الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 24-01-2006, 05:19 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
محمد غالمي
أقلامي
 
إحصائية العضو







محمد غالمي غير متصل


افتراضي قاهرة الجدران الإسمنتية (يتبع)

لم تكن وليسلي التي تختزن أمجادها الشهيرة في حرم جامعتها العريقة، سوى ماسة ضائعة في أرجاء جزيرة الأحلام المترامية الأطراف. فلو قدر لكائن بشري أن يمتطي جناح الطير محلقا في الأعالي، لانبهر من هذه الأبراج الشاهقة، والناطحات السامقة كأنها النواطير قائمة في تماه. والجسور الحبلى بأسراب متراصة من الآليات تنساب في نظام جيئة وذهابا. كل هذه الرموز الناطقة تحفها أسرار قامت عليها هذه المادية الصارخة والحياة الآلية المزعجة. ومهما تكن حدة وعي ذلك المحلق المستطلع، يبق قاصرا عن إدراك الخبايا الحساسة التي أرست عمد هذه المدنية المنتفضة كخلايا النحل، وعاجزا عن تحديد هوية جنود الخفاء الرابضين في الأقبية والسراديب، العالقين في قعور المغارات والكهوف. كل شيء يضيع حقا في هذه المتاهة. حتى السعادة التي يبحث عنها ذلك الإنسان ذو الباع الطويل في نسج سرادق الأسرار، تبقى سرابا يموج في أكناف جزيرة الأحلام العجائبية، وتضيع هي الأخرى كما الإبرة، في صحراء من الرمال. وكم يلزم من التيه والضرب في بطون الرمال ليدرك المرء ضالته المنشودة في خضم هذا العالم الجموح. وفي قلب الجزيرة، بين أحضان تلك الرموز، جثم قفص ذهبي يراقب سائر ضيعات الجزيرة الأم، ويساهم في ضخ دماء الحياة ومعالجتها، ما دام يستمد طاقته من تفاعل الصراع المستديم بين أقبية ومتاهات يمين الجزيرة ويسارها. ولئن انحجبت معالم الماسة الخضراء وسط هذه المدنية التي تكتنفها الوديان والبراري والجبال والصحاري، فإن الوميض الذي نور العقول يبقى مصدره هذه الياقوتة المشتعلة التي دأبت أن تكون قبسا يهتدي بنوره كل من تمسح بأعتابها؛ من فتيات حججن من كل حدب وصوب، رائدهن الأساس أن يصنعن لوجودهن رداء المناعة الواقي من كل السهام الجانحة، كما صنعته من قبل أجيال استضاءت وأضاءت، فغذت بثمارها مستودعات صناعة القرار.
كانت الجامعة في قلب الماسة شبه حالمة في شفافيتها وسكونها، بين ظلال الأشجار الباسقة، ومساحاتها الخضراء الممتدة في كل الأنحاء. في مثل هذا الوقت، بعيد كل أصيل، يفتر دبيب الأقدام إلا من بعض المقيمات بالحي. منهن من آثرن المشي مثنى وثلاث بين ممرات الساحات المعشوشبة، وأخريات يتبادلن الرأي في مستجدات الحياة ومتاعب التحصيل اليومية. وأولئك انغمسن في بحر من الصبابة الخادعة والهيام المزيف. أما تلك فآثرت أن تنعزل في خضم طقوسها الخاصة، وأسندت ظهرها إلى جدار البناية. بدت وكأنها تتأمل في ما حولها، فتراها تسرح ببصرها بنظرات ساهمة لا يبرحها الانزعاج، وكأنها تقوم بمسح بانورامي للفضاء الذي يلف الجامعة، فتستعيد في ذات الوقت أطياف الأيام الخوالي. كانت حركاتها وسكناتها تشي بعدم ارتياحها، وإن تعددت منابع حيرتها ! ربما اهتزت نفسيتها من وطأة الهم، فغادرت المكان وسارت بين ممرات العشب. وهاهي تستجيب للبستانية التي ما فتئت تلوح. توجهت صوبها وبادلتها التحية كالعادة، ثم أسمعتها ما جد من سمفونية الأسى المعهود الذي ما فتئ يطوق عنق صغيرتها. وضعت آلة السقي جانبا، وراحت تحدثها، ومن حين لآخر تخطف النظر إلى ما حولها حذرا وحيطة. قالت في لهجة يطبعها الأسى:
ـ لقد استفحلت المأساة واحتدت البلوى يا آنسة غزال.. لشد ما غدا مصاب نيكول يؤرقني ! لم أعد قادرة على التحمل وقد تعدى الأمر حدود العقاب الجسدي والإذلال النفسي.. نيكول يتربص بها وحشان ! عجزت عن صد حماقة الشيطان وابنه المريض..أجل يا ابنتي لقد قصرت يداي عن درء العار الذي يتهدد نيكول بالذبح.
استوعبت غزال بقلب حسير ونفس متصدعة من التداعيات المؤلمة، ما يتهدد نيكول في عرضها، ما دامت مطوقة في معزل آل طومي بثعابين في أنيابها العطب. ولتهدئ من روع المرأة وتدعها وشأنها، وعدتها باستشارة ديمي في الموضوع لأنها تملك سلاحا أشد فتكا، إذا أفلحت نيكول في استعماله يكون ضربة تشخد رؤوس الأفاعي في قعر جحورها. في هذه الأثناء رمق بوضي الكلبة مينوش تركض من بعيد تجاه مولاتها، فأطلق أكارعه صوبها ليعاركها...
ردت المرأة متحمسة وكأن خاطرها أخذ يجبر :
ـ لا أشك في أي سلاح يخرج من بيتك وبيت ديمي يا غزال.. أتوسل إلى الرب أن يحميك من كل سلاح غادر.
قالت غزال متأسفة، وهي تحاول أن تتخلص من قفزات بوضي الذي استوفى الأرب من مينوش، وراق له أن يتمسح بتلابيب تنورتها:
ـ سوف نعمل على إحضار نيكول خفية إلى الغرفة، وهناك ستتمرن على تقنيات تشغيل السلاح. وقبل أن تهم غزال بالانصراف بدا لها أن عيني المرأة تختزنان هما آخر، وأن في جعبتها الكثير وعلى لسانها المزيد. لذلك استدرجتها بلباقة واهتمام بالغين للبوح بما ينغص الحياة ويكدر صفو العيش، وجعلت جيكو تحدث بنبرات متقطعة وقد لاح من عينيها المنزعجتين غم وحسرة بالغان: "لقد احترت في أمر تامبكتو يا ابنتي.. فمنذ تغير برنامج عمله ازدادت أحواله سوءا.. أصبح منطويا على نفسه بلا حدود.. لا يكلم أحدا". أصغت غزال للمرأة باهتمام، ثم سألتها عن طبيعة العمل، فأفرغت من جوفها عبئا ثقيلا ظل يروع ذاتها ويثير غثيانها: "والله يا غزال، كلما هممت بسؤاله لوح بيده في غضب وخاطبني بلهجة وعيد حادة: لا داعي للسؤال فلن تعرفي من الحقيقة شيئا، ما دامت شريعة آل طومي تقتص بلا هوادة، و لا ترحم من يخل بقوانينها، وبالأحرى إذا تعلق الأمر بسر مهني كالذي ترغبين في معرفة كنهه!.. ولا تحديد لأوقات العمل، وإن كان النشاط يحتد غالبا في الهزيع الأخير من الليل.. الزمن مرهون برنات الهاتف يا ابنتي!". وبعين فاحصة ونظرات ثاقبة تشي ببعد الرؤية، استوعبت غزال، لفطنتها، ما وراء الكلمات، فرفعت هامتها توجسا كأنما تبغي التأكد من خلو المكان من عين الرقيب، فنبست بصوت مهموس: سوف أنصرف الآن يا جيكو، واصلي أشغالك وخذي الحذر، إلى اللقاء... وفي خطوات وئيدة ولت غزال نحو جدار البناية تلوك في صمت هما جديدا، وعيناها على البستانية تشغل آلة السقي، وعلى مقربة منها يعدو الكلب بوضي وينط مرحا في فترة استجمامه هذه. الكلب طائش رغم حداثة سنه، ولا يصح لجيكو أن تغفل عنه حتى لا يتعرض لأذى فتكون العواقب وخيمة. حولت بصرها عن المرأة وارتحلت تجوب عالمها المحير. أمسكت برأسها وصاحت صيحة ضاعت في عرض جوانحها " كيف تجرأتم على اغتصاب الحياة من رجل شهم في واضحة النهار؟!..كيف طاب لكم ـ معشر زبانية الموت ـ إحالة العرس مأتما؟!.. وكأنما تضحك من سخرية الأقدار عادت تتساءل: أ إلى هذا الحد أكل الغل قلوبكم، وأعمى بصائركم؟!..
اعتادت أن تتلقى مثل هذا القصف حتى ترسب في نفسها، وأضحى جزءا من حياتها. ولكنها كانت تبادر إلى انتزاع الرصاص وتضميد الجراح، يساعدها في ذلك شبح خفي يدعى نزار، ولا ينطق إلا من وراء ستار. لقد رجعت بها الذكرى إلى أولى الطلقات، وكان الجو في قاعة الأكل الزجاجية حينئذ مطبوعا، على الدوام، بحميمة نادرة جمعت صديقات قل أن يجود الزمان بأمثالهن. وحدث أن دخلت فتاة سمراء شبه نحيفة، تضفي عليها ابتسامتها طابع العنفوان والتحفز. حيت زميلاتها، والتمرد المشوب بالغضب يطفح على سحنتها البنية، واستفسرت مستنكرة : ألم تسمعن بجديد الأنباء المشينة؟
اندهشت غزال وارتسم على وجهها علامات استفهامية لا تخلو من حيرة :" ماذا تخفين وراءك يا هال؟" وردت الأخرى في انفعال " قانون المؤسسة الداخلي يتضمن بنودا تعاكس تطلعاتنا، ولا تكرس فينا غير الدونية والاحتقار".. كانت رغبة غزال أقوى في استكناه الأمر، لذلك لم تتمالك مشاعرها فأصرت متوسلة على معرفة طبيعة القنابل النائمة في بطن القانون الداخلي. وتوالى الرصاص على لسان هال يهد صروح الأحلام وقلاع الآمال، وتساءلت غزال محتارة: "أليس من العار أن تمرر بنود عقيمة تحظر الاختلاط مع الغريب في أوقات محدودة؟!..






الصور المرفقة
نوع الملف: jpg قاهرة الجدران.jpg‏ (11.5 كيلوبايت, المشاهدات 10)
 
رد مع اقتباس
قديم 28-01-2006, 06:42 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
محمد غالمي
أقلامي
 
إحصائية العضو







محمد غالمي غير متصل


افتراضي

وإذا حدث، فلا يجب أن تغلق الأبواب ! فأية ظنون هذه، وأية نوايا حمقاء تساور هؤلاء؟!.. ومن أوكل لهم بأن ينصبوا أنفسهم أولياء أمور بالنيابة؟!" وعادت تحادث نفسها في صمت " لو علم وقتئذ أولياء أمورنا المزيفون بأن صفوة الصديقات وخيرة الزميلات الرفيقات بالجامعة، المتعددة ألوانهن وانتماءاتهن السياسية، ليس يجمعهن من قواسم مشتركة سوى السعي في سبيل إعلاء شأن الوطن وحمايته من كل بلوى، ودفع الضرر عن كل ذي شكوى، لو علم أولئك بما تنطوي عليه ضمائرنا وما يؤجج حوافزنا، لنفضوا أيديهم وتبرأوا من وصاياهم الجائرة، ووقونا شر صكوكهم الممعنة في الاستخفاف بكرامة المرأة، وإبقائها كالعصفورة حبيسة الأقفاص الفولادية. ورغم ما تعاقب من الرصاص الذي انتال بلا هوادة تبقى الماسة في النفوس ذكرى نحفظها لأم رؤوم؛ ذكرى لا زالت متوارية كالجمرة المتقدة في حوش رماد، رضعنا في أحضانها لبنا سائغا قوى عزائمنا، وفت ما تبقى من رواسب الماضي البائد في نفوسنا.. وهناك نسجنا عرى الصداقات حتى توثقت بيننا، وتعمقت نظرتنا تستشرف الآفاق المستقبلية. ولو علم أولياء أمورنا الذين سقطوا بالمظلات، أن السيدة أمي هي من حفزتني على التمسك بثدي الياقوتة، يوم هرعت إليها مستنجدة عبر الهاتف، لو كانوا فعلا عرفوا لرفعوا الأذى الذي وسموا به قانونهم الداخلي، والذي يجيز تدجين حواء القاصر.." ولربما قد يكون الحليب الذي سرى في أمعائها، وقتذاك، قد وجد في ذاتها أسقاما وعللا فتحركت معدتها وارتجت. وإلا، فلم انطلقت ذات ليلة مهرولة تطلب أبويها عبر الهاتف، وقد أوشك اليأس والتذمر أن يعضاها بنابيهما ويشلا حركاتها؟ "لست في المستوى يا أبي.. لقد ضقت ذرعا" وأما الأب فقد أصر على عودتها، ولكن الأم وقفت بالمرصاد تبدد المخاوف وتمهد العقبات، فكانت فتواها ـ في آخر المطاف ـ أقوم سبيلا وأكثر نجاعة. وانفلتت الفتاة من تداعيات الفطام المبكر، وتمكنت من الصمود على الرغم مما تعاقب على مسمعها من النعيق، حيث قالت لها بعض الطالبات في دعابة مشوبة بسخرية لا تخلو من تلويح «هل قررت السباحة في بحر الطب أم التحليق في فضاء الفيزياء يا غزال؟!" وفي تحد وثقة ردت "اركبي أنت ومن معك هذه البحار، ودريني أبحر حيث يلذ لي الإبحار..."
كن حقا على جهل بذلك البحر الذي استبد موجه بنفسها، ذلك الدرب المنتقى بإيعاز وتشجيع من أستاذ العلوم السياسية. كان لها ساعدا أيمن، حتى إنها لم تعد تلهج سوى بالسياسة في حلها وترحالها، في حركاتها وسكونها. وكان لها، في آخر المطاف، دعما وسندا في كل ما يتعاقب من الأكوام الإسمنتية المتشعبة.. قالت تؤكد ذاتها، وتداري خبث التعريض الذي ووجهت به "على الرغم من هيجان البحر فأنا مطمئنة إلى أني أتقن فن العوم بالتجديف" وحتى عبارة أستاذ الفرنسية الشهيرة العالقة بمخيلتها "ابحثي لك عن تخصص آخر يا فتاة"، أخذتها على محمل الجد، وإن كان وقع الرصاصة في النفس أمض.. وهي في ذروة هواجسها تناوش ما خلد من الذكريات، لم تتردد في أن تمد عنقها مستطلعة أثر صديقاتها المقبلات، إذ رأفت بها السماء، ففكت قيدها وأعادتها إلى وضعها السالف، كما هي الآن منتصبة تضم ملفها العلمي إلى صدرها...
طرق سمعها بعض الصخب والجلبة، فرفعت عينيها بدافع الفضول لتجد نفسها بغتة أمام مشهد يجري فيه الحدث على السجية. انفلت الكلب بوضي من يد الرقيب، وأخذ يعدو نابحا وراء سيدة في عقدها الخامس... أدركها وقفز إلى صدرها مداعبا، بيد أنها انزعجت فكبت من فرط الذعر، وطفق يعضها ويلس وجهها. توقفت السيدة جيكو عن سقي العشب، وهرولت في حدود ما يسمح به جسمها المكتنز، حتى إذا لحقت بالمرأة المنبطحة خلصتها من قبضة بوضي ونزقه. وتأديبا للجرو على فعلته سددت إليه بعض الضربات الخفيفة كأنما تربت على ظهر رضيع...
وإذ عادت غزال إلى خلوتها تبتهل من جديد تحت تأثير ضربات غير مرئية، مر بها شاب وسيم فألقى التحية باسما من دون أن يتعمد النظر إليها. في هذه الأثناء حج إلى مسرح الحادث كل من يهيم في أرجاء الحديقة.. أما هي فظلت تتابع مجريات الأحداث من موقعها، محاطة بصديقتيها، هال وديمي اللتين لحقتا بها قبل قليل. لم تمض سوى دقائق معدودة حتى استنفرت السلطات قواتها وآلياتها، وحملت المرأة المطوح بها على وجه السرعة في سيارة إسعاف. ومما زاد في تضخيم المشهد الكوميدي البئيس، أن ترجل مدير البنك المجاور، المدعو ديك طومي، فسدد للبستانية صفعة مدوية على خذها ! لم تملك غزال وهال وديمي سوى أن ابتلعن موجدة تعتمل في ثنايا نفوس جريحة. في هذه اللحظة حضر ألفريد الكهربائي وشرع يكشف لهن الحقيقة، على بشاعتها، في حنق وغضب. لقد وضعهن، فعلا، أمام واقع مؤلم أخذت فيه خيوط المؤامرة تنجلي. لقد عرفن أن أخا لديك هو من أبلغ السلطات بالحادث المفتعل، بعد أن تحركت في دواخله نوازعه الشريرة، لتتخذ الأحداث فيما بعد طابعا دراميا يجسد مأساة حقيقية...
في حضن الغرفة الزجاجية انضمت غزال إلى مجمع الصفاء و الألفة. كان ساعدها الأيمن محزوما بشريط أسود مكنته يد الموت الجائر. ورغم صفاء بشرتها وإشراقة العينين الحالمتين تبقى معالم الحزن طافحة على الجفنين والجبين، مادام الجرح لم يندمل بعد. وبنبرة مشحونة بكل صيغ التأسي قالت :
ـ نفد الظلاميون فعلتهم الجبانة وانتهى كل شيء...
أبدت ديمي تأسفا عميقا ونبست :
ـ فكرت ولم أجد مبررا لإسكاتهم صوتا مسالما، لا يشغله من هم غير تفكيك أنسجة الكراهية...
أجابت غزال:
ـ هذا نصيب كل سلاح وديع يا ديمي.. وجبة أعدت سلفا في مطابخ دهاقنة السياسة والورق الأخضر اليانع.. فماذا ينتظر من طابور ثالث لا لون له، منغرز كالشوكة في الجلد. خرجت هال عن صمتها ولهجت في حسرة مريرة كأنما ترد على تساؤل ديمي:
ـ ما أكثر ما تعددت مبررات الوجبات الجاهزة، وسهر على توزيعها أشباح مغمورون أعماهم الورق الأخضر كما ترى غزال، واستحالوا شفرات حادة تمحق وتدمر بلا شفقة.. استنتجت غزال من المواقف المتضاربة لصديقتيها، بأن الهم قاسم مشترك بينهن جميعا. بيد أن همومها ما فتئت تزداد يوما بعد يوم. أدركت هذه الحقيقة وأدركت معها أن المستقبل كان يبدو لها غريبا معتما، ثم صاحت فيهما:







 
رد مع اقتباس
قديم 31-01-2006, 05:32 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
محمد غالمي
أقلامي
 
إحصائية العضو







محمد غالمي غير متصل


افتراضي

ـ أتدريان طبيعة الضريبة التي تحمل لوثر تكاليفها دما؟.. لقد هلك فداء لجذوع أدمية منبتة في حواشي الجزيرة، وظلت تحمل على ظهورها بيوتا كالحلازين لتحفظ ما يفي حاجياتها الحيوية، وتسرح، لكن داخل حدود سوتها البشرات البيضاء والقلوب السوداء... وحين صعد من رماد تربتهم المهجورة مارد وديع يترنم بصوت الحق ويشهر سلاحه الوديع، غلوا جناحيه وكمموا فمه. ولما أصر على أن يغني نشيد الحرية غرزوا الرصاص في حنجرته، وقطعوها إربا إربا... لقد اغتالوا في الواقع كلمة صدحت بالحق جهارا، وأسكتوا صوتا صاح "لا للدماء تسفك جورا في فيتنام، لا للسود تستباح حقوقهم بغيا"
لقد غمرتها السعادة يوما حين كانت تستمع لخطاب لوثر. كانت في أوج مسرتها لوجودها وقتئذ بين لفيف من أقرانها السود. وارتحلت بها الذاكرة إلى الوراء لتستخلص بأنها لم تعرف جارا ولا صديقا أسود في صفوف المدرسة، إلا ما كان من الخدم في بيت أهلها أو مقاولة أبيها. عاودتها الحيرة وهي تستعيد طلعة الوديع الأسود يشهر أسلحته الوديعة بعدما عرى عن واقع بني جلدته الأليم. ثم جثم أمام مخيلتها حادث البستانية التي زلزلت خذها صفعة عنيفة ضمختها برودة دم أ بيض، ولكنها سرعان ما ابتلعت الموقف الجارح، وواصلت حديثها لتقر في النهاية بضرورة البحت عن مخرج لهذه الأزمة التي لا يجني من ورائها مفتعلوها سوى أشواكا تحدث في جسم الأمة نزيفا لا ينقطع. في هذه اللحظة دخل ألفريد الكهربائي، وخيم عليهن الصمت ترقبا لما يمكن أن يتمخض عن هذه الزيارة المفاجئة للقاعة الزجاجية. لكن الدهشة زالت حين أنبأ الرجل بمقدم زميلين، وسلم غزال طردا بريديا فانصرف.. لم يلف الزائران غضاضة في الاندماج في فورة الحديث المعهود كلما سنحت لهما الفرصة لزيارة زميلاتهما. توطدت وشائج الصداقة بين أعضاء هذه الجماعة، وازدادت الألفة متانة وتماسكا. ولا غرابة إذا كان كل عضو من هؤلاء يستهين أحيانا بأعز الأمور لديه حفاظا على هذا الميثاق الذي وحد الرؤية وألهب المشاعر، فازدادت مع كر الزمان نفورا من بشاعة وضع مزر غدا أشد تعقيدا، وينذر بزلزلة الأرض تحت أقدام كل من يسرح في أصقاع الجزيرة. وفي هذا الإطار أدلت ديمي برأيها، فحدثت في ثقة ورزانة :
ـ الواقع بئيس ومرير، ولا محالة من التنقيب عن وسيلة للضغط والردع..
اقترحت غزال أن تكون أولى وسائل الردع، البث في مشروع هال ولويزا شمعون، فقالت وسمات الاهتمام والعزم تشع من طلعتها الفضية الرائقة:
ـ ليس أمامنا سوى التفكير في أنجع الصيغ لتفعيله...( وأضافت هال ).. وسوف يمكننا من ترجمة رؤانا بالضغط على المسؤولين، وشعارنا في ذلك: ألا حياة بدون انصهار وتعايش بين سائر الأقليات الإثنية..
قال جيمي متأسيا بعد وجوم :
ـ نحن نستهجن كل إقصاء ممنهج في حق طلبة ومدرسين، ذنبهم في ذلك أنهم ذوو سحنات معتمة...
قالت ديمي في لهجة متأسية :
ـ الوضع مخجل، يدعونا إلى الشروع في طرق جميع الأبواب...
وتساءل فرانكلين وقد لاحت على وجهه علامات التذمر والاندهاش:
ـ وماذا لو سدت في الوجوه جميع الأبواب؟
أجابته هال في ثقة:
ـ سوف نكون مضطرين للتصعيد ( وقاطعها فرانكلين متسائلا في اهتمام )..بأية صيغة يا آنسة؟
ـ ندخل في إضراب عن الطعام!
لقي الاقتراح ترحيبا واستجابة، وصفق من في القاعة... أجمعوا أمرهم على أن تتم دراسة المشروع بعمق، وضبط أهدافه بدقة على طاولة الصالون الأدبي المعلوم، وفي حضور العضوين الغائبين، السيدين دافيد وخوليو. غادر جيمي وفرانكلين القاعة الزجاجية، وانصرفا إلى حال سبيليهما بعد أن أبلغتهما غزال بضرورة المشاركة في مسيرة الاحتجاج التي ستنطلق بعد يومين. أحست ديني ببعض الأرق، فانصرفت إلى مخدعها، بينما آثرت غزال وهال أن تتجولا بعض الوقت بين ممران الساحة المعشوشبة..
كان الليل في هذه اللحظة ساكنا هادئا، ونسائم الخريف تتدفق أنفاسا. انتشرت في هذا الفضاء اللزج أضواء المصابيح تغمر المكان، وازداد وجه غزال من توهجها تألقا، فقالت ببراءة:
ـ هذه الأجواء الحالمة تؤجج في النفوس فورة الإلهام! لكم هي رائعة فسحتنا التطهيرية هذه يا هال!
ـ ما أبعد أحلامنا عن الواقع يا غزال!...
ـ أراك جاوزت الحد في التشاؤم يا هال...إننا قوم تأبى نفوسنا الاستسلام..
وعادت تنبس بلهجة تضمر بعضا من هموم باطنية:
ـ ولكنها الحقيقة، عزيزتي..الحقيقة التي لا مفر من طعمها المر، ويؤلمني أن يكتوي بمرارة مذاقها أغلب أبناء الجزيرة الأم ومن يعول عليهم من الأجيال اللاحقة...
أضافت غزال في صوت يشي بعمق التأثر:
ـ ويبقى انتزاع الحق في الحياة من لوثر جورا أبشع مرارة، وأفظع وصمة عار محفورة على الدوام في جبين هذا الوطن.. ورغم ذلك لا نزداد إلا احتماء برباطة الجأش، ولن نتراجع أبدا..
قالت هال:
ـ إن العزم ليفل الحديد ويفت جلاميد الصخور..(ثم أضافت في لهجة استنكار حادة ): ماذا جنينا من وراء حرب ضروس على أراضي الغير سوى الويل والثبور؟!.. وأي هاجس أوعز للأمة بأن تبادر بإشعال فتيل النار؟.. ولكن، مع كامل الأسف: لم تسلم عروش الأمة من الحرق والتكسير...
وفي نبرة يغلفها التذمر صاحت غزال، فكسرت صيحتها هدوء الليل الساكن:
ـ إننا بصمتنا وتفرجنا عن بعد، نضفي طابع التزكية والتبريك لما يجري أمام أنظارنا وما تتلقفه أسماعنا، إن لم نكن شركاء فعليين في طبخ الولائم الملغومة!...
وبصوت لا يخلو من يأس وانكسار عقبت هال:
ـ وأي البدائل ترينها أجدى وأنجع، عزيزتي؟
ـ التصدي بكل حزم وعزم للتخفيف من تداعيات السياسة العرجاء، وملاحقة كل من أهدى سواعد الأمة وحماتها قربانا لحرب جائرة يغطي نفقاتها الباهضة جزء من أقوات الأمة.. إنها حرب ظلوم يا هال، لا أرى ما يبررها سوى الشوق الأعمى إلى المغامرات التي تستعرض العضلات على صهوات الخيول المطهمة.. لا يا هال، لم يعد السلاح الذي وشحني به أبي يلائم بعد رؤيتي، بقدر ما أضحى يؤرق بالي...
توقفت برهة لتستعيد أنفاسها، ثم استطردت في صوت لا يخلو من حدة: السياسة معطوبة، وليس من بديل سوى إحالتها على المشرحة بقاعة الصالون الأدبي..
استوعبت هال ما ترمي إليه صديقتها، فأصرت على معاودة السؤال في زي استنكاري :
ـ أهي معطوبة فعلا؟
وفي لهجة ذات معنى عقبت غزال:
ـ بل سقيمة إلى حد العجز المستديم، وسوف نحسم في الأمر بدون رجعة، فضلا عن المشروع الذي اقترحته لويزا..(ثم استأنفت حديثها مستدركة).. لويزا ذات رأي يستضاء به ياهال، وددت لو تكون قريبة منا في المسيرة







 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قاهرة الجدران الإسمنتية (رواية) ـ تقديم محمد غالمي منتدى القصة القصيرة 1 12-01-2006 11:11 PM

الساعة الآن 01:57 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط