رأيت في صفحتي (على الفيسبوك) مشاركة من صديق لمنشور عن مغني مشهور يفخر بوصوله للنجاح بعد سنوات من الشقاء والكفاح. ثم رأيت تعليقات كثيرة تتدرج بين عبادته وشيطنته؛ فلم أتفق مع أي من الجانبين.
والحقيقة أن القضية أكبر من الانحياز له أو ضده. مشكلتنا هي في اختلال المعايير، حتى صار المغني والراقصة قدوة للشباب. وقد بدأ التغيير الممنهج للقيم الاجتماعية منذ عقود طويلة. وأول خطوة كانت في السخرية من رجل الدين وإهانة المعلم في الأعمال الدرامية. ثم في البحث عن المبررات للسقوط والفساد. فالراقصة -مثلاً- لم تلجأ للانحراف إلا لسبب اجتماعي أو اقتصادي قهري. والأمثلة على تزيين الانحراف وتحقير التمسك بالقيم أكثر من أن تحصى.
ثم أتى لمجتمعاتنا هم جديد هو الصراع المادي المريض، ليجعل المال هو المسيطر، وهو مقياس نجاح المرء وحظوته في المجتمع، ليؤسس لمبدأ "معك قرش تسوى قرش ...". من هنا رأينا فئات من قاع المجتمع صعدت لسطحه، لمجرد أنها تمتلك الثروة. ولأن الممثل والراقصة ولاعب الكرة يتقاضون أعلى الدخول، صاروا قبلة لاهتمام الصبيان والصبايا، وحلم الآباء والأمهات لضمان مستقبل أبنائهم.
لذلك لم يعد غريباً أن تتابع الملايين برامج ما يسمى بالمواهب، ويبكي الأب على الشاشة بحرقة لأن ابنته لم تقبل لأن رقصها دون المستوى، أو تحتضن الأم ابنها فرحة - كأنه حيزت لها الدنيا - لأن غناءه راق للحكام، وانتقل للمرحلة التالية. لذلك لا أحمل المغني مسئولية هذا التدني؛ فهو - مثل غيره - مخدوع، أو مُنوَّم، أو ثَمِل، أسكرته القيم المقلوبة؛ فكان ضحية لها. ولعل ما يزيد من سكرته - بجانب الدولارات أو ما يعادلها من عملة بلده - جموع الجماهير الحاشدة التي تزين له عمله، وتشجعه على مواصلة جهاده المقدس!.