينة؟
اندهشت غزال وارتسم على وجهها علامات استفهامية لا تخلو من حيرة :" ماذا تخفين وراءك يا هال؟" وردت الأخرى في انفعال " قانون المؤسسة الداخلي يتضمن بنودا تعاكس تطلعاتنا، ولا تكرس فينا غير الدونية والاحتقار".. كانت رغبة غزال أقوى في استكناه الأمر، لذلك لم تتمالك مشاعرها فأصرت متوسلة على معرفة طبيعة القنابل النائمة في بطن القانون الداخلي. وتوالى الرصاص على لسان هال يهد صروح الأحلام وقلاع الآمال، وتساءلت غزال محتارة: "أليس من العار أن تمرر بنود عقيمة تحظر الاختلاط مع الغريب في أوقات محدودة؟!..