الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 27-05-2015, 01:23 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
ربيع عبد الرحمن
طاقم الإشراف
 
الصورة الرمزية ربيع عبد الرحمن
 

 

 
إحصائية العضو







ربيع عبد الرحمن غير متصل


افتراضي هذا ما كان من أمر محروس و .......................... !

هذا ما كان من أمر محروس
وكيف خرج مولودا من قسم البوليس

كان يعي تماما ما يحاولون ، فما لمحهم من بعيد يندسون ، ويدورون في المنطقة ، وقد كشفتهم ألآعيبهم المبالغ فيها ، حتى انهال على زوجته ركلا وزغدا ، وبصوت حرص أن يخرج همسا راح يستحثها ، وبقبضته يلملم أطراف الجوال ، ثم بدوبارة مجدولة يحكم رباطها ، من بعد ينضغط رافعا الجوال ، ويعدّله على ظهر الحمار المستفز .. بينما كانت عينه السليمة بمكر تنوب عنه ، وتوحي لابن أخيه بضرورة فك أربطة البهائم ، و اللحاق به فورا ، ولولا خطورة السكة الجديدة لتركهم ، وولى هاربا .

كما هو شأنه دائما حين يتأخر به الوقت ، ينخز حماره الأعشى بقسوة غير معهودة ، وساقاه تطحنان بطن الحمار ، الذي أرغمته الجاموسة من الخلف على الاعتدال ، وعدم مجاراة صاحبه في انفعالاته ، ومحروس يتقدم الركب ، ساحبا جاموسته العنود .. لكنهم أغلقوا عليه الطريق ، وفى لمح البصر أحاط به رجال أربع ، ولم يعد يرى قرص الشمس المتهالك في بحر المساء القادم !

تماسك كعود جاف ، وبطيبته المعهودة ، كان يهمهم دافعا الحمار على التقدم ، فنط الأخير محاولا اختراق الحصار ، وكاد يفلح في قلقلة الجدار البشري .
ترجل كبيرهم كإله ، عابرا حاجز الرجال بسهولة و يسر ، مسلطا نحوه عينين تطفحان شرا و جريمة . هاله المشهد المهيب ، و أصابه رعب وذعر أتيا على أربطة مصرانه ، الذي زعق كحوت مسعور . إنه في مثل عمر أصغر أولاده ، فلم يخاف منه على هذا النحو ؟ حتى أصبح ميسورا لأبعد عابر سبيل كشف حجم الفزع الذي يدب في أوصاله .
ابتدره كبيرهم : " أنت تعرف إبراهيم وهدان يا ولد ؟".
صعق ، وبغيظ ردد :" قطيعة ". وهو يطوح رأسه شاعرا بمدى الإهانة ، ولم يخطر على باله للحظة ، أن يكون رد فعله فظيعا ، وبمثل هذه الدرجة ؛ فقد انقلبت سحنة الضابط ، وتأرجح الكاب على رأسه الشامخ ، وحين رفرف النسر بجناحيه طربا على الجبهة العالية ، كانت بطن محروس ترتعد هلعا ، و إحساس غامض يغزو قلبه ، وفورا أمره بالترجل عن حماره ، ودفعه بقبضته :" طيب اركب .. يللا ". وكم كلفته " يللا " هذه ، فقد كانت بمثابة زلزال قلب محروسا أرضا من فوق ظهر حماره .

كان قد أحيط علما بما يتردد ، حول مقتل " إبراهيم وهدان " وسط الغيطان ، منذ ثلاثة أيام ، رغم عدم علم البوليس إلا اليوم ، و ليومين سابقين كان يستطيع التقاط رائحة دم القتيل ، في الدخان الرائق ، المنبعث من الحرائق المباغتة ، التي أشعلها الفلاحون في العشش القائمة على رؤوس غيطانهم منذ عشرات السنين ، بل كان يراها تتموج ، وترسم هياكل كانت أكثر شبها بالقتيل !

اليوم .. الحكومة تجد ما وسعها للإيقاع بقاتله ، قطعوا الزمام طولا و عرضا ، أحاطوا بالصغار و الكبار على حد سواء ، لكنهم ما أخذوا أحدا منهم ، مثلما فعلوا معه .

أحس العم " محروس " أي مصيبة أوقع نفسه فيها ، قدح زناد فكره الخرب ، فألهب الموقف سوءا ، استرحمهم مشيرا تجاه الزوجة و الولد الصغير و البهائم ، والطريق الخطرة : يابيه أعديهم بس ، وأنا تحت أمرك ، اللي أنتم عايزينه يمشي على رقبتي ".
و على حين غرة جاءته لكمة قوية ، أخلت بتوازنه ، ودفعته إلى داخل العربة ، ظلت تئز في أذنيه ومخه طول الليل ، ولسنين قادمة ، بينما الولد و الزوجة و البهائم في عجب من أمرهم ، يندفعون صوب المدينة بخوف دام !

عاد بعين زائغة يستميلهم :" أعدي العيال من الطريق يا سعت الباشا ".
لوح له بالسكوت ، وحاجباه و أنفه المعقوف ، وعينه الواسعة كصقر إفريقي تعطي أمرا للمخبر المتحفز خلفه ، بالتهام هذه الفريسة ، فالتهمها فورا ، وطرح العم محروس بلطمة أخرى على صاج العربة مكتويا ، وشفتاه تتوجعان بلفظة ظلت حبيسة :" يا ولاد الكلب .. آه يا ولاد الكلب ".

انسحبت العربة ، و انسحب الألم على امتداد جسده ، ولسانه لا يفتأ يردد يا ولاد الكلب ، أنا اللي أستاهل .. أنا اللي أستاهل ". يؤنب نفسه ، ويلومها على غشمها ، يضحك على زناخة عقله ، التي سوف تودي به قريبا وراء الشمس .. لقد داهموا الصغار ، على الجسور و القنوات ، فرددوا ببلاغة : لا نعرفه " وهكذا أفلتوا ، رغم علم الجميع ، صغارا وكبارا ، أنهم كاذبون ، فعلى مدى ثلاثة أيام ، وطرق السروح تتغير ، وتتبدل ، وعلى مدى ثلاثة أيام و مزارعو الزمام القريبون من المقابر لا يسرحون . لكنه وقع ، أوقعه سوء تقديره .
يتحسس قفاه المتوهج كجمرة ، واللطمات ما تزال تدوي ، وتصفر في أذنيه ، مطأطئا يضع وجهه بين راحتيه بمسكنة ، وصوته يثقثق ، ورأسه تتطوح بغيظ ، سرعان ما امتلآت العربة ، و أصبح لا يجد هواء كافيا للشهيق !!

لم يكن غيره ، كلهم كانوا يلبسون البناطيل و القمصان ، هو الفلاح الوحيد الذي خرج من الدنيا حمارا ، وما علمته الأيام و لا السنون ، أصبح أبا لرجال يدبون على الأرض ومع ذلك !
كان قاسيا في لوم نفسه ، قاسيا .. وكانت العربة خانقة ، العرق ينبجس من كل جسده ، وتنفذ رائحة عرقهم عبر بدنه ، فيتراخى ، سرعان ما يندفع تحت الأقدام لالتقاط بعض من هواء رطب ، المخبرون يشكلون حاجزا من الحديد ، والبنادق الميري مسددة إلى صدور المشبوهين .. أخيرا صرخت فرامل العربة ، اندفع الجميع مسوقين تحت لطم الجنود والآليات ، إلى داخل المبنى المهيب !

كان في واد ، وهذه الكتل البشرية في الوادي الآخر . كفاه منها نظرة واحدة ، سلطها على الجميع ، سرعان ما انكمش إلى الجدار ، وقد دفن وجهه بين راحتيه ، وألم قاس ينتشر في جسده . رأى وجوها عرفها خارج المبنى ، وسمع عنها حروبا ، وحوادث سرقة وقتل ، ووجوها كانت قريبة جدا ، كانت إلى جانبه .
كان صابر ، هذا الرجل الطيب ، الذي ما سمع عنه إلا كل خير ، نعم هو جزار ، وهو حزين .. حزين وحده منذ اغتيل أخوه في مقهى البيلي ، ومنذ ثماني سنوات ، وهو وحيد .
يتذكر هذا الوجه البعيد ، يغوص في الزمن، سرعان ما يلهبه قلبه فزعا على البهائم و الحمار و الأولاد ، الذين خلفهم ، وأرغموه على تركهم فريسة للسيارات ، لا يدري هل وصلوا بسلامة أم لا .
قدم له أحدهم كوبا من الشاي ، رفض .. أول كوب شاي يرفضها في عمره ، رغم حاجته إلى بل ريقه الجاف . يطالع الوجوه مرة أخرى .
: " أليس عجيبا ياشملول .. في حياتي الطويلة ما دخلت هذا المكان ، كنت أطالعه من بعيد .. بعيد فأجري ، ومع رفاقي نروح نشتم العسكري ، ونجرى .. أقرف من النظر في مبناه.. ليس كرها ، بل خوفا .. ومن بعد كرهته ، حتى إذا ما دعتني الضرورة ألجأ بمن ينهي الأمر ، و أنا بعيد ..أنا من البيت للغيط .. ما قلت إلا كلمة واحدة و لم أكن لأقصدها ، خرجت هكذا .. انفلتت من لساني ". يعطيه أحدهم سيجارة . ينتبه ، يتداخل في بعضه مرتعشا . يبش في وجهه معتذرا بعدم التدخين .

اتكأ بذراعه ، فاصطدم بشيء كان يملأ جيب الصديري . تذكر الشنطة التي ضحك بها ابنه على عقله حين عاد من العراق ، و التي يستعملها كحافظة ، على الفور تغير لون وجهه كلية ، استشاط رعبا ، اعتدل واقفا .. كيف يتخلص منها - هذه الحافظة التي تحوي إلى جانب المسلة و الدوبار أربعة قطع من فئة الخمسة قروش .. وخنسر!
: " آه .. ضعت يا محروس .. ضعت و لا أحد سمى عليك .. آن أن تتصرف بحكمة ، وكيف تواتيني الحكمة ؟ إنها كارثة .. كارثة ".
جذب الرعب المرتسم على وجهه نظرات الجمع المحشود ، في هذه الحجرة الداخلية ، التي دائما ما يقال أنها تبكي طول الليل على من خرجوا منها فاقدي البصر أو العقل ، ومن فقدوا رجولتهم ، حتى أنك لترى نهارا آثار هذه الدموع على الجدران ساخنة لم تزل !!

: " خنسر له مقبض من العظم .. خنسر يامحروس ، و الذبيحة يأتي عليها خنسر ، ويشفيها خنسر .. قد يسألونك و أين الساطور يا محروس ؟ ستنكر بلا شك أين الساطور ؛ لأنك لم تمسك ساطورا إلى اليوم ، لكنهم لن يملوا ، لن يتعبوا معك ، ولن يصدقوك .. حاول أن تلقي به من الشباك أو تحت الأرجل.. آه لو شافوك ثبتت عليك التهمة .. خنسر يا ويلك .. لعبة جميلة يا محروس ، فحين أزاغ عقلك ، وقررت سرقته من الجزار .. كنت في العيد الكبير ، ولما فشلت من سرقته ، أعطاه لك الجزار عن طيب خاطر .. كان جميلا ، وكنت في حاجة إليه لقتل أعواد السريس و الجلاوين و الخس ، وتقليم أظافرك .. وماذا أيضا يا منحوس ؟".
يهيم في فزعه ، يتدبر أمر الخنسر . كان القتيل بلا رأس ، بلا ذراعين ، بقدم واحدة ، وقد شفي كذبيحة ، و هذه أداة الجريمة :" خنسر يا محروس .. ألكي تقطع حبلا أو شحاطا تحمل خنسرا .. آتاك قضاؤك .. آه ".
يبكي العم محروس ابن الخامسة و الخمسين ، يبكي وسط أولاد صغار ، وفتيان قساة ، ومشبوهين عتاة .. يبكي ويروح يخبط رأسه في الجدار خائفا حانقا .

دنا منه صابر على حذر :" عيب يا عم محروس ، دول كلمتين ياخدوهم منك ، وتروّح على طول .. أنت راجل طيب ".
مصمص شفتيه خالعا طاقيته الصوفية ، ثم أخرج منديله المعبأ بالسخام ، مرره على وجهه :" ماذا أفعل .. كنت تعرف أنك حمار ، لم لم تهرب من أمامهم ، وليذهب الجميع إلى داهية ، خائف على البهائم ، ابسط يا عم ، سوف تنسى اسمك و بهائمك ، و أرضك ، ويتفرج عليك الخلق واحدا واحدا .. خنسر يا محروس . كانت الترعة أمامك ، وزوجتك .. كانت العربة ، كنت تستطيع التخلص منه ، لكنك أحمق .. ماذا ستفعل ألآن ؟ و إذا ما رآك أحد و أنت تلقي به .. آه .. انتهى الأمر ، أصبحت قاتلا .. أيعقل أن يكون صابر هو القاتل .. لا .. لو أراد لفعل من زمن ، مر وقت طويل ، نعم فات وقت ، إنه يفتح بيتين الآن .. بيت أخيه و بيته ، فكيف يفعل ؟ لا .. إنه أحد اللصوص الذين يقتسمون معه أو قد تكون أنت ".

ضبط يده على الحقيبة ، فجذبها بعيدا . هاهي ذي الأنظار تتجه إليه . يتحدث إلى أحدهم ، يكرر ما يقول حتى ملّه ، فيصرخ في وجهه ، يتجه إلى آخر ، يتحدث إليه ، يعطيه أذانا صاغية - أول الأمر - يعود يكرر ما قاله ، فيمله ، يصرخ في وجهه . في نهاية الأمر ترابط محتميا بصابر ، فيهدئ من روعه . يكاد يسقط بلسانه ، فيبوح بما ينغص عليه ، يلطمه صوت أبيه الفاني ، يتمثل أمامه بشحمه و لحمه ، مكشرا في وجهه :" خليك رجل ياولد .. إلى متى .. اكبر ياخرع ".
كان بوجهه المقطب ، و أنفه العظيم ، وشعره الأبيض ، صوته الأجش كموتور خرب .

أخيرا جاءوا ، وجاء المغص .. جاءوا خلف بعضهم ، وما أفلت أحد من قبضتهم .. لا يعرف ما الذي أحسه حين حدق في وجه صابر لحظتها ، مما دفعه إلى معاودة النظر إليه . كان أقرب شبها بالضابط ، نفس الملامح ، نفس النظرات القوية . كانوا يدفعون شبابا إلى الحجرة الأخرى ، القريبة .. هناك ، يعلق المشبوه ، يدلى من السقف كذبيحة ، ويضرب ضربا مبرحا . أحس بهزة قوية ، تسرى في جسده ، على الفور اصطكت أسنانه :" يارب .. أنا رجل كبير .. هل ؟ يارب كن إلى جانبي .. يا حسين .. يا سيدة يا طاهرة .. يا أم العواجز .. يابه ".
اللطمات لا تنقطع ، قوية كالرعد تدوي ، ترجف بدنه الهزيل ، تدوي فتحط عليه هو .. وحان دوره ، حان دوره أخيرا ، سحب فأطاع طيبا كطفل وديع ، واجهه السيد ضابط المباحث ، سأله مناورا . رد عليه محاولا قدر إمكانه الحرص . لم يكن بليغا . هاج سيادته ، هجم عليه لاطما . مهانا لوى عنقه ، ودون تفكير :" أنت يادوب قد ولد من عيالي ".
لم تعجبه هذه اللهجة ، ثار ثانية ، ومنتفشا كطاووس كان يسدد لكمة متقنة إلى وجه محروس ، الذي تهالك إلى الخلف ، مصطدما بحوائط الرجال ، فأعادوه إلى قبضته !

حدق بسعادة ، ارتخى على كرسيه . محروس يرغي و يزبد بكلام كالبكاء ، وبطيبته المعهودة ، كان يكرر ما سبق قوله ، فأطاحوا به ، وما تركوه حتى أشبعوه ضربا ، رغم كل ما ناله منهم إلا أنه كان راضيا ، فلم تمكنهم هذه الوسائل من كشف المصيبة التي يحملها . كان يردد :" الحمد لله ". لكنه حدس عودتهم إليه ثانية . ما أفلت أحد من قبضتهم حتى الآن ، وما مرروه على الغرفة الثانية بعد :" الحمد لله .. الحمد لله .. يابه .. الدار تختنق بمن فيها ، و ما أتى أحد ليرى حالي ، ينقذني من هذه المصيبة ، سوف أعلق من عرقوبي ، يضربني فيل من هذه الفيلة ، التي لا تعرف رحمة أو مروءة .. يا ربي .. أنا لا أترك فرضا من فرائضك ، و لا أعتدي على أحد ، حتى أولادي ، أتسامح معهم في حقوقي .. أسرح إلى الغيط من النجمة ، و لا أرى الدار إلا ليلا .. ماذا أفعل ؟ ".
الزبد يتكور على جاني فمه ، يترنح بلا عقل ، ولا يرى إلا أشباحا وخيالات باهتة .

حط غاضبا موهن العظم . ناداه صوت أبيه :" لا تبك ياولد .. كن رجلا و إلا أكلوك ".
قطع بكاءه مشدوها ، راح يتابع الشيخ الفاني :" إنهم اكتفوا .. اكتفوا بهذا .. انتظر ".
كان يرتعد كلما شعر بجيب صديريه ، يصرخ بأعلى صوت كمؤامرة :" أنا الخنسر هنا في جيب محروس .. يا حضرة الضابط أنا الخنسر هنا في جيب محروس ".
يدور حول نفسه كمجنون ، يتكوم ، ينحني ، يحاول كتم أنفاس الخنسر الجبان ، يود لو سخط خنفساء ، لها حرية الخروج من هذا المكان ، و الأصوات من حوله تتعالى في فراغ الحجرة .. صرخات و لطمات ترن ، وبكاء وركلات تمزق وجهه ، تسلخه سلخا رتيبا .
كان أولاده و أولاد أخيه يحومون حول المبنى ، يسمعون صدى الضربات ، تئن ، وترتجف لها الجدران ، وفى الظلام كانت خيوط فضية تنز على خدودها .
كانت جموع غفيرة تتحرك بقلق ووجد ، تفترش الطوار ، تحتضن الأسلاك الشائكة ، والبعض هناك في الخلف ، حيث تصلهم اللطمات ، كما يصلهم الصراخ و العويل .
التجأ أولاد محروس بالمحامين ، فما حركوا ساكنا ، كانوا على علم بالجريمة ، و أمر المشتبه فيهم ، و التقليد المتبع في مثل هذه الظروف :" سوف يتركونه ، لكن بعد ضربه كالعادة ".
شغل أصغر أبنائه نفسه بإحصاء عدد مكاتب المحامين المحيطة بالقسم ، و أيضا مقر الأحزاب ، عدد الجرائد ، النواب ، لكنه فشل في لعبته ، فتركها فورا .
ظلوا يحومون بخيبة أمل ، تعلموا ووظفوا ، شغلوا الوظائف ، وخابوا عند الوصول إلى عمهم .. إلى أخيهم .. إلى أبيهم .. كان شعورا فظيعا ، شعورهم بعدم جدوى المحاولات المنهكة ، إنها ليست مدينتهم تلك التي يتحركون فيها ، أبدا ليست مدينتهم .. وصلوا إلى شقيق المارد السيد ، إلى قاض طيب آخر الأمر .. أقسم على التصرف ، وكانوا أكثر حرجا و قلقا .

كان هو في الداخل يري بعينه ، و لا يصدق ، يرى و لا يفهم . عاش بفأسه و قضيبه ، في الأرض و الدار ، ينبت الزرع و يبذر الذرية ، و الخنسر في جيبه إلى الآن .. الخنسر و المشنقة .. المشنقة لا تلتف إلا حول رقاب الخائبين أمثاله .
فجأة ناداه الصقر ، تهالك ، امتقع وجهه ، تقدم برغمه ؛ فالأكف في عطش إلى اللطم . زحف :" أنا هاسيبك يا محروس تروّح ، لكن أنا هاديك علقة ، عشان إما حد يسألك عن حاجة ، تقول معرفشي !".







 
رد مع اقتباس
قديم 27-05-2015, 06:22 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
عبدالرحيم التدلاوي
طاقم الإشراف
 
الصورة الرمزية عبدالرحيم التدلاوي
 

 

 
إحصائية العضو







عبدالرحيم التدلاوي متصل الآن


افتراضي رد: هذا ما كان من أمر محروس و .......................... !

أسجل إعجابي بالسرد و الوصف و عمق الطرح.
صعب أن تقدم تعليقا ضافيا على نص بحجم كبير، ذي ضفاف.
مودتي، أستاذي الراقي، ربيع.







التوقيع

حسن_العلوي سابقا

 
رد مع اقتباس
قديم 27-05-2015, 10:55 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
بسباس عبدالرزاق
أقلامي
 
إحصائية العضو







بسباس عبدالرزاق غير متصل


افتراضي رد: هذا ما كان من أمر محروس و .......................... !

ليس بإمكاني نسيان النص

فالصفعة كانت كفيلة بتذكيري به

النص برأيي عالج طريقة تعامل رجال الأمن مع المواطن كمتهم
فالطيبون و الطاهرون هم الفريسة الأولى التي يقتات منها رجال البوليس

و يظل شئ

هو أن النص القصصي الطويل نوعا ما يظل هو النص الساحر و المشوق، و له أيضا أهله الذي يتقنون فنه
فقلما نجد كاتبا يكتب قصة قصيرة بهذا الحجم من الطول و لكن بدون تهدل أو إسهاب يقضي أو يحطمها في داخلها

هو أيضا النص الذي يعشقه القارئ العادي لأن الشخوص بداخله تكون نابضة و حية مما يخلق نوعا من التعاطف و تمثل الأحداث و ربما تبني الشخصيات


رائع جدا و عملاق نصك أستاذي ربيع

من يستطيع ألا يشعر بالغيرة من كتاباتك



محبتي الكبيرة







 
رد مع اقتباس
قديم 29-05-2015, 05:16 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
ربيع عبد الرحمن
طاقم الإشراف
 
الصورة الرمزية ربيع عبد الرحمن
 

 

 
إحصائية العضو







ربيع عبد الرحمن غير متصل


افتراضي رد: هذا ما كان من أمر محروس و .......................... !

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالرحيم التدلاوي مشاهدة المشاركة
أسجل إعجابي بالسرد و الوصف و عمق الطرح.
صعب أن تقدم تعليقا ضافيا على نص بحجم كبير، ذي ضفاف.
مودتي، أستاذي الراقي، ربيع.
شكرا رحيم الجميل على مرورك
كانت تجربة في الحياة
أعطتني هذا النص إلي جانب نص مسرحي تم نشره في مجلة متخصصة وفي المجموعة المسرحية " أنشودة الصقر "
خالص احترامي و محبتي






 
رد مع اقتباس
قديم 01-06-2015, 11:51 PM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
ربيع عبد الرحمن
طاقم الإشراف
 
الصورة الرمزية ربيع عبد الرحمن
 

 

 
إحصائية العضو







ربيع عبد الرحمن غير متصل


افتراضي رد: هذا ما كان من أمر محروس و .......................... !

البعض في كثير من الأحيان لا يكون مستعدا لقراءة نص قصصي
وربما سعى إلي تيرير انصرافه و هزيمته إلي مقولات غاية في الهزل
و ربما هي تصدير قاصر لقارئ قادم بالابتعاد و عدم الانشغال به
و هذا في حد ذاته مؤلم .. بل مبرح
خاصة إذا وسم النص بكونه خاص جدا و أنه كتب للخاصة .. مثلما كان يطلق قديما على بعض النصوص
التي يتحكم فيها تيار الوعي أو التي تتحدث عن الكاتب نفسه
و يظل سؤال ملح و قاس : من يقرأ الأدب ؟
و من يتابع قصة في الجرائد و المجلات غير المتخصصة ؟
و الاجابة تستلزم الكثير من المهنية لكي تكون الإجابة مقنعة و قادرة على الوفاء بضمان ثقافة أمة
و عدم الخلط بين مثقف مثقف و مثقف يالكاد يقرأ و يفهم !

أسعدني ما كان منك صديقي كثيرا
و من جماله أثرت شجوني فيما يتناوله كبار الكتاب حين يطلقون الحديث على عواهنه و بلا حكمة !

محبتي







 
رد مع اقتباس
قديم 03-06-2015, 12:14 PM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
عدي بلال
أقلامي
 
الصورة الرمزية عدي بلال
 

 

 
إحصائية العضو







عدي بلال غير متصل


افتراضي رد: هذا ما كان من أمر محروس و .......................... !

القدير ربيع عبد الرحمن

العنوان ملفت حقيقةً، ويدفع القارىء للفضول لمعرفة ما حصل لمحروس في قسم البوليس.

أجمل ما في هذا النص هو وصفك أخي ربيع ..
وصفك للبيئة المكانية، وتحرك الشخوص بداخلها.
أحببت محروس وأشفقت عليه حقاً، وحشدك للتعاطف معه كان موفقاً جداً، والقلق الذي نقلته لي كقارىء من اكتشاق الخنسر في جيب محروس جعلني أتمنى أن أسافر إلى مصر فوراً، وأسأل عن عنوانك، ثم أكسر باب شقتك، وأقتحم عليك غرفتك، وأمسك قلمك رغماً عنك ..
كل هذا خشية أن تفضح أمر الخنسر في جيب محروس.
هل استطعت الآن أن تدرك مدى براعتك في تصعيد الحدث ..؟!

" أنا الخنسر هنا في جيب محروس .. يا حضرة الضابط أنا الخنسر هنا في جيب محروس ".
أيها الخائن يا الخنسر .. استنطاق الجماد هنا كان رائعاً لتجسيد حالة الخوف عند محروس، والتي تتماشى مع طبيعة شخصيته البسيطة.

السلطة، وجبروتها تجسدت من خلال شخصية الضابط وأعوانه، وقهرهم للشعب ( محروس).

وددت أن أسألك - وأنت المعلم هنا - عن الجمل الحوارية أخي ربيع، وسؤالي هو للتعلم.

الجمل الحوارية تأرجحت بين العامية، والفصحى، فمتى نتجاوز عن الالتزام بطريقة واحدة في السرد ..؟ سواء العامية أو الفصحى.

اخترت خاتمة صادمة وموفقة للنص.
ويا محروس
" عشان إما حد يسألك عن حاجة ، تقول معرفشي !".

دمت قاصاً استثنائياً يا أستاذ ربيع .

التحايا أزكاها ..







التوقيع

لو أن الدهر يعرفُ حق قومٍ
لقبّلَ منهم اليدَ والجبينــا

 
رد مع اقتباس
قديم 03-06-2015, 05:48 PM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
ربيع عبد الرحمن
طاقم الإشراف
 
الصورة الرمزية ربيع عبد الرحمن
 

 

 
إحصائية العضو







ربيع عبد الرحمن غير متصل


افتراضي رد: هذا ما كان من أمر محروس و .......................... !

أتعرف عزيزي عدي ..رغم الخراب الذي ندور فيه ، و نحاول أن نقهره ، ونغني قدر طاقتنا
و ما نملك بين صدورنا من بأس و حب للكتابة ، أستشعر سعادة كبيرة و فضفاضة أحسد نفسي عليها
أن قبض لي رحمة و حبا ، فأمدني الله بك ، إلي جانب التدلاوي العاشق للقلم ،و بسباس كريم النفس
فمن دواعي ألمي وحزني أن ينصرف عنا أستاذنا الكبير خليف محفوظ ، و قد كان سندا و عزوة كبيرة
و مدادا شاسعا للحب و المؤانسة .زو لا لوم عليه ؛ فله عذره ، و كل ما أتمناه له الصحة و السعادة وطول العمر !

أما عن تساؤلك الكريم ؛ فقد كان دائما شاغلي ، في بداياتي
و ظل يمثل عقبة كبيرة ، و لكن مع الوقت كنت أتجاوزها ،
بالطبع بالقراءة ، و النظر في أعمال الكبار أمثال نجيب محفوظ و يوسف ادريس
و الكثيرين ممن أحببت من كبار الرواد
فكان الحوار الحي بالعامية ، و ابن اللحظة ، أما الحوار الداخلي فهو معلق بسردية النص
و خاصة أن المونولوج الداخلي عندي يأخذ مساحة كبيرة في كثير من النصوص ،ولو أعطيته العامية
لأصبحت القصة ( النص ) على غير ما أردت له ، و أنا لست ممن يحبذ العامية على الفصحي ،و لو
حتى بمزاعم الوصول للقارئ العادي !

أسعدتني كثيرا عدي الجميل ، أسعدك الله وهيأ لك كل صعب و كريم

محبتي







 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 07:42 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط