* التاجر الطماع والفقير الشاكر*
*الفصل الأول*
كان ياما كان ، في قديم الزمان ،جاران لا يتشابهان في شيء تاجر غني يعيش في بيت عظيم ، ولديه الثروة والجاه، وصياد فقير يعيش في كوخ بسيط مع زوجته وأولاده . كان التاجر ناكراً للجميل، متكبراً، لا يحب الناس، وسمع يوماً عن كنز عظيم، وأن عجوزاً في المدينة تعرف سره، فقصدها من فوره، وتحايل عليها ووعدها إن هي أفشت له بسر الكنز، أن يجده ويعطيها نصفه، وبسبب فقرها وحاجتها، فرحت العجوز، وباحت له بالسر .
ومن فوره ، قام التاجر بتجهيز قافلة، تحمل المعدات اللازمة، وتوجه إلى مكان الكهف الذي دلته العجوز عليه، ووجده بعد مشقة، وبدأ مع عماله بالبحث عن الكنز . مر شهران كاملان، حتى أتى إليه أصغر عماله يخبره عن صخرة غريبة الشكل وجدها في أعماق الكهف ، وأسرع التاجر وأمر عماله أن يبدؤوا بالحفر حول الصخرة العجيبة، حتى تمكنوا أخيراً من زحزحتها ، وإذا تحتها نفق ضيق، يقبع في آخره صندوق ضخم ذو قفل كبير، لقد وجدوا الكنز العظيم فعلاً . حمل التاجر صندوق الكنز ومضى إلى بيته، ولم يحدث أحداً، فكأنه ما وجد شيئاً، أما العجوز صاحبة السر، فقد علمت من بعض العمال أن الكنز قد صار في بيت التاجر، وأرادت استلام حصتها منه، فصارت تأتي التاجر كل يوم، وتستحلفه أن يدفع لها بحصتها، ولكن الطمع كان قد أعمى بصيرته، كما كان لا يعرف شيئاً عن الأمانة، فأنكر حصوله على الكنز وطرد العجوز من منزله، وبعد أيام قليلة، عرف التاجر أن الخبر قد وصل إلى السلطان، وخاف إن استدعاه أن يخسر الكنز كله، فقرر أن يغادر المدينة فوراً دون رجعة . وفي جنح الظلام، وضع الكنز مع ما خفّ وغلا ثمنه على ظهور الدواب، ومضى قاصداً بلداً بعيداً لا يعرفه فيها أحد، وجدَّ في السير مع عائلته مدة شهر كامل، حتى لاحت المدينة في الأفق البعيد، فأيقن التاجر أنه قد وصل إلى بر الأمان . وفجأة ومن خلف تل صغير، وبدون أي توقع، خرجت عليهم عصابة من قطاع الطرق، وأحاطوا به ، قال زعيمهم: جهزوا أنفسكم ، سنقتلكم جميعاً خلال لحظات . أجابه التاجر بنفس كسيرة: إنني رجل بسيط أبحث عن الرزق في هذه البلاد . . إنك لن تستفيد من قتلنا في شيء . *لماذا لا أستفيد. . سوف أبيع هذه الدواب في سوق المدينة .
*حسنا خذ الدواب واترك لنا متاعنا.. اننا مساكين. .ارحمنا .
*أرحمكم !!! وكيف أرحمكم !!! وأطلق قهقهة مخيفة تزلزل لها المكان .
*إن قتلنا لن يفيدك بشيء . . دعنا لوجه الله .
وبنظرة جامدة لا تعرف الإنسانية ، أمرهم زعيم العصابة أن يخلعوا ملابسهم فوراً ، ولم يجد التاجر وعائلته مهرباً أمامهم إلا بتنفيذ أمر العصابة .
*ابتعدوا عن الملابس والدواب واذهبوا إلى تلك التلة !!
وتحت التهديد بالقتل، توجه التاجر وعائلته لا يسترهم شيء إلى التلة البعيدة ، وفي نفس الوقت ، حمل اللصوص المتاع والدواب وتوجهوا إلى الطريق الآخر وغابوا عن البصر.
*الفصل الثاني والأخير*
ونعود الآن إلى الفقير الطيب، الصياد البسيط، فقد انتشر في المدينة أن خاتم السلطنة قد فقد من السلطان ، وقد رصدت جائزة كبيرة لمن يعثر عليه. ذهب الصياد إلى شاطئ البحر كالعادة يصطاد، ولكن الله لم يرزقه بأي صيد في ذلك اليوم ، وهو لا ينفك يردد . ."الحمد لله... الحمد لله... لو لم يرزقني الله اليوم... فلا شك أنه سيكرمني غداً "وقبل أن يغادر، بدرت منه التفاتة بين الصخور، فوجد شيئاً يلمع تحت أشعة الشمس، وذهب يستطلع الأمر، وإذا به خاتم ملون يمتلئ بالنقوش والجوهر، فرح الصياد وعاد مسرعاً إلى بيته. *انظري يا زوجتي ماذا وجدت ...! *يا الله ما أجمله . . يمكننا العيش بثمنه طول العمر . *ولكن أما تظنين يا زوجتي أن يكون هو خاتم السلطنة . . إنه غريب الشكل . . مليء بالنقوش . . *وأطرقت الزوجة الصابرة تفكر . . ثم رفعت رأسها . . أسرع يا زوجي العزيز إلى السلطان . . لا شك أنه مشغول البال . . ولا ينبغي عليك أن تتأخر . *بارك الله فيك . . نعم الزوجة أنت يا زوجتي العزيزة . . لن نأخذ ما لا نمتلكه أبداً .
أسرع الصياد الخطى إلى قصر السلطان . . ولكن الحراس منعوه من الدخول : من أنت ! ماذا تريد ! السلطان يغط في النوم ! اذهب من هنا ولا تعود . ولكن الصياد لم يذهب إلى أي مكان، لا، بل اصطنع جلبة كبيرة خارج القصر، حتى تضايق السلطان في نومته وقام غاضباً، ثم أمر الحراس بإحضار من تجرأ وأزعج السلطان وقت قيلولته، وخلال لحظة واحدة، أحاط الحراس بالصياد، واقتادوه مباشرة إلى السلطان، إلى قاعة العرش. *أرجوك سيدي، لا تؤاخذني بما فعلت، ولكن كان من الضرورة أن أقابلك فوراً، ولم يسمح لي الحراس بذلك، والموضوع لا يمكن تأجيله . *حسنـــــــــاً . . ماذا لديك ! !
نظر الصياد إلى وجوه الحراس القاسية . . وطلب من السلطان بأدب أن يصرفهم ، وبإشارة بسيطة من السلطان . . غادر الحراس وبقي الصياد . *حسنـــــــــــــــاً . . ما الأمر ...! *سيدي السلطان . . أليس هذا خاتم المملكة ؟ ! ! . . وأخرج الخاتم من جيبه ووضعه في يد السلطان . *نعم . . نعم . . إنه هو . . كيف وجدته . . ! ! *لقد ســـاقه الله إلي . . حتى أعيده إليك . . ! ! استيقظ القصر، وعمت الفرحة، وانسحب الصياد الأمين، دون أن يشعر به أحد، فقد أدى واجبه، وأحس أنه غريب وسط هذا الجمع . هدأ السلطان بعد حين، وأراد أن يكافئ الصياد، نظر حوله فلم يجده ! ! أين ذهب الرجل ! لا أحد يدري ! ! أمر السلطان غلمانه بالبحث عن الصياد، وتوعدهم بالويل إن لم يجدوه، فأسرع كل منهم يبحث في ناحية، حتى وجدوه أخيراً واقتادوه ثانية إلى السلطان، فرح السلطان بقدوم الصياد، وقابله وطمأنه وسلم عليه . *لماذا ذهبت ! .. لقد أعدت إليّ خاتم السلطنة، وأريد أن أكافئك . *سيدي السلطان، لقد أديت واجبي، والأمانة لا تحتاج لمكافأة، لا أريد شيئاً، إنني بخير والحمد لله . . ! ! *ولكنني رصدت مكافأة كبيرة لمن يحضر لي الخاتم .. ! *أرجوك أيها السلطان، إني أعيش مرتاح البال، ولا أحتاج إلى شيء، أخشى إن غيرت عاداتي أن تذهب سعادتي . . ! ! ولم تنفع محاولات السلطان في ثني الرجل عن موقفه، فهو لا يريد المكافأة، ويريد أن يبقى صياداً يعتمد على الله فقط، ويحصل على قوته وقوت عائلته من عرق جبينه .
فكر السلطان في الموضوع، ثم أمر فبني للصياد كوخٌ جديدٌ، قريبٌ من القصر، وأهداه عدة جديدة فيها كل لوازم الصيد، وأجرى له مكافأة شهرية، وجعله من خاصته .