الإسلام والفن والجمال :عبدالرحمن فاروق
الجمال حقيقة مركبة في مداخلها وعناصرها وتأثيراتها المادية والروحية وايحاءاتها الظاهرة والخفية وفي انعكاساتها على الكائن الحي لأن أثره يخالط الروح والنفس والعقل فالجمال ليس مجرد قيمة سلبية لمجرد الزينة فحسب والاحساس بالجمال والميل نحوه مسألة فطرية تعيش في أعماق النفس البشرية فالنفس الانسانية تميل إلى الجمال وتشتاق إليه والاحساس به يهذب المشاعر والسلوك الانساني ويسمو بالذوق البشري وكلما تسامى الاحساس بالجمال لدى الانسان ووعي القيمة الجمالية بدلالاتها الحسية والمعنوية تعالت انسانيته واستقام سلوكه والابداع الجمالي والتعامل مع الجمال بُعد أساسي في الحضارة الانسانية فالحضارة التي تخلو من الجمال ووسائل التعبير هي حضارة متخلفة لا تعبر عن الانسانية، واذا نظرنا للجمال من حولنا نجد الطبيعة ككل لوحة فنية تفيض بالحسن والجمال فالانسان يتذوق الجمال في عالم الطبيعة وينفعل به ويعبر عنه بإحساسه الفطري، وبما أن ما حوله جميل وهو ذواق فينفعل بعمل لوحة فنية جميلة، إذاً روح ورسالة الفن الجمال، إن الجمال قيمة أساسية في الأصول الاسلامية وهو مدخل إلى ارتقاء الروح والذوق وسمو النفس، والجمال من المنظور الاسلامي جزء من صميم البنية الوجودية في علاقة الخلق بالخالق والكون بالتكوين لأن وجوده يحدث عن خالق كل الوجود. وإذا كان هذا هو الجمال في المنظور الاسلامي فإن له بجانب هذا أبعاداً متناغمة فهو جمال موضوعي بما هو تجسيد لقدرة الخلق بالخالق ثم هو جمال اسنادي بمعنى أن هنالك قيماً معينة يمكن إذا اضيفت إلى وضعيات وجودية أو انسانية أن ترتفع بهذه الوضعيات إلى مستويات أخرى جمالية.
إن هناك من يرى أن الدين يبحث عن الحقيقة وأن الفن يبحث عن الجمال لكن هذه الرؤية غير صحيحة. أليس في الحقيقة التي يقصدها الدين جمال خالص فالجمال ليس مجرد صورة حسية أو انفعالية والأمر مركب والفن يبحث أيضاً في إبراز الحقيقة فالمسرحية الجميلة ما هي إلا تصوير للصراع بين الخير والشر أو بين الفضيلة والرذيلة.
والقصة تفعل الشيء نفسه بأسلوب مغاير ويمكن أن تنظر إلى الشعر النظرة نفسها ويمكن أن نقول إن ألوان الابداعات المختلفة قد تبلور حقيقة نفسية أو تجسد واقعاً اجتماعياً أو تبرز قيمة من القيم العليا في اطار معين مثل أنواع الفنون التشكيلية وهذا الشكل الذي تزف فيه الحقيقة يختلف تماماً عن الحقيقة المجردة التي تنتج عن البحوث العلمية البحتة.
يقول الأستاذ محمد قطب في منهج الفن الاسلامي: »إن كلاً من الفن والدين يعبر عن الحقيقة الكبرى« كما يقول: »إن القرآن يوجه الحس البشري للجمال وانه يسعى لتحريك الحواس المتبلدة لتنفعل بالحياة في أعماقها وتتجاوب تجاوباً حياً مع الأحياء وهنا يلتقي الفن بالدين والفن الصحيح هو الذي يهيء اللقاء الكامل بين الجمال والحق فالجمال حقيقة في هذا الكون والحق ذروة للجمال وهنا يلتقيان في القمة التي تلتقي عند كل حقائق الوجود. إن القيم الجمالية الفنية تحمل على جناحها ما يعمق الايمان ويقويه ويجعله وسيلة للسعادة لذا كان موقف الاسلام من الفن والجمال ايجابياً بل وخاطب الانسان كمخلوق ذواق للجمال ووعده بالجمال جزاء في عالم الآخرة، إذاً هناك فن اسلامي وهذا الفن ليس بالضرورة هو الذي يتحدث عن الاسلام إنما هو الذي يرسم صورة الوجود من زاوية التصور الحقيقي الذي هو تصور الاسلام لهذا الوجود. وإذا نظرنا إلى الفن التشكيلي فالاسلم هو الذي حرر الفن من القيد الوثني والأسر الكهنوتي فالاسلام لم يأمر الناس باتخاذ صيغة فنية محددة كما هو الحال في العقائد والايدولوجيات الأخرى بل أوقف الفن المنصرف عقائدياً وسلوكياً ووضع الفن في دائرة الاختيار فكان تحرراً للفن وتحرراً للفنان. والفن الاسلامي يوسع رقعة الفن ليشمل كل ما هو جميل من خلال قاعدة فسيحة تشمل كل الوجود لأن الفن هو التعبير الجميل عن حقائق الوجود ليتحدث عن الكون فيراه خلية متعافاة ذات روح تسبِّح وتخشع وبهذا تتوسع دائرة الفن من خلال توسيع دائرة الاشواق حتى تشمل الأشواق العليا، وهكذا تنسجم رسالة الفن والابداع مع رسالة الاسلام الخالدة في دعوتها للحق والخير والجمال والاعتدال والنظام.