ذكر الموت لحجة الإسلام الإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله. - 1 -
قول المولى تبارك وتعالى في سورة الجمعة:
قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون
الحمد لله الذى قصم بالموت رقاب الجبابرة, وكسر به ظهور الأكاسرة , وقصر به آمال القياصرة, الذين لم تزل قلوبهم عن ذكر الموت نافرة, حتى جاءهم الوعد الحق فأرداهم فى الحافرة, فنقلوا من القصور إلى القبور , ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود, ومن ملاعبة الجوارى والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان, ومن التنعم بالطعام والشراب إلى التمرغ فى التراب, ومن أنس العشرة إلى وحشة الوحدة, ومن المضجع الوثير إلى المصرع الوبيل , فانظر هل وجدوا من الموت حصنا وعزا واتخذوا من دونه حجابا وحرزا؟ وانظر هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا؟ فسبحان من انفرد بالقهر والاستيلاء واستأثر باستحقاق البقاء وأذل أصناف الخلق بما كتب عليهم من الفناء, ثم جعل الموت مخلصا للأتقياء وموعدا فى حقهم للقاء, وجعل القبر سجنا للأشقياء وحبسا ضيقا عليهم إلى يوم الفصل والقضاء , فله الإنعام بالنعم المتظاهرة, وله الانتقام بالنقم القاهرة, وله الشكر فى السموات والأرض, وله الحمد فى الأولى والآخرة , والصلاة على محمد صلى الله عليه وسام ذى المعجزات الظاهرة والآيات الباهرة, وعلى أزواجه وآله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا , أما بعد
فجدير بمن الموت مصرعه , والتراب مضجعه, والدود أنيسه, ومنكر ونكير جليسه, والقبر مقره, وبطن الأرض مستقره, والقيامة موعده, والجنة أو النار مورده, أن لا يكون له فكر إلا فى الموت , ولا ذكر إلا له, ولا استعداد إلا لأجله, ولا تدبير إلا فيه, ولا تطلع إلا إليه, ولا تعريج إلا عليه, ولا اهتمام إلا به, ولا حول إلا حوله , ولا انتظار وتربص إلا له, وحقيق بأن يعد نفسه من الموتى, ويراها فى أصحاب القبور , فإن كل ما هو آت قريب, والبعيد ما ليس بآت , وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ..أي العاقل هو من حاسب نفسه قبل أن يحاسب, وعمل لما بعد الموت, ولن يتيسر الاستعداد للشيء, إلا عند تجدد ذكره على القلب, ولا يتجدد ذكره, إلا عند التذكر بالإصغاء إلى المذكرات له, والنظر في المنبهات عليه, ونحن نذكر من أمر الموت ومقدماته ولواحقه وأحوال الآخرة والقيامة والجنة والنار ما لا بد للعبد من تذكاره على التكرار, وملازمته بالافتكار والاستبصار, ليكون ذلك مستحثا على الاستعداد, فقد قرب لما بعد الموت الرحيل, فما بقي من العمر إلا القليل, والخلق عنه غافلون, وكما قال تعالى: اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون, نعم هم معرضون عن ذكر الموت, والنبي صلى الله عليه وسلم قال: أكثروا من ذكر هذام اللذات, قالوا: وما هاذم اللذات يا رسول الله؟ قال:الموت.
وأعلم أن المنهمك في الدنيا المكب على غرورها, المحب لشهواتها, يغفل قلبه لا محالة عن ذكر الموت, فلا يذكره, وإذا ذكره كرهه ونفر منه, أولئك هم الذين قال الله فيهم: قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون
ثم الناس ثلاثة: إما منهمك وإما تائب مبتدئ أو عارف منته.
أما المنهمك فلا يذكر الموت وإن ذكره فيذكره للتأسف على دنياه ويشتغل بمذمته وهذا يزيده ذكر الموت من الله بعدا.
وأما التائب فإنه يكثر من ذكر الموت, لينبعث به من قلبه الخوف والخشية, فيفي بتمام التوبة, وربما يكره الموت خيفة من أن يختطفه قبل تمام التوبة , وقبل إصلاح الزاد, وهو معذور في كراهة الموت, ولا يدخل هذا تحت قوله صلى الله عليه وسلم: من كره لقاء الله كره الله لقاءه , فإن هذا ليس يكره الموت ولقاء الله, وإنما يخاف فوت لقاء الله لقصوره وتقصيره وهو كالذي يتأخر عن لقاء الحبيب مشتغلا بالاستعداد للقائه على وجه يرضاه , فلا يعد كارها للقائه وعلامة هذا أن يكون دائم الاستعداد له لا شغل له سواه ,وإلا التحق بالمنهمك في الدنيا.
وأما العارف فإنه يذكر الموت دائما , لأنه موعد لقائه لحبيبه, والمحب لا ينسى قط موعد لقاء الحبيب, وهذا في غالب الأمر يستبطئ مجيء الموت, ويحب مجيئه ليتخلص من دار العاصين وينتقل إلى جوار رب العالمين, كما روى عن حذيفة رضي الله عنه , أنه لما حضرته الوفاة قال: حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم, اللهم إن كنت تعلم أن الفقر أحب إلي من الغنى والسقم أحب إلى من الصحة والموت احب إلى من العيش فسهل على الموت حتى ألقاك.
فإذن التائب معذور في كراهة الموت وهذا معذور في حب الموت وتمنيه , وأعلى منهما رتبة من فوض أمره إلى الله تعالى , فصار لا يختار لنفسه موتا ولا حياة, بل يكون أحب الأشياء إليه احبها إلى مولاه, فهذا قد انتهى بفرط الحب والولاء إلى مقام التسليم والرضا , وهو الغاية والمنتهى, وعلى كل حال , ففي ذكر الموت ثواب وفضل, فإن المنهمك أيضا يستفيد بذكر الموت التجافي عن الدنيا , إذ ينغص عليه نعيمه ويكدر عليه صفو لذته, وكل ما يكدر على الإنسان اللذات والشهوات فهو من أسباب النجاة.
يتبع ......