اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد الكامل بن زيد
إليهما ..الى الولدين ..هاني و رمزي
مضيا ينتشيان بعبق الطفولة بين الأشجار الباسقة ..يد في يد ..قلب في قلب ..عين في عين ..ونفس في نفس..خطواتهما الأولى امتزجت بين السكون والضحك..سكون الدهشة وضحك الحيرة ..يبحثان بأنفاس لاهثة عن ملاذ آخر دافئ ..خارج أسوار المدينة .. وجدا نفسيهما مدفوعين بقوة خفية بعد أن غلبت عليهما قناعة صماء وأبرقت في ذهنهما وصورت لهما أن دخول الغابة أهون من البقاء داخل الأسوار..كأنها شرارة تجربة فريدة سيقومان بها وكأنّ الفكرة سقطت من السماء ..إذ لم يكن البحث عن ملاذ آخر غير حل أخير بعد أن أرعبتهما المدينة بقسوتها ..هما ما زالا طفلين ولم يبلغا الحلم بعد..حلم التحليق الى خلف السموات حيث الدمى ..والرسوم المتحركة ..حيث طوم وجيري ..حيث طيور الجنة..فكل من في البيت ..الشارع ..الحي ..المدينة ..يطلب منهما فعل الكثير والكثير ..كل حركة منهما معقودة بصراخ عنيف وضيق شديد..إذا أرادا اللعب أو التنزه أو حتى التفرغ لمشاهدة التلفاز جاءتهما الأوامر من هذا وذاك ..لا..لا..مرفوض ..أمامكما الدارسة ..وقت اللعب مازال طويلا ..اهتما بدروسكما. ..
أحسا بذنب عظيم يسرق ابتسامتهما العفوية ..جدار حديدي صنع من فولاذ.. كلما حاولا أن يثقباه إلا وعاد إلى صورته الأولى ..يصرخان ملء الأعماق ..الآفاق ..نحن ما زلنا طفلين لم نهنأ بحايتنا الطبيعية.. بطفولتنا.. لم نشبع من نثر الثرى فوق رؤوسنا ..لم نهنأ بحريتنا المهزومة ..
الجو الماطر غافل نشوتهما ..وأصبحت الأوحال تتلاحم بشكل رهيب..خيّل لهما أنها أيد عملاقة تحاول أن تدحرجهما الى أسفل الأرض ..ولم يجدا بدا من الاحتماء داخل جوف شجرة عملاقة..فطريق العودة أصبح مسدودا وأصبحت معه الغابة أمامهما غامضة.. أكثر وحشة ..أصبحت تحاور هواجسهما وتزيد من اتساع رقعة خيالهما..تحكي لهما عن حكايات العفريت الأزرق..عن الذئب الذي أكل ليلى ذات القبعة الحمراء ..لم يدركا أنّ اللحظة التي برقت فيها الفكرة ..فكرة الخروج ما هي إلا لحظة طيش ..
الليل رمى بإزاره الأسود الثقيل فوق الأرجاء حتى اضمحلت داخله أنوار المدينة .. والقمر هذه المرة خان عهدهما بتواريه خلف الغيوم الكثيفة ..ربما هو أيضا فزع من القصص المرعبة التي تحكيها الغابة وأشجارها الباسقة..
الفكرة لم تكن فكرة.. والتجربة لم تكن اختبارا بل كان وهما ..سرابا قادهما الى حلقة مفرغة ..ليس للنجاة معها سبيل ..فأخذا في الصراخ والبكاء الشديدين ..أمي.. أبي.. إخوتي ..أسماء الجميع ..من في البيت ..في الشارع.. في الحي ..في المدينة ..الصدى يردد الكثير من الأسماء ولا من مجيب ...الظلمة تسرق مع سبق الإصرار الأنوار البعيدة ..أحسا بجوع عظيم يقطعهما ..نظرا في وجهيهما .. علامات التعب والإرهاق والفزع أخذت بهما مأخذا لا يستهان به ..آثرا الحضن في الحضن ..الذراع في الذراع .. والدمعة في الدمعة ..هي زادهما في هذه الليلة المشؤومة ..البرد القارص هدّ أحشاءهما ..ومعه ثقل يطبق على أهداب أعينهما..شعرا بإحساس غريب يراودهما ..إحساس ذو نشوة خاصة يرسم لهما صورة أمهما وأبيهما أختيهما ..أخوهما المعاق مجتمعين حول مائدة العشاء..أخذتهما تلك....؟ إلى عالم حالم يرونه بعيد المنال.. اغرورقت في الحين عيونهما ولم يبقيا طويلا حتى استسلما دون مقاومة ..دون عناء
وفي صباح الغد بعد أن انقشعت الغيوم وتوقفت الأمطار عن الهطول وسكتت الأشجار الباسقة عن الكلام غير المباح .. وحين وقف عليهما راعي الغنم المسكين ووجدهما ضامين بعضهما البعض ..كانت الابتسامة الطفولية رغم اللون الرمادي الذي اعتراهما تسأله ومن بعده أهل البيت ..الشارع ..الحي ..أسوار المدينة بأي ذنب قتلا ؟؟؟
بسكرة في 10 ماي 2010
|
القدير محمد الكامل بن زيد,
لم أسمع بالقصة الواقعية للتوأمين الا بعد أن قرأت قصتك هذه,
أسمع الجرس الأخرس أحد؟!
هل يُنقذ الطفولة في البيوت القاسية مثلُ هكذا موت؟! مثل هذة الواقعة البشعة للطفلين؟!, كانا ينشدان الدفء, بعض الحنان والقليل من الطفولة, الملآذ الآخر والحل الأخير كأن بداخلنا كلنا عذاب هذين الطفلين ونبحث عن الحل الأخير ..
لم يجدا سوى برد وجوع وفزع أطبق على أنفاسهما, ففارقا الحياة..!
ليت للجرس أن يُسمع (نريدُ قليلاً من الرحمة..!)
موجعة ورائعة المعاني والوصف قصتك, قصتهما..
تقبل مروري و تقديري لك.