الموشح وليد النعمة والترف والجمال، أندلسي بلا منازع تقرأه فكأنك تسترق لحظات ضائعة من نفح الأندلس الخضراء، تسافر بك إلى حدائقها البهيجة، مجالسها الراضية ، أيامها السعيدة ولياليها الآنسة،
وإذا بك تعيشها كما وصفها ابن زيدون:
..إذ الصبحُ مرأىً فيكِ والليلُ مَسمَعُ
وإذ كَنَفُ الدنيا لديكِ موطّـأ
سمي موشحا لأناقته وتنميقه تشبيها له بوشاح المرأة،
تتلون الموشحات بألوان الطبيعة الأندلسية الرائقة وكأنها نبت عبق نشأ من طيب تربتها وشبّ على أريج هوائها،
وقد يعن للخاطر أن فن الموشحات نشأ أول الأمر أدبا شعبياً تشاركت في إيجاده خواطر الناس وطبائعهم الرقيقة، والفنون تنشأ ، كذلك، على أمد حتى إذا قاربت النضج تهيأ لها مبدع يصوغها في شكل كامل ويبلغ بها التمام.
لكن المؤرخين يرجعون اختراعه إلى مقدّم بن مُعافر الفَريري أحد شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني
( إلى 300 هـ، 686 م)ويقولون أن أحمد بن عبد ربه صاحب العقد الفريد أخذه عنه.
وبعكس اتجاه الذهنية العربية التقليدية، تجد المتأخرين يفوقون المتقدمين براعة وتفننا بل إنه لا يظهر لهم معهم ذكر..
يقال إن أول من برع في فن التوشيح أبو بكر عبادة بن ماء السماء (ت 422هـ) و عبادة بن القزاز شاعر المعتصم بن صمادح صاحب المرية (زمن ملوك الطوائف)
له
[poem=font="Andalus,7,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
بدرُ تم. شمسُ ضحى = غصنُ نقا. مسكُ شمّْ
ما أتَم. ما أوضحا = ما أورقا. ما أنمْ
لا جَرمْ. مَن لمحا = قَد عشقا. قد حُرمْ[/poem]
ومن أشهر الوشاحين
الأعمى التطيلي (ت 525هـ، 1311م) كبير شعراء الموشحات في عهد المرابطين.
إبن سهل الإشبيلي (ت 649هـ ، 1251 م) ،
، إبن بقي، أبو بكر الأبيض، ابن باجه، إبن زهر،
إضافة إلى شعراء الأندلس المرموقين كابن زيدون، إبن الخطيب
و المعتمد بن عباد وغيرهم
بناء الموشح:
الموشح منظومة متحررة مرنة القواعد بل إنّ أغلب قواعدها نسبية إلى حد كبير ما يتيح مجالا واسعا للإبداع، وقد تفاجئك بعض الموشحات بخروجها عن المألوف لكن أغلبها يلتزم نمطا معينا من البناء،
يتكون الموشح غالبا من خمسة أجزاء أو فقرات يسمى كل جزء منها بيتا (والبيت هنا ليس بيت القصيدة العمودية فهو يضم مايعادل خمسة أبيات منها، أقل أو أكثر أحيانا )
ينقسم البيت إلى قفل وغصن،
القفل: مركز الموشح، يتكرر وزنا وقافية فيضمن تماسك الموشح ووحدته
يتشكل في الغالب من أربعة أشطار (بيتين بالمعنى التقليدي للقصيدة العمودية)
غالبا ما يفتتح الموشح بقفل يسمى مطلعا و مالا يفتتح بقفل من الموشحات يسمى أقرعا
الغصن: الفقرة التي تلي القفل تتكون غالبا من ستة أشطار أو أسماط، تتماثل ثلاثة أسماط متوازية
وثلاثة أسماط متوازية في الوزن والقافية، تتماثل كل أغصان الموشح في الوزن وتختلف لزاما ( أعني في أغلب الحالات) في القافية.
السمط: كل شطر من أشطر البيت
المطلع : القفل الأول يفتتح به الموشح،
الخرجة: القفل الأخير من الموشح، غالبا ما تكون الخرجة بالعامية
ولنأخذ موشح ابن سهل الشهير مثالا نطبق عليه:
[poem=font="Andalus,6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
هل درى ظبيُ الحمى أن قد حمى = قلبَ صب حلّهُ عن مَكنَسِ
فهو في حَر وخفقٍ مثلما = لعبت ريحُ الصبا بالقَبَسِ
**
يا بدوراً أَشرَقتْ يومَ النوى = غُرراً يسلكنَ في نهج الغَرَرْ
ما لِقلبي في الهوى ذنبٌ سوى = منكمُ الحُسنُ ومن عينِي النظرْ
أجتني اللذاتِ مكلومَ الجَوى = والتذاذي من حبيبي بالفِكَرْ
**
وإذا أشكو بوجدي بسما = كالربى والعارض المنبجسِ
إذ يقيم القطر فيه مأتما = وهو من بهجته في عُرُسِ
**
من إذا أُملي عليه حُرَقِي = تركتني مقلتاهُ دنفا
تركت ألحاظه من رمقي = أثر النمل على صُمّ الصفا
وأنا أشكره فيما بَقِي = لستُ ألحاهُ على ما أتلفا
**
هُوَ عندي عادلٌ إن ظلما =وعَذولي نطقهُ كالخَرَسِ
ليس لي في الأمر حكمٌ بعدما =حل من نفسي محل النفسِ
**
غالبٌ لي غالبٌ بالتؤَدَه = بأبي أفديه مِن جانٍ رقيقْ
ما علمنا قَبْلَ ثغرٍ نضّدَهْ = أقحوانًا عُصرت منه رحيقْ
أخذت عيناهُ منها العَربَدَه = وفؤادي سكره ما إن يفيق
**
فاحمُ اللَّمة معسولُ اللّمى = ساحِرُ الغُنجِ شهيلُ النّعَسِ
حسنهُ يتلو الضحى مبتسما = وهو من إعراضه في عَبَسِ
**
أيها السائلُ عن جُرمي لديهْ = لي جزاءُ الذنبِ وهو المذنبُ
أخذت شمس الضحى من وجنتيهْ = مشرقا للشمسِ فيه مغربُ
ذهبت دمعي و أشواقي إليهْ = ولهُ خَدٌ بلحظي مُذْهَبُ
**
يُنبتُ الوردَ بِغرسي كُلّما = لَحَظَتْهُ مُقلتي في الخَلَسِ
ليت شعري أي شيء حرّما = ذلك الوردَ على المغترس
**
أنفدَت دمعيَ نارٌ في ضرامْ = تلتظي في كل حين ما تَشا
وهي في خديهِ بردٌ وسلامْ = وهي ضرٌ وحريقٌ في الحشا
أتقي منه على حكم الغرامْ = أسداً ورداً وأهواه رشا
**
قلتُ لما أن تبدى مُعلما = وهو من ألحاظه في حرسِ
أيها الآخذ قلبي مغنما = اجعل الوصل مكان الخُمُسِ ¹[/poem]
لنأخذ البيت الأول من موشحنا مثلا:
القفل:
[poem=font="Andalus,6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
هل درى ظبي الحمى أن قد حمى = قلب صب حله عن مكنس
فهو في حر وخفق مثلما = لعبت ريح الصبا بالقبس[/poem]الغصن:
[poem=font="Andalus,6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
يا بدوراً أَشرَقتْ يومَ النوى = غُرراً يسلكنَ في نهج الغَرَرْ
ما لِقلبي في الهوى ذنبٌ سوى = منكمُ الحُسنُ ومن عينِي النظرْ
أجتني اللذاتِ مكلومَ الجَوى = والتذاذي من حبيبي بالفِكَرْ [/poem]
نظام التقابل:
وإذا قسمنا الموشح عموديا إلى قسمين، (نسمي قسم اليمين أ وقسم اليسار ب)
بحيث ينقسم كل قفل إلى شطرين واحد إلى اليمين ( أ ) و الأخر على اليسار ( ب )
وينقسم كل غصن إلى شطرين واحد إلى اليمين ( أ ) و الأخر على اليسار ( ب )
نقول أن كل شطر من القفل في ( أ ) يقابل باقي الأشطار في ( أ )
وكل شطر من القفل في ( ب ) يقابل باقي الأشطار في ( ب )
نفس الكلام ينطبق على الأغصان
نلاحظ ما يلي
تتماثل أشطر الأقفال المتقابلة في 'أ' في القافية
( أ )
هلا درى ظبي الحمى أن قد حمى
فهو في حر وخفق مثلما
..
وإذا أشكو بوجدي بسما
إذ يقيم القطر فيه مأتما
كما تتماثل أشطر الأقفال في 'ب' في القافية
( ب )
قلب صب حله عن مكنس
لعبت ريح الصبا بالقبس
كالربى والعارض المنبجس
وهو من بهجته في عرس
يتماثل كل شطر من الغصن في القافية
ويخالف لزاما الأشطر التي يقابلها
( أ )
يا بدورا أشرقت يوم النوى
ما لقلبي في الهوى ذنب سوى
أجتني اللذات مكلوم الجوى
غالب لي غالب بالتؤده
ما علمنا قبل ثغر نضده
أخذت عيناه منها العربده
( ب )
غررا يسلكن في نهج الغرر
منكم الحسن ومن عيني النظر
والتذاذي من حبيبي بالفكر
بأبي أفديه من جاف رقيق
أقحوانا عصرت منه رحيق
وفؤادي سكره ما إن يفيق
وهكذا
_تتماثل أشطار الأقفال المتقابلة وزنا وقافية
_وتتماثل أسماط الغصن الواحد وزنا وقافية
_تتماثل أشطار الأغصان وزنا وتتغاير- لزوما- في القافية
_في بعض الموشحات يتغاير شطرا القفل أو الغصن المتجاوران ( أ ،ب) من ناحية الطول (أو الوزن أحيانا ) شريطة التوازن والإنسجام:
[poem=font="Andalus,6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
سيوف اللحظ منهُ في الجوارحْ = تصولْ
فَكمْ لجفونهِ بينَ الجوانحْ = نُصولْ[/poem]
_لا يشترط تماثل الأغصان و الأقفال في الوزن وإن كان تناسبها ضروريا حيث يفترض أن يكون الإنتقال من القفل إلى الغصن ومن الغصن إلى القفل سلسا عذبا لا تستثقله المسامع.
_قد تكون إحدى قوافي القفل مغايرة للأخرى تتكرر في جميع الأقفال
بنفس الترتيب:
[poem=font="Andalus,6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
القد في اهتزازِ = كالغُصنِ يَهتززْ
واللحظُ من حبيبي = لفتنتي بَرَزْ
**
....
للأنفُسِ العزازِ = بالذل قد رمزْ
ظبيٌ على كثيبِ = والهجرُ مُنحجِزْ[/poem]
وأحيانا أكثر من قافية:
[poem=font="Andalus,6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
يا لحظاتٍ للفتنْ = في رجعها أوفى نصيبْ
ترمي وكلّي مقتلُ = وكلها سهمٌ مصيبْ
**
...
يا ظبيُ خذْ قلبي وَطَنْ = فأنتَ في الأنس غريبْ
وارتَعْ فَدمعي سلسلُ = ومهجتي مرعىً خصيبْ[/poem]
....................
¹ هذه رواية محلية لموشح ابن سهل تختلف في بعض الأمور عن رواية الديوان.
...................
أوزان الموشحات:
خرج الموشح بالشعر العربي من رتابة الأوزان الخليلية إلى رحبة الموسيقى وتنوعها، فهو قبل كل شيء كتب ليغنى لذا خفت أوزانه وتوسعت إلى الأوزان المهملة التي لم تستعملها العرب في أشعارها من قبل، وقد تتعدد الأوزان في الموشح الواحد
وقد يتتحرر من حيز الوزن ليركب عذوبة الإيقاعات وتنوعها ،
لأبي بكر الأبيض:
[poem=font="Andalus,6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
ما لذّ لي شربُ راحْ = على رياضِ الأقاحْ
لولا هضيمُ الوشاحْ = إذا أسا في الصباحْ
**
أو في الأصيلْ = أضحى يقولْ
ما للسمولْ = لطمتْ خَدِّي
وللشمالْ = هَبّتْ فمالْ
غصنُ اعتدالْ = ضَمّهُ بُردي
**
مما أبادَ القلوبا = يمشي لنا مستريبا
يا لحظُهُ رُدّ نوبا = ويا لماهُ الشنيبا
**
برّدْ غليلْ = صبٍّ عليلْ
لا يستحيلْ = فيهِ عن عهدي
ولا يزالْ = في كلّ حالْ
يرجو الوصالْ = وهو في الصدّ [/poem]
وقد يطول بنا الحديث في أوزان الموشحات نتركه لمرة قادمة إن شاء الله