هل هي من المصادفات ، أم من تصاريف القدر الذي سطر بكلمات بقلم لا يمحي حرفه ، أم يرجع ذلك إلى تبلد مشاعري ، أم مرده إلى غياب تبصري و فقدان بصيرتي ؟ قد يكون كل ذلك ، و قد يكون غيره ،
المهم ؛
استيقظت بهمة و نشاط غير عاديين ،نفضت عني حلما مرعبا، رأيت فيه العرب قد اجتمعوا على كلمة واحدة بجيش قوي استعاد لحن الفتوحات،كنت خفيفا كالريشة تتلاعب بها أنفاس المكان ، لم آبه، و لو للحظة ، للظلمة و هي تسطو
على الفضاء ؛ خرجت سريعا إلى الشارع لأتنسم الهواء الجديد ، ما أروع الاستيقاظ باكرا ، يمنحك مزيد طاقة. لم أهتم برد الناس ، و إن كنت لاحظت أنهم يمرون بقربي من دون الإحساس بي. و كأني كائن لا مرئي ! مجرد شعور طائش انتابني لبرهة ثم تلاشى؛ كما تتلاشى سحب غرة و طائشة في سماء فصل مشمس.
دخلت إلى مقهاي المعتاد ، لم يستقبلني النادل كما كان يفعل ، و بكل صدق ، لم يثر التصرف استغرابي ، فقد اعتدت منه التجاهل ، و صار بالنسبة لي أسبرين ضد صداع الرأس من فضوله المقيت. توجهت توا إلى رفاقي ، كانوا متحلقين حول طاولتهم المعتادة منكبين على الحدث ، يقرأونه من زوايا مختلفة ، كما تعودوا أن يفعلوا كلما داهم زلزال واقعنا الراكد. ما أثار استغرابي أني سمعتهم يتحدثون عني ، بعضهم ينتقدني بشدة ، و بعضهم كان إلى جانبي يدافع عني و يبعد كم الاتهامامت غير الصادقة في حقي ، آه !، يريدون تلويث سمعتي بافتراءاتهم..لا يهم ، مادام في صفي أحبة يقدرونني. ضربت على أكتافهم بمحبة ، و صعقني أن لا أحد اهتم لوجودي ، بقيت واقفا متسمرا في مكاني من شدة الصدمة ،خلت للحظة أن جدارا شفيفا يفصلني عنهم بحيث أراهم من حيث لا يرونني ، و أني قد أوتيت كرامة بلوغ الأماكن بسرعة البرق ، و أنه قدر لي اختراق الجدران و الحيطان بليونة و انسيابية ، و إلا فقد كانوا سيخوضون في حديث آخر غيري . و لما أعياني الانتظار ، و أن لا أحد أعارني لفتة انتباه ، انصرفت خائبا ، أحسست و كأني طعنت من الخلف ، و أن دمي
المهرق ، بفعل الخيانة الشنيعة ، ذهب سدى ، هو القتل غيلة ،إذن ، لا صحاب البتة ، في هذا الزمن الشبيه بالخميس الأسود.
الكل اتفق على تجاهلي. إلا القلة ، هي كوة النور في ليلي الدامس.
خرجت أجر أذيال الخيبة ، تتساقط مني قطع لحمي المنهوش. غريب ، حتى الكلاب الضالة و القطط الشريدة تجنبتني مبتعدة، و ما مدت أسنانها لأكل ما يتساقط مني ؛ شممت رائحة غير
طيبة
تنبعث مني ، واصلت طريقي إلى المنزل ، غير مبال بتناقصي ، و غير مبال بالمرايا و هي لا تنظر إلي ، و إلى الناس لا يلتفتون إلي ، و إلى الجدران أخترقها بسهولة. بلغت منزلي ؛ و لما ذهبت إلى الحمام لأزيل لحيتي التي طالت بشكل منفر ، و أظافري التي واصلت نموها من غير رقيب ، اسقط في يدي ، فلم أكن أبصر انعكاس صورتي على المرآة.