غزّة_ أريحا، سلام أمريكي/ إدوارد سعيد
يقول ادوارد سعيد في كتابه القيّم "غزة-أريحا، سلام أمريكي" الصادر في العام 1995 عن دار المستقبل العربي
ما الغرابة إذن، والحال هكذا في أن تستسلم الصفوة الحاكمة، العربية والفلسطينية لأسطورة أمريكا والوهم الزائف عن أمريكا، وليس حتى لأمريكا بوزنها الفعلي. وكثيراً ما تساورني الدهشة والعجب، كلما كشفت لي حادثة أو أخرى عن مدى جهل العالم العربي بأمريكا، في الوقت الذي يزخر فيه هذا العالم بالتحليلات المضللة التي يطالعها القارئ العربي صباح مساء عن أمريكا والغرب. بل إن الأمر قد تفاقم بعد انتهاء الحرب الباردة، حيث ساد افتراض مؤداه، أنه طالما أن الولايات المتحدة الأمريكية خرجت منتصرة من هذه الحرب، وطالما أنها القوة العظمى الوحيدة في العالم الآن، فإن هذا يعني بالضرورة قبول ما تريده، والانصياع لأوامرها بشكل حرفي. هذا في الوقت الذي تنتشر فيه، على الجانب الآخر، مشاعر العداء الأعمى لأمريكا، وكأنما يمكن اختزال هذا البلد الكبير وشعبه إلى نمط بسيط أحادي البعد. ويؤسفني أن أقول إن العديد من الحكام العرب يتصرفون وفقاً لعقلية أشبه بعقلية العبيد، فيتحرقون شوقاً إلى حفل استقبال ضخم تقيمه واشنطن لهم، ويعدون هذا الاستقبال ذروة نجاح حياتهم السياسية. هذا في الوقت الذي لا يولون فيه أدنى اهتمام لآليات تسيير السياسة الأمريكية والمجتمع الأمريكي. بل ولا يعرفون شيئاً عن الطريقة التي تتعامل بها أمريكا مع باقي بلدان العالم الثالث، ولا عن سجلها الحافل بالمخازي في هذا البلدان. كما لا يعيرون أدنى اهتمام لمعرفة كيف تؤثر الأزمات الداخلية في أمريكا على السياسة الخارجية. وفي ظل حالة فقدان الوعي هذه كان من السهل تمرير "الحلف الأمريكي" الذي تخدمه "عملية السلام" وتعميمه على بلدان الشرق الأوسط، دون أن تبدر من العرب أي مقاومة لهذه الخطة. بل إن البلدان العربية فاتها حتى أن ينسق بعضها مع البعض بالشكل الذي يؤهلهم للتعامل مع التفاصيل المترتبة على "عملية السلام" هذه.
بل إن دهشتي وعجبي يتزايدان كلما أمعنت التأمل في الافتراضات القاصرة، بل والخاطئة أحياناً، التي تحكم معرفة العقل العربي الرسمي بالولايات المتحدة. وأول هذه الافتراضات وأبرزها هو أنه يمكن كسب السياسة الأمريكية لصف الشعوب العربية ومصالحها. وهكذا نجد ياسر عرفات، على سبيل المثال، يتحدث كثيراً عن "صديقه" بيل كلينتون، في الوقت الذي يواصل فيه صديقه هذا دعمه غير المشروط لاسرائيل، ويرفض إدانة العنف الذي يمارسه المستوطنون الإسرائيليون، ولا يحرك ساكناً للدفاع عن أي مصلحة للفلسطينيين، ناهيك عن مصالح منظمة التحرير الفلسطينية. فعندما قامت القوات الإسرائيلية باخلاء بعض المواقع العسكرية في غزة، وإعادة نشر القوات في مواقع أخرى، وافق الكونغرس الأمريكي على منح إسرائيل معونة إضافية –زيادة على الخمسة بلايين دولار التي تتلاقها سنوياُ- تقدر بـ180 مليون دولار، وذلك لمساعدتها على القيام بهذه المهمة. هذا في الوقت الذي ما زالت الولايات المتحدة الأمريكية تدرج فيه منظمة التحرير الفلسطينية ضمن المنظمات الإرهابية. والولايات المتحدة لا تعارض فقط حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، بل إنها قامت، في عهد الإدارة الجديدة، بتغيير سياساتها فيما يتعلق بالفلسطينيين إلى الأسوأ، حيث أصبحت تقر ضم إسرائيل للقدس والتوسع غير القانوني لأكثر من 200 مستوطنة يهودية. أما التقييم الفلسطيني الرسمي لطبيعة إسرائيل –التي يواصل عرفات منح رئيس وزرائها شهادات الجدارة والثقة- فهذه مهزلة أخرى، حيث تجتمع عدم المعرفة والحماقة في هذا التقييم. ويغيب وسط كل هذا أي تنسيق عربي حقيقي، إعلامي أو ثقافي، يتوجه للرأي العام الأمريكي الذي تختلف قطاعات هامة منه مع السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.