|
|
|
|||||||
| منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا.. |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع |
التقييم:
|
انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||
|
ثورة الفقر ... سَخيتْ نفسُه فجأة ودون سابق إنذار عن إتمام العمل، فقد كان جبينه ينفصّد عرقا ورجلاه النحيفتان قد تسلل إليهما التعب وهجّتا عن حمل جسده المنهك. ألقى بالمبْلطِ يمينا و"الطالوش" يسارا ثم قعد الأُرْبعاء في صمت رهيب يتناظر ذاك السور الإسمنتي العظيم الذي يمتد حتى السماء يلامس الغمم ويحبس الأنفاس ويفشل الهمم .. يتساءل مع نفسه اللوامة كيف استطاع تشييده، وكيف سخّر جوارحه ووقته لفعل ذلك؟؟! وهو لم يبرح بالبلدة سوى بضعة شهور.. اسْتدى بيده المرتعشة صوب عروة إبريق الشاي الذي سئم لهاب نار لا تهدئ من تحته، وأنصف كأسا اعتلاها الغبار وامتزجت ببصمات أصابعه المتسخة حتى أصبح الرسم ضبابا يعيق التعرف وتمييز نوع المشروب. تمدّل الرجل ذو الخمسة وخمسين عاما بمنديل مرقّع، هو لا يبغي إخفاء البياض الذي اجتاح شعيرات رأسه الأزعر فقد لفعه الشيب منذ أن كان مراهقا، لكن شدّ رأسه بالمنديل كي يقطع الطريق عن الكريات الدموية التي تجري وتجري على وقع نغمات أعصابه الثائرة والمتوترة فتهتز عروق رأسه اهتزازا مؤلما لا تداويه أقراص الاسبرين ولا قيلولات الصيف الطويلة والشهية. ينظرُ المسكين إلى حالته كيف اتسخت وإلى تفاصيل وجهه كيف انكسرت وإلى يده كيف شُظِفتْ وإلى أحلامه كيف انقصمت وإلى ذكرياته كيف اندثرت.. يبني ويشيد، يكد ويكابد بحس أصيل وعيون واجفة وأجور بائسة بكرة وأصيلا.. في لحظة، أنشأ يفكر مليا في زوجته "ربيعة" وألاده وبناته الثلاثة، يفكر في أكياس الدقيق التي خفّ وزنها وعظُم سعرها وفي حبات الطماطم التي فُقدت في السوق وهاجرت قسرا إلى الديار الأوروبية وفي قطع اللحم.. آه .. ما أدراك ما اللحم! يفكر أيضا في شركة الكهرباء وماذا عساه يجيب السؤولين وقد قطع وعدا لجاره أن يبقيه خارجة اللعبة وألا يورطه في "شبه سرقة لنعمة الكهرباء"، يفكر في دفتر ابنه زكريا والذي صار يدون ملخصات التاريخ على ظهر أوراق الانتخابات المشتتة في الزقاق، ووزرة فاطمة كذلك، فبسببها تُطرد من المؤسسة التعليمية لأنها طويلة وفضفاضة والناظر لا يعجب الأمر كثيرا. لا تقف رحلة التفكير عند هذا البنّاء فهو يفكر كذلك في وشاح أمه الذي طلبته منه منذ كان البرد قارسا حتى هجم حر الصيف على البلدة... من حسن حظه أنها مريضة بالزهايمر. يفكر في والد أيضا، المناضل الرابض في غرفة قد نسميها خصبا إنعاشا في مستشفى شعاره الإهمال. والده يستريح، أو لنقل كذلك، لكنها استراحة محارب وهب حياته من أجل إعداد جيل جديد من حفظة القرآن الكريم، الآن، يجازى بقنينة أملاح معدنية يربط خيطها الرفيع بين موت الفقيه القادمة وحياته البئيسة وما باليد حيلة. يفكر أيضا "المعلم علي" في بطاقة تعبئة الهاتف النقال الذي صام شهرين متتابعين وسكت عن الرنين المباح. هو في حسّة سوء لا يُحسد عليها، استجمع قواه وكف عن التفكير المضني ووقف وقفة فيها الكثير من المعاني وتنعْنع شيء في جوفه فيه كثير من المغازي، خطى بضع خطوات إلى الأمام ويدياه الخشنتان تضم الواحدة الأخرى خلف ظهره المقوس. وقال مع نفسه: - أسوأ شيء في الوجود أن تبني شيئا لا تعرف عنه شيئا.. تماما كرجل آلي لا يحس ولا يشعر أو دابة تجر عربة وهي لا تدري لماذا وإلى أين سائرة! لم يتردد في اتخاذ القرار، وقد أرسلت إليه السيالة العصبية أوامر حادة من دماغه المتدمر. حمل الفأس وراح يخرب السور الاسمنتي وكأنه يعيد التاريخ... ترك خلفه أكوام أتربة وأحجار وكثيرا من الغبار وأثنى عائدا إلى كوخه المتواري خلف الفيلات الفاخرة، يجر أذيال هزيمة مفترضة وخسارة يوم عمل شاق، فلن يجازى عن عمله بفلس واحد وهو يعلم كل ذلك. قبل أن يرخي الليل سجوفه و"المعلم علي" مازال يسير والرصيف المآكل، وفي كل مرة يبسق عجم عنب أسود سواد هواجسه، كان حبيس جيب سرواله الأحمر. ترآى له من بعيد جموعا من الشباب يهتفون: - الحمد لله لقد هدموا السور الذي يفصل حينا عن الثانوية... - يحيا النضال وتحيا الثورة.. - لو لم نقدم الطلب لمدير الثانوية لما سمعوا صيحاتنا... بقلم: جمال الحنصالي قاص من المغرب amdiaz77@hotmail.com 00212603082233 آخر تعديل خليف محفوظ يوم 17-12-2012 في 10:28 PM.
|
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 2 | |||||
|
القدير جمال الحنصالي ..
|
|||||
|
|
|
رقم المشاركة : 3 | |||
|
الرائع الصديق العزيز عدي بلال الناقد ذو الرؤية الثاقبة لخبايا الإنتاجات الأدبية لكم مني أحلى التحايا وأزكاها |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 4 | |||||||||||||
|
القدير جمال الحنصالي .. ثورة الفقر قصة قصيرة .. بدأت السرد بلسان الراوي العليم ، ودخول مباشر للحدث .. هنا اقتباس:
في الفقرة السابقة .. سخيت نفسه / القى بالمبلط / الطالوش / قعد هذه الأفعال التي قامت بها الشخصية الرئيسية / الضمير ، جاءت كردة فعل لـ جبينه يتفصد عرقاً / تسلل إلى رجليه النحيفتين التعب / جسده المنهك .. جاء بناء السور من قبل هذه الشخصية خلال بضعة شهورٍ ، وذكر ( نفسه اللوامة ) كانت إشارة إلى ما يعتمل في نفس الشخصية / يلامس الغمم / يحبس الأنفاس / يفشل الهمم اقتباس:
في الفقرة السابقة .. كان الوصف جميلاً ، دقيقاً ، يحمل في طيات السرد تعريفاً بالشخصية الرئيسية رجلٌ ذو الخمسة وخمسين / البياض اجتاح شعيرات رأسه / تمدل بمنديل مرقع / عصبه على رأسه .. ووصف للبيئة المكانية التي يعمل بها ، من خلال السرد إبريق شاي سئم لهاب النار / كأساً اعتلاها الغبار وصداعٌ لا ينفع معه أقراص الأسبرين .. أود أن أشيد هنا بلغة القاص جمال الرائعة ، ومخزون مفرداته التي أغبطه عليها .. ثم .. اقتباس:
في الفقرة السابقة .. يظهر التأثر بالنص المقدس / القرآن الكريم من خلال السرد ، والذي يُظهر هيئة هذه الشخصية من جهة ، وإلى انعكاس هذا على نفسية الشخصية التي يتصاعد في داخلها التفكير في عمله ، وجدواه ، ومدى تأثيره عليه وعلى الآخرين ببناء هذا السور .. فالشخصية الآن في لحظات التأمل ، وهنا نتساءل بماذا تفكر هذه الشخصية في هذه اللحظة ..؟ وهنا أشيد مرةً أخرى بقوة المفردة عند هذا القاص الرائع . اقتباس:
في الفقرة السابقة .. ( فلاش باك ) يدخلنا القاص في عقل هذه الشخصية ، ببراعة وسرد جميل ، ويكشف عن شخصيات ثانوية ، لها دور كبير في التأثير على هذه الشخصية ، ويمرر للقارىء مع كل شخصية معلومة ، سواء عنها أو عن الوضع الإقتصادي للبلدة التي يسكنها منذ شهور ثلاثة ، أو الإهمال في جانب من جوانب هذه البلدة .. والشخصيات هي الزوجة " ربيعة " / أولاده / بناته / والدته / والده / الجار / المعلم علي ثم .. غلاء الأسعار / تصدير خيرات البلدة إلى أوروبا / اللحم وما أدراك ما اللحم .. تباً لك على هذه الجملة الموجعة يا جمال ، كأنها حلم صعب المنال .. الجار والكهرباء / واضطراره إلى سرقة الكهرباء لشدة الحاجة .. وابنه ( زكريا ) / دفتره وأوراق الإنتخابات التي يستخدمها وزرة الابنة ( فاطمة ) / والمدير الرافض لها لأنها ربما لجدتها هذه الوزرة .. والدته / والوشاح الذي لم يأتِ حتى حلول الصيف من حسن حظه أنها مريضة بالزهايمر حتى تنسى طلبها الوشاح موجعة يا رجل ..!! الوالد / وجزاء الإحسان سرير في مشفى مهملة وراق لي وصفك لعظمة هذا الوالد .. المعلم ( علي ) / وبطاقة الهاتف والدين له .. هذه الأفكار لم يسردها القاص لمجرد السرد ، بل إنها تمهيد لردة فعل عنيفة ، فالغريق لا يخشى البلل ..! وهنا نستائل إلى أين سيقوده هذا التفكير ..؟ اقتباس:
ذروة التأزم .. راق لي المونولج الداخلي للشخصية ، والذي أوضح فيه القاص عدم معرفة السبب لبناء السور عند هذه الشخصية ، والشاهد في ذلك هو أن القاص كان قد ألقى بمفتاح ( ثلاثة شهور ) في بداية النص ، وهي المدة الزمنية التي مكث فيها في هذه البلدة التي لا ينتمي إليها ، فكل ما كان يهمه هو قوت يومه ، وهذا الجهل الذي أوضحه القاص كان تمهيداً للقفلة الرائعة لاحقاً .. اقتباس:
جاءت ردة الفعل هنا عنيفة ، ونتيجة طبيعية لكل هذه التفكير والصور في مخيلته عن المحيط الذي يعيش فيه ، والفقر الذي أطبق بفكيه على حياته وأسرته .. لم يكتفِ القاص هنا بهذه النهاية ، بل أكمل السرد ليحدث الدهشة الماتعة في الخاتمة .. اقتباس:
في الفقرة السابقة .. يصور لنا القاص البيئة المكانية التي تسكنها الشخصية كوخ / خلف فيلات فاخرة ويصور لنا تبعات قراره – هدم السور – على حياته / الهزيمة / خسارة يوم عمل شاق .. وهنا أيضاً إضاءة من القاص بأن هذه الشخصية تتقاضى اجرها باليومية .. ( قاتل الله الفقر يا أ. جمال ) لتأتي الخاتمة المدهشة هنا .. اقتباس:
الجمل الحوارية بين الشباب جاءت لتحمل معها الكثير .. · يهتفون من أجل الثانوية العامة التي تم حرمانهم منها ببناء هذا السور / سبب بناء السور . · ظن هؤلاء الشباب بأن ثورتهم هي التي أدت إلى البدء بهدم السور .. · ظنهم أيضاً بأن الطلب من مدير الثانوية هو من أوصل صوتهم لهدم السور . أما قائد هذه الثورة فهو تلك الشخصية ، وهي ثورة ولكن ... ثورة الفقر . شكراً لك على هذه الرائعة يا أ. جمال الحنصالي .. لقد استمتعت بحق وأنا أقرأ ما يخطه قلم قاص يعرف جيداً معنى القصة القصيرة .. أرفع لك القبعة .. تقديري لشخصك وقلمك .
|
|||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 5 | |||
|
ما عساي أقول أنا أقرأ هذا التحليل الذي أدهشني حقيقة حتى خلتك أستاذ عدي نفسي، لأنك استطعت أن تفك جميع الشفرات التي وضعتها بدقة بين السطور إلى درجة أنك مررت على هواجس كانت تتملكني حين كنت أكتب |
|||
|
![]() |
|
|