|
|
|
|||||||
| منتدى نصرة فلسطين والقدس وقضايا أمتنا العربية منتدى مخصص لطرح المواضيع المتنوعة عن كل ما يتعلق بالقدس الشريف والقضية الفلسطينية وقضايا الأمة العربية . |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||
|
الهجرة للولايات المتحدة وأثرها في تغير ملكية الأراضي ونشوء زعامة محلية جديدة د. صالح عبد الجواد 2009-09-26 حالة مدينة البيرة 1919-1947 مقدمـــة : في المائة عام الأخيرة صدر العديد من الكتب ومئات المقالات في الولايات المتحدة عن موضوع الهجرة السورية وخصوصا اللبنانية إلى الولايات المتحدة. الغالبية الساحقة من هذه الأعمال صدرت باللغة الإنجليزية، وركزت، بالأساس، على دوافع الهجرة وظروفها، وعملية تكيف واندماج المهاجرين في مجتمعاتهم الجديدة، وموضوع الهوية، متجاهلة أثار الهجرة والشتات على المجتمع الأم. هذا المقال يسير في الاتجاه المعاكس، إذ يعالج أثرين مهمين للهجرة من بلدة البيرة الفلسطينية للولايات المتحدة على المجتمع المحلي : الأول، التغير الذي طرأ على ملكية الأراضي خلال عهد الانتداب. تَمَـثل هذا التغيير، الجذري بمختلف المقاييس، في انتقال جزء مهم من الأرض، من خلال عمليات الشراء والبيع، من أيدي الفلاحين المقيمين من سكان البلدة، فقراء كانوا أم ميسوري الحال، إلى أيدي الذين هاجروا للولايات المتحدة وحققوا فيها نجاحاً ملحوظاً، سمح لهم بادخار فائض مالي استثمروه في الوطن الأم في مجال الأرض والعقارات. أما الثاني، فمرتبط بالآثار العميقة والمباشرة والسريعة لهذا التغيير على الحراك الاجتماعي وبروز زعامة محلية جديدة. الإطار الزمني لهذه الدراسة محدد بحوالي نصف قرن من الزمان، من عام 1909، عندما غادر أول مهاجر من البيرة للولايات المتحدة، حتى نكبة فلسطين عام 1948. وتغطي هذه الفترة موجتين من موجات الهجرة تفصل بينهما الحرب العالمية الأولى (1914-1918) التي شلت، مؤقتا، حركة الهجرة والسفر من فلسطين للولايات المتحدة وبالعكس. إلى أي حد يمكن تعميم استنتاجات هذه الدراسة على بقاع أخرى من فلسطين ؟ لا شك بأن التنوع في القرى والبلدات الفلسطينية يمنع التعميم بشكل آلي على كل قرى وبلدات فلسطين التي مرت بتجربة الهجرة المبكرة للأمريكيتين، بدءا من بلدة بيت لحم ومحيطها، منذ سبعينيات القرن التاسع عشر. فلكل بلدة أو قرية ظروفها وخصائصها المتميزة (عدد السكان، الاقتصاد، مستوى ونوعية التعليم، بداية الهجرة ووجهتها، التركيبة الطائفية، طبيعة العلاقة مع مركز إقليمي) وهي عناصر متفاعلة تؤثر في تجربه الهجرة، وتفرز في كل مكان ديناميات خاصة به. وفي الوقت نفسه لا يمكن أن نغفل حقيقة وجود عناصر مشتركة وأثار متشابهة، خصوصا في مناطق أتيحت لنا دراستها كرام الله . وسنرى خلال الدراسة، وإن كان عرضاً، كيف تأثرت رام الله، خلال نفس الفترة الزمنية المبحوثة، ببعض الآثار والاتجاهات التي ظهرت في البيرة. وكلي أملُ أن تكون هذه الدراسة، وهي مجرد جزء بسيط من عمل مستمر منذ عام 1995عن تاريخ البيرة وتاريخ أهلها، لبنة في مدماك المحاولات الحديثة التي تبذل لكتابة التاريخ الاجتماعي الحديث لفلسطين، ولإدخال الفلسطينيين العاديين في هذا التاريخ، والتي أخذها على عواتقهم كل من الراحل الكسندر شولش، روز ماري صايغ، تيد سويدنبرغ، وبشارة دوماني. المصادر : تعتمد دراستي بالأساس على الأوراق الشخصية لعدة عائلات بيراوية، وأهمها المجموعة الخاصة بالشقيقين علي وعبد الله جودة خلف من حمولة الطويل، ومجموعة الشقيقين عثمان وصالح العطا من حمولة الحمايل. وهما مجموعتان غنيتان تضمان ما لا يقل على 100 وثيقة ومعاملة وحجة أرض وفواتير ومعاملات مالية متنوعة، تبدأ من عام 1880 وحتى عام 1946. كما اعتمدت على عشرات من المقابلات الشفوية التي سجلناها بين 1989-2008 مع عدد من أبناء المدينة المعمرين، بما فيها مقابلات أجريناها في نيويورك وفرجينيا وواشنطن وفلوريدا ونورث كارولينا وكاليفورنيا. كما استندت الدراسة إلى مجموعة متنوعة من المصادر؛ أولية كالصحف، وثانوية منها الكتب والدراسات التي طرقت موضوع ملكية الأراضي والهجرة السورية للأمريكيتين، أي الهجرة من البلاد التي كانت تشكل الفضاء الجغرافي والثقافي لما كان يطلق عليه مصطلح " بلاد الشام". ورغم أن هذه الدراسة ما كان لها أن تستكمل بدون هذه الأوراق العائلية، فإن استخدامها لمصادر متنوعة يُظهر مرة أخرى أفضليته في كتابة تاريخ أكثر صدقاً وواقعية. مقارنة بالعديد من المصادر لدراسة التاريخ الاجتماعي (شفهية كانت أو مكتوبة، رسمية أو خاصة)، فإنني أعتقد أن الأوراق العائلية المختلفة (عقود وحجج بيع وشراء الأرض، وصولات الضرائب، عقود الزواج، أوراق المعاملات التجارية..الخ) أقل عرضة للانحياز أو التزوير، أو إسقاط الحاضر على الماضي، كما هو حال الكثير من المصادر الثانوية المكتوبة أو المقابلات الشفوية أو أوراق السير الذاتية إذ ظلت هذه الأوراق عبر السنين، على ما هي عليه دون تحريف أو تعديل. ولعل هذا يشرح تعاظم أهمية هذه الأوراق كمصدر في أبحاث التاريخ الاجتماعي، خصوصا في حالة فلسطين، التي تميزت وما تزال بعدم الاستقرار السياسي، وبمصادرة وتدمير المصادر المكتوبة، بما في ذلك الأوراق العائلية، وقلة الوعي بأهمية الوثائق والتوثيق، وغياب مؤسسات دولة تأخذ تحت جناحها عملية الحفاظ على الإرث الشفهي والمكتوب. وقد وثقت في مقال سابق كيف دمر ونهب وضاع كثير من الأوراق العائلية والشخصية (كجزء من المصادر المكتوبة) نتيجة الأوضاع السياسية المتقلبة في فلسطين. وإذا كان هناك من تساؤلات توجه لهذا النوع من الوثائق فهي لا تتعلق بصدق وأهمية مثل هذه الأوراق التي تقع بين يدي الباحث، فهذه – كما قلنا - ليست موضع خلاف أو جدال، وإنما بحجم ونوعية المواد الذي تمثلها الأوراق المتاحة بين أيدينا، والتي تخص عائلة ما، من إجمالي الأوراق التي تخص نفس العائلة ؟ فهناك أوراق ضاعت، وهناك أوراق تُحجب عن الباحثين نتيجة لتحفظ مالكي هذه الأوراق على عرض أوراق لعائلاتهم قد تحكي قصص غير مرغوب فيها. وكلا العاملين يحددان مساحة ومجال المعرفة، ويضعان الباحث في دائرة "الانتقائية" المفروضة عليه فرضا، ونحن نعلم أن الانتقائية هي إحدى السلبيات الرئيسية لأي بحث علمي. هيكل الدراسة : هذه الدراسة مقسمة لعدة أبواب : مدخل سريع حول العقبات المنهجية المتعلقة بدراسة الأرض وملكيتها في منطقة رام الله، وهي صالحة للتعميم على مجمل الحالة الفلسطينية؛ تعريف بالسيرة الشخصية لأصحاب هذه الأوراق العائلية : الشقيقين عبد الله وعلي جودة خلف الطويل والشقيقين عثمان وصالح العطا؛ الهجرة للولايات المتحدة والتغيرات التي طرأت على ملكية الأرض نتيجة لها؛ أثر هذا التغير على الاقتصاد السياسي للمدينة وانعكاساته على بروز زعامة جديدة أطاحت بالزعامة التقليدية القديمة. عقبات وملاحظات منهجية على موضوع الأرض : يعالج الباحث التحولات في ملكية الأرض في عهد الانتداب، وهو عهد قصير نسبياً رغم التحولات الجذرية التي نجمت عنه، فهو مضطر إلى إجراء مقارنة مع ما كان عليه وضع الأرض في الأيام الأخيرة للعهد الذي سبقه (العهد العثماني)، الأمر الذي يضعه في مواجهة الكثير من العقبات المنهجية والفنية. وأهم هذه العقبات والمشاكل : - طبيعة حجج البيع والمشاكل المتعلقة بتسجيل الأراضي ومعاملاتها : فتنظيم أمور بيع وانتقال الأرض، بما في ذلك وثائق البيع، لم تستقر إلا في فترة متقدمة من عهد الانتداب. فكثير من معاملات حجج البيع التي فحصناها في السنوات التي تلت احتلال فلسطين (1917-1918) حافظت على نفس مثالب حجج البيع في العهد العثماني، مثل غياب تحديد موقع ومساحة القطعة بدقة. كما أن كثيرا من الأراضي لم تكن مسجلة بالطابو. على أي حال، تخلوا حجج البيع الخاصة بعلي وعبد الله جودة خلف، وصالح وعثمان العطا، والتي كتبت في السنوات الأخيرة من العهد العثماني وبداية عهد الانتداب، من تحديد مساحة قطعة الأرض على الإطلاق. كما أن تحديد الموقع في هذه الحجج كان يتم من خلال حدود أرض الجيران التي قد تكون هي نفسها موضع نزاع أو غموض وهناك كثير من الحجج التي تتضمن عبارة "وشهرتها تغني عن ذكر حدودها". وفقط في المراحل اللاحقة من عهد الانتداب أصبحت مساحة الأرض تُحدد بدقة في معاملات البيع، عندما أنجزت سلطات الانتداب عملية مسح معظم أراضي فلسطين، وحددت نقاط التثليث، التي سمحت برسم خرائط دقيقة، ووحدت عمليات وإجراءات التسجيل، وحطمت بلا رجعة وجذرياً نظام المشاع . وهي إجراءات كان هدفها الحقيقي، وإن غير المعلن، تسهيل عملية انتقال الأرض لليهود وتحسين جباية الضرائب . - الكتابة بالعامية واختلاف دلالات المقاييس : معظم الحجج في نهاية العهد العثماني وبداية عهد الإنتداب كتبت بالعامية وهذا يضيف عبئاً على الباحث الذي يجد صعوبة في ضبط دلالات بعض الألفاظ، خصوصاً في ظل غياب قاموس مقارنة للعامية. وفي هذا السياق هناك تباين واختلاف في دلالات المصطلحات المحلية الدارجة على السنة السكان والخاصة بمساحة قطع الأرض مثل : الحاكورة، الفدان، الحبلة، المارس، الحريقة، الخلة (خلت)، المعاديد...الخ - مشكلة العملات المستخدمة في عمليات الشراء والبيع : تعدد العملات السائدة في فلسطين وعدم اسقرار سعر صرفها، يصعب على الباحث إجراء المقارنة والتقييم لأسعار الأراضي ومعدل ارتفاعها. فالاختراق الغربي السياسي والاقتصادي والثقافي للدولة العثمانية، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتراجع الثقة في العملة العثمانية بسبب غش نسب الذهب او الفضة المستخدمة في النقود المعدنية، سمح بتدوال عملات اجنبية مختلفة فإضافة إلى الليرة العثمانية الذهب، أو العصملية، والتي عرفت أيضاً بالمجيدية نسبة للسلطان عبد المجيد، شاع تداول الليرة الانجليزية الذهب، والليرة الفرنسية الذهب. وبعد سقوط فلسطين 1917-1918 ظل التعامل بالليرة الذهبية الإنجليزية ساريا في بعض صفقات الأرض. لكن العملة المصرية بمختلف أنواعها، الذهبية والفضية والنكلية والورق، أصبحت العملة الرسمية في فلسطين ابتداء من 1 شباط 1921 حتى صدرت العملة الفلسطينية عام 1927، والتي كانت العملة الرسمية في شرق الأردن أيضاً حتى عام 1949. وهكذا خَفَ التعامل بالعملة المصرية إلى أن حُرِم التعامل بها كعملة قانونية في فلسطين بعد يوم الحادي والثلاثين من شهر آذار 1929. - المشاكل الخاصة بأسماء المواقع : فهناك تغير ملحوظ في أسماء المواقع مع تقلب الزمان، الأمر الذي يُصعب متابعة وتحديد مواقع قطع الأرض. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فما يعرف اليوم في البيرة بمنطقة "البالوع" كان اسمها الشائع حتى الأربعينيات "مكب المية". وما كان يطلق عليه اسم أرض "البقيع" يعرف حالياً باسم "الميدان" (لأنه في فترة الانتداب استخدم ميداناً لسباق الخيل). ومشكلة الأسماء ليست خاصة بالفترة العثمانية فحسب، بل هي ظاهرة مستمرة حتى اليوم، ولا هي مقتصرة على أسماء المواقع والمناطق، بل هي ظاهرة عامة تشمل أسماء المعالم والميادين والحارات...الخ. وليس هناك اليوم إلا بضعة معمرين من ابناء البيرة ممن يعرفون أسماء أو مواقع الحارات القديمة كحارة الزيد أو حارة الهِري أو حارة الشراقة، التي استبدلت بأسماء جديدة، ودرست معالمها القديمة بشكل شبه تام حيث قامت مكانها أحياء وشوارع جديدة. وظاهرة عدم احترام المسميات القديمة ناجمة عن ضعف الوعي بأهمية الحفاظ على الأسماء التاريخية خصوصاً في المجتمعات المحلية؛ أو انعكاس لدور وظيفي أو حدث جديد؛ أو بروز شخصية ما طغى اسمها على اسم المكان القديم. وعلى سبيل المثال، فإن عين زليخة (على جبل قرطيس) سميت باسم امرأة اسمها زليخة تفانت في العناية بالأرض التي من حولها فاختفى الأسم القديم للعين؛ أو لأسباب أيدولوجية أو وطنية، وعلى سبيل المثال فقد دُشن المسجد الرئيسي في البيرة في مطلع الستينيات باسم جامع البيرة الكبير، وبعد وفاة عبد الناصر عام 1970 قرر رئيس المجلس البلدي في حينه إطلاق اسم مسجد جمال عبد الناصر عليه. وفي السنوات الأخيرة وبعد بروز حركة حماس أطلق عليه الإسلاميون مسجد سيد قطب (نلاحظ الارتباك الناتج اليوم من تداول الناس للتسميات الثلاث لنفس المسجد، وإن ظل اسم مسجد عبد الناصر هو الطاغي). - تذبذب أسماء الأفراد، وانقطاع وتغير أسماء العائلات : وهو أمر يُصعب على الباحث تتبع ملكية الأرض وترسُّم تاريخ عائلاتها. تظهر مشكلة أسماء العائلات حتى في المدن , وقد ساهم وقوع فلسطين تحت أنظمة سياسية مختلفة في زيادة حدة هذه الأزمة . وعلى سبيل المثال، فإن إسرائيل فرضت منذ احتلال عام 1967 تسجيل اسم الحمولة كأسم عائلي أخير، من أجل تحديد وتصنيف السكان كي تسهّل عملية الرقابة والسيطرة، وفي محاولة منها لإحياء النعرات والعصبيات بين الناس (فرق تسد). والغريب أننا لا نجد في وثائق المحكمة الشرعية في القدس في القرن التاسع عشر، والخاصة بمعاملات البيرة، أي استخدام لاسم الحمولة كاسم أخير للشخص أو لتحديد عائلته. ولا تقتصر مشكلة الأسماء في البيرة على أسماء العائلات، بل وتمتد إلى أسماء الأفراد أنفسهم التي خالطتها الألقاب، أو إلى اختلاف اسم العائلة لأشقاء من نفس الأسرة، وهو ما يضفي الكثير من الصعوبات. بيد أنه لا مكان في هذه الدراسة القصيرة للخوض في هذا الموضوع الذي تخالطه الطرافة، والذي يلقي الضوء على جانب مهم من العلاقات الاجتماعية والبيئة الثقافية المحلية. - مشكلة الوصول للوثائق في مراكز الأبحاث والدوائر الحكومية أو المجالس البلدية الخاصة بالأرض ومعاملاتها : فمعظم هذه المؤسسات تمنع فحص أرشيفها، أو تقيد، أو تحدد، أو تعقد عملية الاستفادة من هذه الوثائق، أو تفرض قيود صارمة على التصوير. السيرة الشخصية لأصحاب الأوراق العائلية ولد كلا الشقيقين عبد الله وعلي جودة خلف الطويل في البيرة حوالي عام 1890.... توفي عبد الله ودفن في البيرة عام 1968.... أما شقيقه علي فقد توفي ودفن في دمشق بعده بثمانية أعوام. الشقيقان كلاهما كانا ظاهرة استثنائية على صعيد الحياة المحلية، ليس بفضل الثروة الكبيرة التي جمعاها من المهجر فحسب، بل وبفضل مشاركتهما في عمل الصالح العام ونشاطهما السياسي في البيرة والمهجر. من بين الشقيقين كان تنوّر علي جودة خلف استثنائي بكل المقاييس لرجل على قدر بسيط من التعليم خرج من فلسطين. استطاع علي بفضل مكانته وعطائه ونشاطه التعرف على و مصادقة مجموعة واسعة من أحرار ومثقفي العالم العربي في المهجر وبلاد الشام كأمين الريحاني وشكيب أرسلان وعبد الرحمن الشهبندر وشكري القوتلي ورشيد طليع وسليمان النابلسي، وعبد الله الريماوي.. الخ. هاجر الشقيقان اليافعان للولايات المتحدة في وقت مبكر قبيل الحرب العالمية الأولى. وبعد أن عمل الاثنين كبائعين متجولين (باعة "كـشة"، وهو الاسم الشائع في حينها بين السوريين، أو "بدلرز" وهو الأسم الأمريكي)، قام علي، الأكثر مهارة بين الشقيقين في شؤون الأعمال التجارية، بـتأسيس شركة "البيرة كومباني" لبيع ملابس النساء الداخلية والسجاد والنوفوتيه بالجملة في قلب جزيرة مانهاتن (في 85 شارع واشنطن، وهو الشارع الذي شكل مركز تجمع المهاجرين السوريين الأوائل في نيويورك). أما عبد الله، الذي ربطه وشقيقه نوع من تقاسم الوظائف، فقد عاد إلى البيرة نهائياً بعد الحرب العالمية الأولى. علي يوفر المال من خلال "البيرة كومباني"، وعبد الله يشرف على مصالح العائلة في البيرة، وأهمها عمليات شراء آلاف الدونمات باسم الشقيقين في البيرة وفي مناطق مختلفة من فلسطين، ويلعب دورا رئيسا في تزعم الحياة السياسية والاجتماعية في البيرة في القرن الماضي، حيث شغل، ومنذ مطلع العشرينيات، ولعدة مرات، منصب رئيس المجلس المحلي. وقد نال لقب أفندي ،وهو لقب تركي من أصل يوناني ومعناه السيد و أخذ في استخدامه في أواخر العهد العثماني، وكان مقصورا على طبقة الوجهاء وكبار الملاك في المدن . كما أصبح أول رئيس لبلدية البيرة عندما تحول وضع البيرة من مجلس محلي إلى مجلس بلدي في مطلع عام 1952 . وقد عُرِفَ عبد الله جودة خلف بالنزاهة المالية ونظافة اليد، إذ لم يعرف عنه استغلال منصبه لأغراض شخصية. وقد مارس، كما يفترض بأي زعيم محلي، الكرم والإنفاق من ماله لتمكين "زعامته وصيته".... غير أن الأمر لم يخل من أقلية حاسدة. نعود لعلي جودة خلف ، الذي انضم إلي شركته في وقت ما عبد الحميد شومان (مطلع عشرينيات القرن العشرين) الذي أسس لاحقاً "البنك العربي" الشهير . وبدون أدنى شك، فإن جزءاً من رأسمال شومان الذي استثمره في تأسيس هذا البنك جاء من خلال هذه الشركة التي كانت محطة هامة في بناء ثروته. اقترح شومان على شريكه علي ترك الولايات المتحدة نهائياً والانضمام إليه كأحد المساهمين في مشروع البنك، وهو الاقتراح الذي لقي الرفض. هو رفض ندم عليه، في ما بعد، علي جودة خلف، الذي لم يؤمن بإمكانية نجاح المشروع، ورأى في عرض شريكه - العصامي والسابق لعصره – مجرد عرضٍ قائم على الأحلام والتمنيات. في عام 1921 أسس فؤاد شطارة "جمعية النهضة الفلسطينية" في نيويورك , وكان علي جودة خلف، بالإضافة إلى جميل السلطي وإبراهيم حبيب كاتبة وبطرس جورج شحادة والقس إبراهيم رحباني، أبرز أعضائها. كانت الجمعية بالإضافة ل "الجمعية الفلسطينية لمقاومة الصهيونية" (تأسست عام 1918) إحدى أهم وأول الجمعيات الفلسطينية في المهجر والتي قاومت النفوذ الصهيوني في الولايات المتحدة. كما سعت إلى هدف قلما كان في ذهن وأهداف الجمعيات العربية التي تشكلت في المهجر ألا وهو تسهيل العودة النهائية " للذين يودون الرجوع إلى فلسطين من أبنائها المهاجرين". وفي أيلول 1924 انتخب علي جودة خلف كرئيس للجمعية كخلف لفؤاد شطارة الذي أصبح أمين الصندوق. سياسياً كان علي كشقيقه عبد الله من أنصار اللجنة التنفيذية العربية برئاسة موسى كاظم الحسيني ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى الحاج أمين الحسيني . وسرعان ما أصبح عبد الله أحد أبرز ممثلي منطقة رام الله والبيرة في المؤتمرات والمجالس الوطنية خلال عهد الانتداب. كما أسس الشقيقان مجموعة من المشاريع والشركات المساهمة الكبيرة في البيرة، ومنها ما يحاكي التجربة الامريكية، مثل "شركة النجاح"، والتي كانت استنساخاً لتجربة (department stores). غير أن مصيرها كان الفشل، كمصير الشركات التي أسسها مغتربو رام الله في مدينة رام الله من قبلهم. أما الشقيقان عثمان وصالح العطا، واللذان يمثلان نموذجاً تقليدياً لمعظم المهاجرين الاوائل أكثر من حالة الأخوين عبد الله وعلي جودة خلف، فيشكلان حالة مختلفة عن حالة الشقيقين خلف رغم بعض أوجه الشبه في التجربة , إذ لم تكن لديهما أي مشاركة في الحياة العامة للبيرة، أو أي مشروع ثقافي أو اقتصادي أو سياسي عام. كما ان عملهما في الولايات المتحدة اقتصر على البيع بالكشة. نجاحهما فإن حجم الثروة التي جمعاها ظل محدوداً نسبياً مقارنة بالشقيقين خلف. الهجرة للولايات المتحدة والتحولات على ملكية الأرض في نهاية الخمسينيات، عندما كان الزوار والسياح إلى رام الله والبيرة يتطلعون إلى منازل المغتربين الحجرية الجميلة التي تنتصب فوق تلال رام الله والبيرة وتتوسد وديانها، كان الاعتقاد أن الهجرة ماهي إلا قصة نجاح سهلة. كانت البيوت الحجرية القائمة شاهدا ماديا لا شك فيه على الحلم الأمريكي في أبرز تجلياته. لم يخطر في ذهن هؤلاء أن هناك وجها آخر للهجرة، وهو وجه اختفى على نحو ما من الذاكرة الجماعية، أي قصة المئات الذين رحلوا ولم يعودوا لا أثرياء كما كانوا يحلمون ولا حتى فقراء. فالعديد منهم مات واختفت آثاره كأن الأرض قد بلعته , ومنهم من لم يعد لأنه لم يستطع توفير ثمن تذكرة رحلة العودة، أو كان غير قادراً على تحمل الثمن الاجتماعي للفشل وخيبة الأمل. فلم تكن الهجرة، في كثير من الأحيان، رحلة في بلاد الالدرادو (بلاد الذهب) , لذا فالعديد من المهاجرين لم يجد فقط أن الطرق في "أميركا" ليست معبدة بالذهب كما كان يحلم ويفكر، بل إن بعضها لم يكن معبداً على الإطلاق، بحيث قضى حياته شقاء في تعبيد هذه الطرق. غير أن قصص النجاح وشواهدها المنتصبة هي التي أدارت رؤوس الناس. أما أولئك الذين ضاعوا أو خابت آمالهم، وهم كما قلنا يعدون بالمئات ، فقد لفهم النسيان واختفوا على نحو ما من الذاكرة الجماعية، فلم يكونوا إلا كمجانين وسجناء ميشيل فوكو من المهمشين الذين لا يريد أحد أن يتذكرهم. أما الزوجات والأبناء الذين انتظروا في الوطن، دون جدوى، تحويلاتهم النقدية أو عودتهم، فقد جنوا المرارة. غير أن هذه الورقة ليست مجالاً للبحث في هذا الجانب من الهجرة وإنما في جانبها الناجح. على عكس توأمها رام الله، والتي شهدت بعض حالات الهجرة العائلية في موجة الهجرة الأولى قبل الحرب العالمية الأولى، كانت موجة الهجرة الأولى من البيرة فردية وذكورية تماماً ودونما أي استثناء. وفي حين تعاظمت الهجرة العائلية من رام الله خلال موجة الهجرة الثانية، التي انطلقت بعد نهاية الحرب الكونية الأولى واستمرت حتى عام 1948، فإن البيرة لم تسجل سوى حالات محدودة جداً من الهجرة العائلية - في وقت متأخر من الأربعينيات - لا تتعدى عدد أصابع اليد الواحدة خلال نفس الفترة. الاقتصار على الهجرة الفردية كان له أبعاد ديموغرافية واقتصادية مهمة (فيما يتعلق بمراكمة رأس المال واستخداماته). فاقتصار الهجرة على الرجال سمح بتقليل حجم الإنفاق في الولايات المتحدة بشكل كبير، وبتركيز حركة راس المال والتحويلات النقدية باتجاه الوطن. وهي عوامل ساهمت بدورها في تعزيز وتعميق اثار الهجرة على الحياة المحلية. الناجحون من المهاجرين، الذين استطاعوا تحقيق ربح مجز، وتحويل عائداته للوطن، كانوا من بين أولئك الذين عملوا كباعة "كشة" متجولين من مكان إلى أخر، وليس أولئك الذين عملوا في المصانع والفبارك والمزارع وتعبيد الطرق، وهي اعمال ووظائف محدودة الدخل لا تسمح بتحقيق فائض مالي مجزي. لقد لعب المهاجرون الفلسطينيون كجزء من الهجرة السورية دور "الجماعة الوظيفية" في المجتمع الأمريكي. وظاهرة الجماعة الوظيفية ظاهرة توجد في جميع المجتمعات...يحدِّد د. عبد الوهاب المسيري مفهوم الجماعة الوظيفية بأنها جماعة يستوردها المجتمع من خارجه أو يجنِّدها من داخله، تُعرَّف بالأساس في ضوء وظيفتها، ويَكِل المجتمع إليها وظائفَ لا يضطلع بها عادةً أعضاءُ المجتمع، إما لأنها مُشينة أو وضيعة (البغاء ـ الربا- البيع عن طريق طرق الأبواب)، أو متميِّزة وتتطلب خبرة خاصة (الطب والترجمة)، أو أمنية وعسكرية (الخِصْيان ـ المماليك)، أو لأنها تتطلب الحياد الكامل (التجارة وجمع الضرائب). ويتسم أعضاء الجماعة الوظيفية بالحياد، وبأن علاقتهم بالمجتمع علاقة نفعية تعاقدية، وهم عادةً عناصرُ حركية لا ارتباطَ لها ولا انتماء مع المجتمع الذي تفد إليه وتعيش على هامش المجتمع في حالة اغتراب، ويقوم المجتمع بعزلها عنه ليحتفظ بمتانة نسيجه المجتمعي. |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 2 | |||
|
وفي هذا السياق يجب أن نتذكر أن الولايات المتحدة لم تكن تعرف، في حينه، نظام المخازن ومجمعات الأسواق التجارية الضخمة المنتشرة في كل مكان كما هو الحال الآن (malls and department stores). |
|||
|
![]() |
|
|